من الديرة
2018-03-12
في ذكرى رحيله الثالثة عشرة

“الحاج المطرود” يستثير ذاكرة الجغرافيا والزمان

سامي المرزوق - خليج سيهات

نجم ساطع من نجوم العمل التطوعي الفريد بالمملكة.. أجاد العمل التطوعي بحرفية وأبوية كعمل اجتماعي وتكليف شرعي.. شخصية اجتماعية معروفه يقصده القاصي والداني لقضاء الحوائج بالمال أو بالوجاهة، لا يتوانى عن ذلك الواجب ابداً، سُمعته في أرجاء البلاد سَبقت أعماله الخيرة، كان الأسبق في تأسيس المشاريع الصناعية التي ساهمت في نهضة المملكة، لم يجامل على حساب المبدأ في العمل الاجتماعي ولم يهادن، فالعمل التطوعي لديه لا تحده الجغرافيا، أياديه البيضاء الحانية على جميع من عرفه وتعامل معه تشهد له بالعطاء السخي، أعماله وانجازاته الوطنية التي ساهمت في الرقي باتت شواهد واضحة يراها الجميع.. لأنها كانت تقف على رؤية واضحة ورسالة شامخة وقيم عالية، شق نهجاً ببصيرة قل نظيرها في الاقتصاد والعمل الاجتماعي الخيري على حدٍ سواء .. إنه الحاج عبد الله بن سلمان المطرود عليه الرحمة.

تعجز الكلمات أن توفيه حقه فهو أكبر منها بكثير، لكن ذكرى رحيله الثالثة عشرة أشعلت بعض الحروف مجددة فخرها بصاحب الذكرى لتبقى سيرته شعلة للأجيال القادمة، تستضيء بها في حياتها.. في ذكرى الرحيل تمتزج العواطف الحزينة الدافئة بأرقام الأنجازات مؤلفة معزوفة نادرة تستحق الانصات والخشوع.

• ولد الحاج عبدالله بن سلمان المطرود يرحمه الله سنة 1343هـ. إلتحق بمدارس التعليم المتاحة في تلك الفترة، حيث تلقى عند “الكتاتيب” دروس القرآن الكريم والكتابة.
• أسس في مدينة الخبر عام 1366هـ أول مشروع لخدمات الغسيل والتنظيف على مستوى المملكة، قدمت خلالها المغسلة خدماتها لشركة أرامكو ومدن وقرى المنطقة الشرقية.
• أسس أول مصنع للألبان والآيس كريم والعصيرات على مستوى المملكة عام 1387هـ .
• أسس أول مصنع للخبز ومشتقاته والفطائر والكورن فلكس على مستوى المملكة.
• أسس أول مشروع على مستوى المملكة لتربية الأبقار وإنتاج الحليب ومشتقاته.
• أسس أول جمعية خيرية بالمملكة مع عدد من الأخوة المؤسسين عام 1382هـ وهي من أنجح الجمعيات الخيرية بالمملكة والتي بدورها أنتجت الكثير من المشاريع الداخلية، منها: المجمع الصحي للإيواء للجنسين، والعيادات الخارجية، ورياض الأطفال ” بيت الطفولة السعيدة “، والمركز النسائي.
• ساهم في تأسيس نادي الخليج الرياضي ” نادي النسر ” سابقاً.
• اهتم بصيانة وترميم الكثير من المساجد بسيهات وخارجها.
• حاز ميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى من الملك خالد بن عبد العزيز يرحمه الله.
• حصل على جائزة الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز أمير المنطقة الشرقية السابق لعمل البر.
• حصلت المخابز الوطنية وهي إحدى مشاريعه الصناعية على جائزة المصنع المثالي.
• عضو في مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية مدة 12 سنة.
• حاصل على عدد غير معروف من شهادات الشكر والتقدير على مساهماته الفعالة في الكثير من المجالات الاجتماعية الخيرية.

بعض من الذاكرة ؟

الحاج أحمد الهزاع “أبو علي” ممن عاصروا وعملوا مع الحاج المطرود عن كثب وشاركه العمل التطوعي بالجمعية وخارجها ينثر عبر “خليج سيهات” بعض عبق الذكريات:
“عرفت الحاج عبد الله منذ 1948م رجلاً اجتماعياً ناشطاً، ورجل علاقات عامة من الطراز الأول، أسس مغسلة ملابس بالخبر بجهود شخصية، ثم تطور حتى افتتح عدداً من المصانع، وفي عام 1971م كنت نائباً له بجمعية سيهات لسنتين، قمنا خلالها بزيارات للوقوف على احتياجات الفقراء والمحتاجين من أهالي سيهات، فنلبي ما نستطيع من احتياجاتهم في تلك الفترة.
واستطرد الهزاع: اشتهر الحاج عبد الله بالنشاط حيث يقف على الأوضاع بنفسه، فقد كان يقضي النهار بأعماله الخاصة وبالمساء يخصصه للتفرغ لأعمال الجمعية وإدارتها، والوقوف على احتياجات المعوزين، فقد كان في حركة دائبة، لا يمل العمل. وبحكم موقعي في شركة أرامكو فقد كان دائم الزيارة لمسؤوليها، إذ كانت علاقاته بدوائر القرار قوية ومميزة، والكل يعرفه كونه رجل يخدم المجتمع، وجميع طلباته لاحتياجات الجمعية تلبى فوراً، حيث تقدم كتبرعات من شركة أرامكو، فهو محل ترحيبٌ دائم.
كان كثيراً ما يقرض الجمعية من أمواله الخاصة عندما تواجه نقصاً مالياً، بعض تلك القروض سددت، وبعضها لم تسدد، وكانت المساعدات نتيجة جهوده ومتابعته ترد من الدولة ومن أبناء البلد، ناهيك عن تبرعات تجار المنطقة الذين تربطه بهم علاقات قوية. وبرحيله (رحمة الله عليه) خسرت البلد قامة شامخة يعز مثلها.
أما الفنان الكبير على السبع فيقول: كُنا في السابق (الستينات الميلادية) عطشى.. نتسابق إلى الشلال، وعندما وصل المرحوم الحاج عبد الله بن سلمان وأخوه المرحوم إبراهيم إلى الشلال لم يفكرا في ظمئهما، بل في ظمأ الآخرين فرووا وارتووا.. فعندما تم إنشاء مشروع مغسلة الظهران عملوا على توظيف جميع العاطلين من أبناء سيهات وغيرها فيها، حيث وفروا فرص عمل كثيرة، فُتحت على إثرها بيوت كثيرة، فهم أول من قدموا للبلد الوظائف الأهلية، لذا هم جغرافية هذه البلد ولا يمكن اقتطاعها فهي من تضاريسها، ففي كل مكان له بصمه وموقف فهو رجل بألف.
الأستاذ مكي الخليفة الأخصائي الاجتماعي بقسم الإيواء بالمجمع الصحي يتذكر بألم وآهات حزينة: للحاج عبد الله المطرود مواقف إنسانية كثيرة حيث كان يقدم لي الكثير من النصائح، وكان يؤكد كثيراً على متابعة نزلاء الجمعية.. كان يوصيني دائما بمتابعتهم وتقديم كل ما يحتاجونه من مساعدة، وكان يحرص على زيارتهم بشكل دائم ويتفقد احتياجاتهم.

كما دأب الحاج على معرفة حالات المرضى وبدقة متناهية، خاصة عند تغير حالة النزيل أو تحويل النزيل للمستشفيات أوفي حالة الوفاة، فكان يوصيني باطلاعه كل ذلك في أسرع وقت ممكن. ويستطرد الخليفة: أكثر الكلمات التي حفرت في قلبي وذاكرتي عندما كان على سرير المرض، حيث أمسك بيدي وكان حاضراً معي الموظف الباكستاني في الجمعية “فدا حسين” وقال لي وهو يبكي بحرقة: “النزلاء أمانة عندكم.. أوصيكم بهم”.

الحاج مهدي الناصر “أبو عيسى” -الذي رافق الحاج منذ البدايات في تأسيس الجمعية- يرى أن الحاج عبدالله المطرود من الشخصيات النادرة بالمجتمع، ويقول: “من خلال عملي معه كوني موظف بالمغسلة التي افتتحها الحاج بالظهران وكأحد المؤسسين الأوائل بالجمعية منذ بداياتها، حضرت الكثير من العطايا فكانت يده ممدودة للجميع، حيث لم يقصده صاحب ضالة إلا وجد ضالته.
ويضيف: “بعد تأسيس الجمعية عرف عن الحاج أنه من أهل الخير فقد فتحت الجمعية أبوابها قبل الحصول على الترخيص عام 1382م، ولم تقتصر مساعدات الجمعية على سيهات فقط، بل توسعت للمدن المجاورة وبعض المدن البعيدة، فأبواب الجمعية مفتوحة للجميع”
ويستحضر الفنان الكبير حسين هويدي موقفاً إنسانياً للحاج.. يقول: “الناس ياسيدي معادن، كالحديد والفضة والذهب والألماس.. التقيت بالحاج عبد الله بمسجد في منطقة ” العليوات” بعنك، وكانت المناسبة مجلس عزاء المرحوم ياسر عبد الجليل العيد، جارنا بحي الفردوس، وكنت جالسا إلى جانبه، فهمس بإذني: “عشان تمرني بكره المكتب لأهديك صورة لوالدك عمرها فوق الستين سنه”.
في اليوم التالي قصدته في مكتبه، فأعطاني الصورة.. كنت سعيداً جدا أني حصلت على صورة لوالدي وهو شاب في مقتبل العمر، وكان مجرد الحصول على صورة في ذلك الوقت شيئاً غريباً ومدهشاً.. ما لفت نظري بعد ذلك هو معدن هذا الرجل وجوهره النقي وإحساسه بالآخرين أو من هم حوله.. منذ تلك المقابلة أخذت عهداً على نفسي أن لا أنساه يومياً من الدعاء وثواب قراءة كتاب الله الكريم بشكل يومي له ولإخوانه رحمهم الله جميعاً وأسكنهم جنات الفردوس.

الأستاذ عبدالله علي الربعان “أبو عامر” قائد التدريب الدولي، وعضو اللجنة العليا للرواد بجمعية الكشافة العربية السعودية تحدث لخليج سيهات في ذكرى الرحيل قائلاً: “الحاج عبد الله قامة في العمل التطوعي يعجز اللسان عن وصفه.. لقد وضع لبنة جمعية سيهات وأعمالها الخيرية، وكان ثاقب النظرة في العمل الإنساني الخيري، وكان رجلاً عملياً متواضعاً، حيث يعمل بيده قبل أن يأمر الناس بذلك، وهذه الصفة نادراً ما تتوفر في البشر.

أما الأستاذ نجيب ابن الحاج المطرود رحمه الله، فيقول: “لم يَحدّ تعرض الوالد رحمة الله عليه للمرض من نشاطه المعتاد عليه يومياً، فقد كان حريصاً على تنظيم جدوله اليومي وبدقة لتسيير أمور المصنع والمغسلة بالخبر في بدايتها، وفي سيهات بعد ذلك، وكان يخصص المساء لأعمال الجمعية وإدارتها، ولم يكن في قاموسه يوم عطلة، فعمله على مدار الأسبوع، لذا قدم جُلّ ما يستطيع، فحبه لمجتمعه ووطنه، ومن خلال موقعه بالغرفة التجارية وجمعية سيهات، كان لا يتوانى عن الخدمة، حتى لو بالغ في تأخير وقت نومه، كل ذلك من أجل استقبال الزائرين، وتلبية حاجات المحتاجين والفقراء.. ولم يكن كل من يقصده يستهدف الحصول على دعم مالي، بل كان يأتيه كثير من أجل المشورة.. لحل المشاكل الأسرية وغيرها، ولم يقتصر ذلك على المنزل، فمكتبه مفتوح للجميع.
ويضيف: “كان رأيه محط احترام، علاوة على حرصه مشاركة أبناء وطنه ومجتمعه أفراحهم وأتراحهم، وأسمى مشاريعه رحمة الله عليه هي “جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية” فقد قدم لهذا المشروع الخيري كل وقته، وكل ما يستطيع أن يقدمه من الدعم المادي والمعنوي ليرسم الابتسامة على وجوه الفقراء والمحتاجين واليتامى والمساكين بسيهات والمنطقة بشكل عام، وما تلاه من مشاريع للجمعية غير مسبوقة بالمملكة كرياض الأطفال.. لم يتوانى فيها عن الدعم اللازم لصمودها واستمرارها.. كان سخياً طوال حياته فدعم الرياضة ممثلة بنادي الخليج الرياضي، ووجه ابنه الأكبر نحو تبني ودعم النادي فاستلم الرئاسة لمدة ١٦سنة، ثم ابنه سلمان لمدة ٤سنوات، وهكذا جميع الإدارات التي جاءت قبلهم وبعدهم، فقدم الكثير من الوقت والجهد والمال وإعطاء النصح والمشورة والعون والدعم وكان وراء انجازات النادي بدعمه السخي، لقد كان حريصاً على أن يكون هذا النادي جامعاً لأطياف المجتمع بالحب والتكاتف والتعاون والتخطيط السليم لبلوغ أفضل النتائج الاجتماعية والرياضية”.
ويستعرض نجيب جانباً من العلاقة الأخوية الإنسانية التي ربطت الحاج رحمة الله عليه بأخوته وأبنائه.. ذكوراً وإناثاً.. وأرحامه على حداً سواء، فكان شديد الحرص على تفقد الأسرة ووصلهم كل جمعة.. يسأل عنهم جميعاً ويدعمهم بكل ما يستطيع.
أما مجلسه في شهر رمضان المبارك، يقول نجيب: “كان مفتوحاً لقراءة القرآن الكريم والدعاء وذكر سيرة نبي الرحمة محمد “ص” وأهل بيته “ع”.. الحالة الدينية حاضرة في كل الزواياً إذ كان حريصاً على توجيهنا وتربيتنا.. كان يوقظنا لأداء صلاة الفجر ويتأكد أننا أديناها، وكان هو القدوة، ففي ليلة الجمعة ويومها يستعد للصلاة بالمسجد قبل ذهابه بساعة”.

ويقول رجل الأعمال عبد الكريم المطوع “أبوعبدالله” أن حياة الحاج عبد الله كلها مواقف إنسانية، نذر نفسه للعمل الاجتماعي بما قدمه للبلاد من مشاريع صناعية واجتماعية مبتكرة وسباقة وليدة أفكاره، كمصنع الألبان وغيره من مصانع ومغسلة الملابس، وتأسيس جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، فهو رجل أعمال من الطراز الأول كما أنه رجل معطاء في بلده.. تحت إدارته -رحمه الله- كانت الجمعية الرائدة في العمل الإنساني الاجتماعي بامتياز على مستوى المملكة، خاصة مع كونها أول جمعية بالمنطقة وبالمملكة، فكانت مساعداتها لأبناء سيهات وخارجها ما أثر على ترابط النسيج الاجتماعي بين الأسر، مما أكسبها شهرة كبيرة بالعمل الاجتماعي رسخ قواعدها الحاج عبد الله المطرود رحمه الله.

 

‫6 تعليقات

  1. اتقدم بالشكر الجزيل لمن ساهم معنا بإخراج هذالعمل المشرق لهذه السيرة الطيبة للحاج عبدالله المطرود رحمة الله عليه ،واقدم الأعتذار لأبنائه الكرام لما سببته لهم من آلام الذكريات ، فكلنا متأثرون برحيله رحمة الله عليه فهو آب الجميع, وحق للجميع معرفة القليل من طيبه وأعماله الخيرة للوطن ولسيهات والمنطقة بشكل عام .
    سامي المرزوق

  2. شكرًا من القلب
    لأهل الوفاء
    شكرًا لكل من احتفظ في ذاكرته
    تاريخا عظيما
    من مشوار العطاء
    شكرًا لأخواننا اللذين اهتموا بتوثيق جزءا من هذا التاريخ

    نعم .. نعم
    والدي الحاج رحمه الله أبٌ للجميع

  3. رحمة الله عليه

    لربما ييعتبر من آخر من يسمون “رجالات البلد” ولا يهون من يقوم بجهود كبيرة هذه الأيام
    ولكن أين الثرى من الثريا
    فقد وضعت سقف عالي من الإنجازات ، هذا السقف العالي يحجم أي عمل آخر

  4. أحسنتم أستاذ سامي بهذا المقال الرائع الذي حلق بنا في سماء هذه الشخصية النادرة -رجمه الله-سواء على مستوى العمل الشخصي أو الاجتماعي أو العمل الخيري ؛ ولا تزال أياديه البيضاء تمتد بالخير حتى بعد رحيله وذلك عن طريق ابناءه الكرام من خلال الدعم المالي السنوي للعام الثالث على التوالي لمسابقة الحاج المطرود للمبادرات بمكتب تعليم القطيف بمجالاتها اﻷربعة (تعليمي-قيمي-تقني-تطوعي) والتي تتنافس عليها مدارس المحافظة بشكل عام والتي تبلغ أكثر من 300 مدرسة للبنين والبنات.
    رحم الله الحاج عبدالله المطرود وجعلها في ميزان أعماله.

    المساعد للشؤون التعليمية بتعليم القطيف ورئيس مسابقة الحاج المطرود رحمه الله
    علي بن عبدالله الشهري

    1. الف الف شكر استاذنا العزيز ابوعبدالله
      على هذه الكلمات الرقيقة
      لك خالص الشكر والتقدير
      سامي المرزوق

  5. هناك رجال لا يتكررون على مدى التاريخ
    الحاج عبدالله كما يحب ان ينادى احد هذه الثله من الرجال الأوفياء
    فقد كان حكيم متواضع كريم معطاء تحمل الكثير دون كلل او ملل في خدمة الإنسانية رحمة الله عليه فهو فخرا للجميع ومثال وقدوة صاحب سيرة عطره ينتمي اليه الطيب وحسن التعامل
    رحم الله من اهدى الى روحه الفاتحة ولجميع ارواح المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى