ads
ads
مايسطرون
2018-09-08

عن الجالس على عتبة الباب


ليس في البيت من أحد..لكنه كان يزور عتبة الباب كعادته، يجلس فوقها ليقرأ في سطور الطريق أخبار العابرين من دفاتر الذكريات، لعله ناهز الستين عاما، أو ربما مازال يسكن الخمسين، غير أن أمه التي غادرت قبل أيام كانت ماتزال ترى فيه شابا ينتظر الزواج..البيت شاحب إلا من ضوء مازال يضيء مدخله، ويضيء الخطوات التي عرفها دخولا وخروجا في صباه، كل الأشياء لم تتغير في هذا البيت القديم، سوى الوجوه التي غادرت، والأصوات التي تلاشت في ساعة النسيان.

هو الآن يصغي لصوت السيارات التي ترتفع وتنخفض سريعا فوق المطب الصناعي الصغير الذي منح أطفال الحي فسحة للركض في امتداد الشارع، تحتشد صورهم في الذاكرة برهة وهم ينتظرون الكرة التي سقطت في فناء البيت ذات لعب، لتعود لهم ثانية بعد أن أخذت السكين طريقها إلى أمعائها، هذا الهدوء الذي كان يلف ذلك البيت يصبح عنوانا للخوف في سكرة اللعب، الخوف من أن تنتهي صولة اللعب إلى سبات طويل بسبب فقدان الكرة، ما إن ترتفع فوق حاجز البيت حتى تنهض كل الخيالات المعتمة، لأن الكرة قد دخلت مغامرة جديدة بين الحياة والموت!.

عيناه المثبتة باتجاه الطريق الأيمن من الشارع توحي بقادم مرتقب من هناك، كلما انقطعت أنفاس العابرين من ذلك الجانب، تلفت إلى جواله المفتوح على كل الاحتمالات، يحرك أصابعه كمسافر في فضاء الحكايات، كمن يهرب من سأم الانتظارات الطويلة، يستدرجه الضوء المشع من تلك الشاشة إلى نسيان الطريق قليلا، قبل أن يستفز رمشه هسيس العجلات البطيئة، فينظر إليها ترتفع وتنخفض كما هي قصص الطفولة التي يسجرها المكوث الطويل على عتبة الباب.

لا شيء في صمت الدار وصمته سوى حفيف الشجر الرفيع الذي يذكرنا بعمر البيت، لم يعد أحد يكترث لهذه الأشجار، فهي تعتني بنفسها في لهيب الصيف وبرد الشتاء، جذورها الغائرة في عمق الأرض كافية لجعلها تقاوم الموت طيلة هذه السنوات، نسيها أهل الدار وهم يألفون وجودها الملازم لوجودهم كالظل، غير أنها افتقدت الأم التي اعتادت أن تستيقظ في الصباحات الباكرة لتهبها نظرة من حنان، ترفع ورقة هنا، وتشذب غصنا هناك، وترش الماء من حولها، يغفل الأبناء عن وجودها في فنائهم بينما تتذكر الأم درس الأمومة الأول وهي تزرع وترعى وتراقب هذه الشجرة في ارتفاعها.

هو الآن في بياض ثوبه ينظر إلى ظلال العابرين، يتفقد وجوههم، ثم يدير عينيه باتجاه اليمين، رجلاه تقبض على أطراف العتبة الأخيرة وهو يفتش في البعيد عن قادم لا نراه، الباب من خلفه موصد، وعمره الذي مر قد خرج من ذلك الباب، ليبقى معلقا في أفق الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى