مايسطرون
2019-09-04

ومضة حسينية (٥) إني لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي


قال الإمام الحسين عليه السلام: (إني لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي). يا لها من كلمة عظيمة لها دلالات عميقة. كلمة تكتب بماء الذهب. ليست لأنها صادرة من خامس أصحاب الكساء وسيد شباب أهل الجنة فحسب، ولكن لأنها تعطي توصيفا دقيقا لأصحاب الإمام الحسين عليه السلام. إذ لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذا القول في أصحابه. ولم يقل أمير المؤمنين علي عليه السلام مثل هذه الكلمة في أصحابه. ولم يقلها الإمام الحسن عليه السلام في أصحابه.

والإمام الحسين عليه السلام عندما قال تلك العبارة في أصحابه لم يقلها منطلقا من عاطفة إعجاب بهم، ولم يقلها مبالغة فيهم، ولم يقلها في غير محلها لأنه لم يقل شيئا قط في غير محله. وكان الإمام الحسين عليه السلام دقيقا في عبارته حيث قال (لا أعلم)، ولم يقل لم أر أو لم أعرف، حيث قد ينصرف قوله إلى وجود غيرهم في حقبة زمنية أخرى أو في مكان آخر. ولكن قال (لا أعلم) لينفي أي وجود لأصحاب أفضل من أصحابه.

إذن بماذا تميز أصحاب الإمام الحسين عليه السلام حتى أصبحوا خير أصحاب لسيد شباب أهل الجنة؟

عندما نلقي نظرة فاحصة على أصحاب الإمام الحسين عليه السلام نجدهم يشكلون فسيفيساء بشرية متنوعة. نجد فيهم الشباب والكهول والشياب. القريب والبعيد نسبا، العبيد (الموالي) والأحرار وفيهم أفراد وشيوخ عشائر. حتى النساء شاركن في المعركة. ونجد في الشهداء أطفالا رضع وأطفالا لم يبلغوا الحلم.

وعندما قال الإمام الحسين عليه السلام تلك العبارة قالها في أصحابه الذين استشهدوا معه في يوم عاشوراء، ولم يقلها في أحد ممن خرج معه من مكة وصحبه في الطريق إلى كربلاء ثم انسحب في الطريق. نعم لقد قالها فقط في ثلة قليلة آمنت به وبقضيته وناضلت من أجل مبادئ الإسلام التي خرج من أجلها الإمام الحسين عليه السلام في وجه الظلم والطغيان. هؤلاء الأصحاب التحقوا بالإمام الحسين عليه السلام ليس لدنيا أو مال أو جاه أو مناصب دنيوية، لا ولكن خرجوا معه لإقامة العدل والمساواة والإصلاح في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لقد استشهدوا بين يدي الإمام الحسين عليه السلام طواعية ورغبة في الشهادة. بل يعلمون علم اليقين أنهم سوف يستشهدون في يوم العاشر من محرم.

كان الإمام الحسين عليه السلام واضحا من أول لحظة خرج فيها من مكة حيث خطب في الحجيج عند الكعبة المشرفة وقال: (أيها الناس، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا، ولا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلا فينا مهجته، وموطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإنني راحل مصبحا إن شاء الله).

وما يدل على ذوبان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في الله سبحانه وتعالى واشتياقهم إلى لقائه ما قاله أصحابه ليلة العاشر من المحرم عندما خطب فيهم: (أما بعد فإني لا أعلمُ أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكُم الله عني جميعا خيرا، ألا وإني أظنُ يوَمنا من هؤلاءِ الأعداءِ غدا إلاّ وأني قد أذنتُ لكم، فانطلقِوا جميعا في حل ليس عليكم حَرجٌ منّي ولا ذمام هذا الّليلُ قد غشيّكم فاتّخذوه جَمَلا). قال نافع بن هلال وهو يخاطب الحسين عليه السلام معبرا عما يجول في خلد أصحاب الإمام الحسن عليه السلام: والله لو قتلنا ثم أحرقنا ثم ذرينا في الهواء يفعل بنا ذلك سبعين مرة ما تركناك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى