ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2018-12-26

التفسير الصوفي (العرفاني) للقرآن الكريم


هو التفسير الذي يجعل القرآن الكريم محطًا للإشارات والفيوض القلبية المرتبطة بالسلوك النظري والعملي إلى الله، حيث معرفة الله وأسمائه وصفاته وتجلياته، والعلم بطريق السير والسلوك إلى الله، وما يتطلبه من مجاهدة النفس وترويضها وتطهير القلب من الشوائب والحجب.

وتنطلق كثير من البحوث العرفانية هذه من مقولة ترى أنّ في القرآن كثيرًا من (الإشارات) التي لا يفهمها إلا الخواصّ وضمن إدراك قلبي معيّن، ومن ثمّ فإنّها ليست واضحة للعوام، ولا تُتناول بالقراءة الظاهرة للآيّ القرآني، وهذا سبب تسميته بـ (التفسير الإشاري).

✳ *أسماؤه:*
لهذا اللون من التفسير أسماء كثيرة، منها:
١- التفسير الإشاري.
٢- التفسير الرمزي.
٣- التفسير الصوفي.
٤- التفسير العرفاني.

✳ *تفاسير إشارية رمزية صوفية عرفانية:*

وقد ظهر هذا المنهج بارزًا في التفاسير الآتية:

1- (تفسير القرآن العظيم)، لأبي محمد سهل بن عبد الله التستري.

2- (حقائق التفسير)، لمحمد بن الحسين الأزدي السلمي.

3- (لطائف الإشارات)، لأبي القاسم القشيري.

4- (جواهر القرآن)، لأبي حامد الغزالي.

5- (عرائس البيان في حقائق القرآن)، لأبي محمد روزبهان بن أبي النصر البقلي الشيرازي.

6- (تفسير ابن عربي)[1]، لمحيي الدين بن عربي (محمد بن علي الأندلسي)، كما تأثر به كتابه (فصوص الحكم).

7- تفسير آية البسملة: محاضرات معرفية، للإمام الخميني.

✳ *نموذج للتفسير الصوفي العرفاني:*

يقول محيي الدين بن عربي في كتابه (فصوص الحِكَم) – متحدثًا عن قول هارون (ع) لأخيه موسى (ع): {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}[2]:

“ثمّ قال هارون لموسى – عليهما السلام -: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، فتجعلني سببًا في تفريقهم؛ فإنّ عبادة العجل فرّقت بينهم، فكان منهم مَن عبده اتباعًا للسامري وتقليدًا له، ومنهم مَن توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه في ذلك. فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون؛ لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل؛ لعلمه بأنّ الله قد قضى ألا يُعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لِمَا وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإنّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شيء، بل يراه عين كلّ شيء….، فغلبت عليه [موسى] الغيرة فحرقه، ثمّ نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفًا وقال: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ}[3]، فسمّاه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم؛ لِمَا علم أنّه بعض المجالي الإلهية….، فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سُلّط موسى عليه؛ حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود ليُعبد في كلّ صورة، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعُبد: إما عبادة تألّه، وإما عبادة تسخير، فلابدّ من ذلك لمن عقل، وما عُبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه؛ ولذلك تسمّى الحقّ لنا بـ {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ}[4]، ولم يقل رفيع الدرجة، فكثّر الدرجات في عين واحدة، فإنّه قضى ألا يُعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كلّ درجة مجلًى إلهيًا عُبد فيها….، والعارف المكمَّل من رأى كلّ معبود مجلى للحقّ يُعبد فيه”[5].

ومما قاله الدكتور أبو العلا عفيفي في  شرح هذه العبارات: “لم ينكر موسى على عبدة العجل عبادتهم إلا من حيث إنّهم حصروا المعبود المطلق في تلك الصورة الخاصة التي هي صورة العجل، مع أنّ المعبود المطلق يأبى الحصر؛ لأنّه عين كلّ ما يُعبد، وقد نبّه موسى أخاه هارون إلى هذا السرّ لمّا غضب عليه في محضر من القوم وأخذ بلحيته ورأسه، ….، ويرى ابن عربي أنّ الوجود كلّه سلسلة من الكائنات سخّر بعضُها بعضًا، وسلسلة من الصفات والخواصّ يخضع بعضُها لبعض، وأنّه لا يُعبد شيء من الأشياء في العالم إلا بعد أن يتلبس بالرفعة في نظر العابد، ويظهر في قلبه بدرجة من التعظيم والتقديس؛ ولهذا ما بقي نوع من أنواع الكائنات في نظره إلا وعُبد بإحدى العبادتين: عبادة التأله، وعبادة التسخير، والمعبود في الكلّ هو الواحد الحقّ، ولكنّه يُعبد على درجات متفاوتة في مجالِيه المختلفة؛ ولذلك قال عن نفسه: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ}، ولم يقل رفيع الدرجة؛ لأنّه هو المعبود في صورة كلّ ما يُعبد ومَن يُعبد.. بدرجات يتفاوت فيها العابدون”[6].

ويظهر من الكلام السابق لابن عربي أثر نظريته (وحدة الوجود) عليه، وكيف أمسى يرى أنّ كلّ ما يُعبد هو مظهر (مجلى) لله تعالى، وأنّ العبادة للعجل هي عبادة لله في أحد تجلياته، وما اعتراض نبي الله موسى على قومه في ذلك إلا لأنّهم قصروا عبادة الله على العجل في حين كان عليهم أن يعرفوا أنّ ذاك أحد المظاهر فقط لا ينبغي الاقتصار عليه، فغيره من الأشياء التي تُعبد، ومن الناس الذين يُعبدون هم كذلك مجالي لله تعالى؛ لأنّ “العارف المكمَّل من رأى كلّ معبود مجلى للحقّ يُعبد فيه”!!

وفي تفسير قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ}[7]، راح محيي الدين بن عربي يقول: البحران: بحر الجسم وهو مرّ ومالح، وبحر الروح الخالية من الجسم وهو جميل وسائغ. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ}: بين هذين البحرين برزخ هو عبارة عن النفس الحيوانية التي ليست مثل الروح صافية وخالية، وليست مثل الأجساد (الغولية) الوسخة. {لا يَبْغِيَانِ}: كلّ منهما لا يطغى على الآخر، لا الروح تستطيع أن تجعل الجسم صافيًا مثلها، ولا الجسم قادر على أن يطغى على الروح ويجانسها ويجعلها مثله وسخة[8].
______________
🌀 *الهوامش:*

[1] – هناك من ينسب هذا التفسير لابن عربي، وهناك من يشكك في نسبته إليه.

[2] – سورة طه/ 94.

[3]- سورة طه/ 97.

[4]- سورة غافر/ 15.

[5]- محيي الدين بن عربي، فصوص الحِكـم، تعليق: الدكتور أبو العلا عفيفي/ 191- 195.

[6]- نفسه/ 285، 287- 288.

[7] – سورة الرحمن/ 19- 20.

[8] – دائرة المعارف الإسلامية 4/ 359.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى