مايسطرون
2019-09-05

ومضة حسينية (٦) صدقت أمك حين سمتك حرا


عندما وقف الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله تعالى عليه بين يدي الإمام الحسين عليه السلام معتذرا تائبا، قال له الإمام الحسين عليه السلام: (صدقت أمك حين سمتك حرا، أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة) . يا له من وسام عظيم حاز عليه الحر من أفضل خلق الله في زمانه، من سيد شباب أهل الجنة وحبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

كيف نال الحر هذا الوسام الذي ختم به حياة الدنيا واستقبل به حياة الآخرة؟ مع أن الحر ارتكب ذنبا عظيما في حق الإمام الحسين عليه السلام وفي حق بنات الرسالة سلام الله عليهن، هذا ما يردده الخطباء سنويا. قيل أن الحر جعجع بالحسين عليه السلام إلى كربلاء وقيل جعجع به حتى لا يصل إلى كربلاء. وقيل أراد أن يجعجع به إلى مكان ليس فيه ماء ولا كلأ امتثالا لأمر ابن زياد. وبهذا روع بنات الرسالة بما قام به من جعجعة لركب الإمام الحسين عليه السلام. فهل يا ترى هذه الأقوال صحيحة أو أنها موضوعة؟ هل هذا هو الذنب الذي جعل الحر يعتذر من الإمام الحسين عليه السلام أو أن هناك ذنب آخر؟ في رأيي يوجد تشويش في قصة الحر مع الإمام الحسين عليه السلام، أو أن هناك أمورا أخرى غائبة عنا لم يذكرها التاريخ.

لو سلمنا بهذا الذنب الكبير فإنه يتعارض مع قول الإمام الحسين عليه السلام في أصحابه: (لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي). بالإضافة إلى أن الحر تعامل مع الإمام الحسين عليه السلام بأدب جم حينما التقى به في الحسم أو عذيب. كان الحر قادما من الكوفة وكان الإمام الحسين عليه السلام قادما من جهة الحجاز. وكانت مهمة الحر هي القبض على الإمام الحسين عليه السلام وتسليمه إلى ابن زياد في الكوفة، ولم يأمره بقتاله. فاحتدم بينهما النقاش. فعندما يئس الحر من إقناع الإمام الحسين عليه السلام بالذهاب معه مخفورا إلى الكوفة، عرض الحر على الإمام الحسين عليه السلام أن يتخذ طريقا لا يوصله إلى الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة. فقبل الإمام الحسين عليه السلام عرضه.

ومن الإيجابيات التي أبداها الحر في تعامله مع الإمام الحسين عليه السلام أنه ذكر الزهراء عليها السلام بكلام جميل، واختار أن يصلي جماعة بإمامة الإمام الحسين عليه السلام.

وكان الحر يطلع الإمام الحسين عليه السلام على خطابات ابن زياد وآخرها التي طلب فيه من الحر أن يجعجع بالإمام الحسين عليه السلام إلى مكان ليس فيه ماء ولا كلأ. حيث وصل الخطاب إلى الحر وركب الحسين عليه السلام في نينوى. إذن الجعجعة التي يتحدث عنها الخطباء أو المؤرخون لم تحدث لأن الإمام الحسين عليه السلام قد وصل إلى كربلاء، الأرض التي اختارها الله لمصرعه.

خلاصة القول، من خلال قراءتي لهذا المشهد من واقعة الطف، يتبين لي أن الحر رضوان الله تعالى عليه لم يرتكب ذنبا مباشرا في حق الإمام الحسين عليه السلام، بل بالعكس تعامل معه تعاملا راقيا ولطيفا. إذن ما هو الذنب الذي جعل الحر يعتذر من الحسين عليه السلام ويسأله هل لي من توبة؟ ربما لأن الحر كان في فسطاط بني أمية لذا قد يعد ذلك ذنبا يتطلب التوبة منه. وربما كان للحر تكتيك معين (تقية مثلا أو فطنة وحنكة) لم يطلع أمره على أحد خوفا من أن يكتشف أمره فيحول ذلك دون مشاركته مع الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء. خصوصا أن كثيرا من الموالين لأهل البيت عليهم السلام زجهم ابن زياد في السجون. وأخال كلمة الإمام الحسين عليه السلام في حقه تترجم هذه الرؤية حيث قال: (صدقت أمك حين سمتك حرا، أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة). فالحر في الدنيا لا ينصاع لأوامر الطغاة إلا في الحدود التي يريد من خلالها الوصول إلى الهدف الأسمى.

في تصوري قضية الحر بن يزيد الرياحي تحتاج إلى مزيد من البحث وسبر أغوار التاريخ للوقوف على حقيقتها.

السلام عليك أيها الحر، يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى