وطن
2019-01-03
انقطع عن المنطقة قرابة ٤٠ عام

الجراد وأسواقه في القطيف حكاية ذات تفاصيل تروى

زينب آل محسن - خليج سيهات

حرك سرب من الجراد في مقطع مصور  بالقصيم، الذكريات الممتعة القديمة في زمان “أخياش” الجراد التي كانت تطهى قدروا كبيرة وبراميل ثم تباع في محافظة القطيف في سوق يصح القول أنه سوق الجراد لكثرة المنتج فيه.

أمثال وألعاب وأشعار طالت الجراد “يا جرادة قرقعي، والا رميتك بالبحر” ، وقيل ” يا جراد في عراد رايده ما قط راد”؛ وكأن الجراد (برغم أنه آفة زراعية) علامة مهرجان يحتفل فيه الجميع آنذاك الصياد والطباخ والبائع والمشتري والمتسوقون والشعراء. 

يروي المؤرخ عبدالرسول الغريافي لـ(خليج سيهات) عن أيام الجراد الوفير والذي كانت تنصب له سوقا باسمه في القطيف، والتي كانت جنبا إلى جنب مع أسواق السمن يقول: “تتعدد الحرف والمهن في منطقة عريقة متنوعة البيئات من بحرية وزراعية وصحراوية كالقطيف إذ تصل فيها تلك الحرف أو المهن إلى المئات، وإن تنوعها متوقف على حسب حاجة المجتمع لها وبتنوع ماتوفره هذه البيئات من مواد خام تخدم كلا من الحرفي والمهني، ووفقا لوفرة إنتاج هؤلاء الحرفيين والحاجة لتسويق منتجاتهم فقد ظهرت أسواق متنوعة في سوق مدينة القطيف ليأتي جميع المنتجين من جميع نواحيها لعرض بضائعهم، فكثرت أسواقها الشعبية منها والتجارية المتمثلة في سوق السكة الكبيرة وسكة الحرية والجبلة وسوق السبخة وجوامع وبراحات بيع الحليب التي تعقد في شهر رمضان والساحات العامة للباعة المتجولة وغيرها لدرجة أن هذه الأسواق أخذت منحى التخصص الدقيق، فكان لكل بضاعة أسواقها كسوق دهن الغنم، وسوق دهن البقر ، وسوق العوم وكذلك أكبر سوق سمك في الشرق الأوسط بالإضافة لسوق الصفافير والحدادين وسوق البقر والحيوانات، وسوق الجلود وغيرها، لدرجة أنه كانت هناك سوق لطائر يدعى السمن (مفرد سمنة وليس السمان) وهو طائر أليف يتردد على الأيدي ويألف صاحبه سريعا، وفي موسم وفوده وهجرته لهذه المنطقة وبعد التمكن من صيده كانت  تعقد له سوق خاصة عند سوق القفافيص، وأسواق الجراد هي أيضا إحدى تلك الأسواق التي كانت تعقد في موسم صيده، وفي عدة أماكن والقطيف كإحدى المناطق التي يغزوها الجراد كونها بيئة مناسبة لعيشه وتكاثره فهي زراعية ويحيطها بر البدراني التابع لصحراء الدهناء من جهة الغرب فيسهل عليه غزوها”.

وموقع السوق الخاصة بالجراد كما يروي الغريافي : ” عند دروازة القلعة الجنوبية والمعروفة بدروازة السوق هناك ساحة لازالت موجودة حتى أيامنا هذه وهي مقابل السفينة الحالية وغرب المبنى الذي فيه أقدم صيدليات المهنا  والقائمة إلى يومنا هذا وهي شمال سوق القفافيص والمدخل الشمالي لسوق السكة ، هناك كانت تعقد سوق الجراد في موسمه سنويا ويباع بكميات كبيره حيث كان يباع بالوزن بوحدة الرطل أيامها ثم أصبح بالكيلو بعد ذلك، كما وكان يباع أيضا بالتقدير حيث يملأ كيس ورق صغير (لأخذه سفري) بنصف ريال أو يلف بأوراق أكياس الاسمنت أو يعبأ ملء طاسة بأربعة قروش لأكله في نفس المكان، والطريف في الأمر أنهم كانوا يبيعون بعضه على الأطفال وهو حيّاً ، فكل أربع أو خمس جرادات بقرشين من أجل اللعب به حيث تعلق الجرادة من رأسها بخيط رفيع بعد ثقب الرأس بالإبرة فيمسك الطفل طرفه الآخر ويحركه وهو يردد فلكلورا محليا قائلا:

*ياجراده قرقعي*

 *وإلا رميتش في البحر* 

ثم تقرقع الجرادة أي ترفرف بجناحيها وهي معلقة في الخيط بيده، وثمة أسواق أخرى تعقد لبيع الجراد منها سوق الجبلة ذات الموقع الاستراتيجي التجاري الهام والتي تقع في الطرف الجنوبي من سوق السكة وذلك من جهة الغرب، جنوب حي الشريعة وشمال حي الكويكب وهي سوق عامرة تضم كثيرا من الأسواق كسوق التمر وسوق دهن الغنم وسوق الاسمنت وسوق الجلود وبعض المواد الغذائية وغيرها. ففي بعض المواسم كموسم التمر أو موسم الجراد فإنه يتصدر حركة سوق الجبلة هذه حيث يملأ البياعون أرجاءها، وبما أن للجراد موسما قصيرا فإن  الإقبال عليه يخلق حركة سريعة في رواجه”. 

وأشار الغريافي إلى وجود أسواق تعقد في نفس مكان سلقه (فوحانه)، فإذا كانت  الكميات كبيرة فإنه يسلق في الفدى وهو المكان الذي تجفف فيه التمور ويسلق فيه السلوق أحيانا، مؤكدا وجود أماكن مختلفة في مناطق القطيف ومدنها وقراها لأن الإقبال عليه في موسمه كبيرا آنداك .

ويضيف: ” اعتاد الصيادون القطيفيون إعداد العدة لصيد الجراد بكميات تجارية حيث يكمنون له في فترات زحفه في بر البدراني عندما يكون الجو ملبد بدرجات عالية من الرطوبة وعند نزولها يقال باللهجة العامية أنها ( طاحت عليه الطليه) فلايتمكن من الطيران فيقتصر على حركته بالزحف وعندها يسهل صيده فهو عاجز عن الطيران، فتجهز لصيده أكياس خيش الأرز الكبيرة (حجم 80 كيلو) وتعبأ بالجراد وتخاط بخيوط السوتلي بالمسلة (الدفرة / الميبرة ) ثم توضع على ظهور الحمير أو (القاري) وهي العربة التي يجرها الحمار، وتنقل لسوق الجبلة في القطيف أو إلى سوق الجراد لبيعه حيا أو إلى ساحات سلقه والجراد والروبيان والسلوق (بسر الخنيزي) هي ثلاث غلات اقتصادية في القطيف تباع بعد سلقها ويمكن تجفيفها وتعبئتها في أكياس الخيش لحفظها للمواسم الأخرى أو لتصديرها”. 

وذكر الغريافي أن الروبيان يمكن تصديره للعراق و إيران ويستهلك أثناء الأسفار البريه كالسفر لمكة والمدينة والعراق و إيران،وأما السلوق فيصدر مع اللؤلؤ إلى الهند، كما ويستهلك أيضا أثناء الأسفار. وأما الجراد فيستهلك ويجفف بعضه لاستهلاكه محليا ويمكن بيعه في المناطق المجاورة مشيرا إلى اختلاف السعر  بين ذكر الجراد وأنثاه فأسعار الجراد الأناث (إذا أمكن انتقائها من بين الذكور) يكون أعلى بكثير من الذكور وتعرف الأنثى بالمكنه وأما الذكور فتعرف بالسرح.. لذا نسمع الأطفال دائما يرددون في فلكلوراتهم الشعبيه على شكل كورس:

*السرح مايحب المكنه*

*والسرح عوره بطنه*.

وحول عملية الطهي الخاصة بالجراد يقول: ” كان يسلق في قدور كبيرة، وفي ساحات خاصة  تصف فيها القدور وتنصب على (مناصب) أي (أثافي ) وهي أحجار كبيرة ، يسخن الماء في تلك القدور أولا ثم تفرغ فيه أكياس الجراد بعدها لضمان عدم طيرانه.، ويذكر السيد هاشم موسى أحد صيادي الجراد وباعته آنذاك، ذكر لـ(خليج سيهات) أنه ما زال يتذكر نزف يديه بالدم جراء لم الجراد في الخيش وتحركه ورفسه طوال مدة حمله حتى الوصول به للمنزل أو لموقع السلق، مشيرا إلى  أن  عملية الصيد تتم عادة في وقت المغرب لأن الجراد ينزل في هذا الوقت على الأشجار و (الهرمة) و( القض قاض ) وهي أنواع من الحشائش الصغيرة التي تنمو في البر ، ويقوم بجمعه في الخيشة ثم (يفاح) أي يسلق في قدور كبيرة لمدة عشر دقائق فقط، ثم يترك ليجف ويباع بالكيلو في الأسواق .

وذكر السيد أن صيد  الجراد في حد ذاته معناه تذكى، ويؤكل منه جسمه دون الجانحين والأرجل، والرؤوس محببة للبعض والبعض الآخر لا، وقد تقلى بزيت خفيف أو سمنة قبل تناولها من محبيها ، مشيرا لانقطاع الجراد عن المنطقة منذ ٤٠ عاما ، وإنما قد يشاهد (الدبأً) وهو الجراد الصغير الذي يفقس بعد رحيل الجراد الكبير، لكنه لا يأكل إنما يحرق ويرش على الزراعة كأسمدة . سرب من الجراد يغزو المنطقة الشرقية ،  قافلة الزيت نوفمبر- ديسمبر ١٩٦٦

أخياش من الجراد الحي

سوق الجراد بمدينة بريدة ١١ ديسمبر ٢٠١٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى