ads
ads
ads
ads
وطن
2019-10-12

تراجع الإعلانات هاجس يطارد صحف المملكة

حسام هبه - خليج الدانة

مع اقتراب موعد نبوء مردوخ:
الصحافة المطبوعة فى مهب الريح
توقعات باختفاء آخر نسخة مطبوعة عام 2040
صحف مصر من بيع ثلاثة ملايين نسخة إلى نصف المليون يوميا
صحف أمريكية استغنت عن نصف عدد صحفييها بسبب الرقمنة

فى منتصف الستينات كان عدد المصريين قد قارب على الثلاثين مليون نسمة وكانت صحيفة الأهرام الرسمية توزع يوميا ما يقرب من المليون نسخة؛ يزيد يوم الجمعة بسبب مقال للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل إلى مليون ونصف المليون نسخة ورقية أما اليوم ونحن على أعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين وعدد المصريين يفوق المائة مليون نسمة؛ فإن الأهرام بالإضافة إلى عشرين صحيفة يومية أخرى يتم توزيعها في مصر ؛ ويوزعون على أقصى تقدير نصف مليون نسخة ورقية بحسب بيان للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري والذي أرجع هذا التراجع الشديد في حال الصحافة المطبوعة إلى لجوء القراء إلى مصادر أخرى للحصول على الأخبار لعل من أهمها الصحف الإليكترونية بالإضافة بالطبع إلى التبادل الرهيب في الأخبار الذي يتم عن طريق مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي.

في المملكة وفي مطلع يوليو الماضى وجهت شركة “وطنية للتوزيع” في السعودية خطاباً إلى مسؤولي المؤسسات الصحافية، تخبرهم فيه بإيقاف توزيع الصحف الورقية في بعض مناطق المملكة ومحافظاتها، من بينها العاصمة الرياض وجدة وأبها والقصيم وعرعر والجوف وحفر الباطن بدءاً من يوليو وأوضحت الشركة في خطابها “أن التوزيع سيُوقف في بعض المناطق، بسبب ارتفاع التكاليف وانخفاض الإيرادات، وعدم تحمُّل المؤسسات الصحفية لتكاليف تشغيل هذه الفروع”.

وأكدت التعليقات التي جاءت عقب صدور هذا القرار أن نجاح الصحافة الإلكترونية، التي ظهرت في السعودية في نهاية التسعينات، في تلبية حاجة القراء إخبارياً ومعرفياً، كان من العوامل التي قللت أهمية الصحف الورقية، التي لم تستطع التكيف مع متغيرات العصر، فلم تطور أدوات النشر ولا أساليب التحرير، على الرغم من الإمكانات الهائلة المتوافرة لديها.

ووفقا لدراسة نشرتها صحيفة مكة فإنه وحتى وقت قريب كانت المؤسسات الصحفية تحقق سنويا أرباحا مليونية، وتوزع على أعضائها ومنسوبيها مكافآت مجزية، كان آخرها في 2017 عندما وزعت مؤسسة اليمامة 29.48 مليون ريال على مساهميها، وقبلها مؤسسة عكاظ في 2012 عندما حققت أعلى معدل صافي أرباح في تاريخها بنحو 134 مليون ريال، وفي نفس العام زادت أرباح مؤسسة الجزيرة على رأسمالها.. فماذا حدث بعد ذلك؟

في عام 2014 تراجع الدخل الإعلاني، العمود الفقري للمؤسسات الصحفية بنسبة 58% من 2.763 مليار ريال إلى 1.170 مليار. وهذا الرقم لا يمثل صافي القيمة الموردة للمؤسسات الصحفية، حيث تتبعه حسومات على شكل إعلان مجاني أو ترويجي أو تعويض عن إعلان خاطئ، إضافة إلى نحو 30% (تتراوح بين 400 و600 مليون ريال) تذهب لوكالات إعلان أجنبية مملوكة لـ«شربل، طوني، جوني»، وتسيطر على سوق الإعلان في المملكة منذ عشرات السنين.

كذلك حرمت وزارة التجارة المؤسسات الصحفية من نحو 300 مليون ريال سنويا، عندما أعفت الشركات المساهمة (قيمتها السوقية 2.02 تريليون ريال وأرباحها تتجاوز الـ100 مليار ريال) من نشر بياناتها وقوائمها المالية الربع سنوية في الصحف، واكتفت بالنشر مرة واحدة في نهاية العام.

معظم الحملات الإعلانية الحكومية تذهب للمؤسسات الصحفية عبر نفس الوكيل الإعلاني الأجنبي «شربل، طوني، جوني»، وبالتالي لا يصلها أكثر من 25% من القيمة الحقيقية للحملات وأسندت وزارة العدل مسؤولية توزيع إعلانات «التنفيذ» لشركة ثقة لخدمات الأعمال (شركة حكومية 100% تمتلكها هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية والهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين)، حيث تتقاضى عن كل إعلان يردها من محاكم التنفيذ مبلغ 350 ريالا، تدفع منه 200 ريال للمؤسسة الصحفية الناشرة للإعلان، وتحتفظ بالباقي لنفسها (تقدر أوامر التنفيذ بنحو 770 ألف إعلان في السنة) بحسب موقع وزارة العدل.

التوقعات
فى شهر أبريل المقبل 2020 تكون قد مرت خمسة عشر عاما على النبوءة التي أطلقها قطب الإعلام روبرت مردوخ والتي أكد فيها أن الصحافة الورقية ستختفي عام 2020 في حين يقول (فيليب ماير) مؤلف كتاب (تلاشي الصحيفة، إنقاذ الصحافة في عصر المعلومات): “إنه لو كُتب له العيش، فسوف يشهد قيام آخر قراء الصحف بإعادة تدوير النسخة الأخيرة من الصحيفة الورقية بحلول عام 2040”.

والواقع فإن هناك الكثير من التوقعات باختفاء الصحافة الورقية خلال الفترة القصيرة المقبلة، حيث يقول جورج بروك مدير مدرسة الصحافة العليا في لندن ومؤلف كتاب نفاذة النسخة المطبوعة أنه ما بين عامي 2000 و2012، انخفضت عائدات الصحف الأميركية من الدعاية والإعلان، بأكثر من ثلاث. وانخفض عدد العاملين في تلك الصحف بنسبة تقارب الـ40 بالمائة في الفترة الزمنية نفسها. وتذهب إحصاءات أخرى في الاتجاه ذاته ضمن بلدان الاتحاد الأوروبي عامة وهكذا، فالمؤشرات تدلّ على تسارع كبير في تقهقر الصحافة. وأمام هذه الحقيقة هناك من يرى “موت الصحافة في الأفق”، بينما يبدي آخرون قدرا من التفاؤل.. وأن نموذجا جديدا من الصحافة سيتولّد من رحم الأزمة الحالية. كما يرى المؤلف أن للصحافة البريطانية تاريخها الذي تحدد مساره ضمن إطار التاريخ البريطاني الشامل.

على المستوى العربي يقول الدكتور مصطفى المحايدة رئيس شركة ايريس ميديا إن عصر الصحافة الورقية أي الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية والمطبوعات بوجه عام قد أوشك على الأفول ، وأكاد أجزم حسب خبرتي الإعلامية التي تمتد إلى أربعة عقود في الإعلام الإماراتي وتحديدا في العاصمة أبو ظبي , أن المستقبل بات محسوماً لمصلحة الصحافة الإلكترونية، ما يدفع بالضرورة إلى التكيف مع هذه الحقيقة والعمل على إعادة تأسيس الصحافة العربية في ضوء وقائعها، ما يعني اللحاق بركب التطور وتوفير الشروط الحقيقية لتأسيس صحافة عربية جديدة، جادة وراقية ويمكنها أن تجاري العصر بتطوره وحداثته.

وفي تصريحات نشرتها صحيفة الشرق الأوسط السعودية للدكتور فهد العسكر أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، اعتبر أن الصحف السعودية ليست بمنأى عما يحدث في الصحافة عالمياً، وعليها أن توجد حلولاً جذرية كي لا تواجه المصير القاسي الذي عصف بالصحافة الورقية عالمياً، سواء كانت هذه الحلول من قبل المؤسسات نفسها أو من الدولة.

واعتبر العسكر أن كل الذي تعمله الصحف السعودية الآن هي إجراءات محدودة، تسعى من خلالها إلى إطالة أمد البقاء وليس استدامته.

وأشار إلى أن الصحف تتباين في قدرتها على الصمود تبعاً لقوة بنيتها، سواء المهنية أو الاقتصادية، بمعنى أن الصحف التي لديها قاعدة اقتصادية جيدة ووفرت من أرباح سابقة، فهذه هي الأكثر قدرة على الصمود، على الأقل حتى يمكنها تدبير حلول جذرية تساعدها في تعزيز استدامتها، وذلك بعكس الصحف التي كانت طوال تاريخها تعاني من ضائقة مالية.

والواقع أن الصحف الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي كسبت الرهان مع الصحف المطبوعة للعديد من الأسباب أهمها أن التكنولوجيا الرقمية لا تكلف الإنسان الكثير للحصول على الخبر بعكس سعر الصحيفة الورقية الذي يتصاعد بين الحين والآخر؛ كذلك فإن عامل الوقت ينتصر للإعلام الرقمي فالصحف الإلكترونية بتحديثها مستمرة على مدار الساعة، في حين أن الصحافة المطبوعة ومواقعها الإلكترونية يتم تحديثها كل أربع وعشرين ساعة، الأمر الذي يجعل الصحافة الإلكترونية تحرق الأخبار كما يقال، أو تجعلها عديمة الفائدة في الجرائد المطبوعة، فتصبح عبارة عن أحرف تملأ بها المساحات، فإذا كانت الصحيفة تطبع في تمام الساعة الثانية عشر صباحًا مثلاً، ووقعت حادثة في ساعات الصباح الأولى، فحتى تنشره الجريدة يحتاج ليوم كامل، الأمر الذي يكون معه الخبر مستهلكًا وقديمًا في ظل وجود الصحافة الإلكترونية التي تستطيع تغطية الحادث خلال دقائق من وقوعه.

من جهته، يعتقد الدكتور خالد الحلوة أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، أن الصحف السعودية صامدة الآن، لكن إن لم يكن لديها بديلاً رقمياً واشتراكات رقمية ولم تجد حلولاً مستقبلية، فسيقل مدخولها من الإعلان ولن تصمد طويلاً. وتابع: «الصحف السعودية تحاول الآن تغطية هذا النقص، وبعضها قلل حجم الورق، فإحدى الصحف كانت تضم 50 صفحة والآن تصدر 28 صفحة باليوم فقط، وهذه تغطية مؤقتة للنقص، لكن ماذا سيحدث على المدى الطويل؟»

يعود تاريخ الصحافة الورقية إلى القرن السابع عشر الميلادي حيث كانت البداية على شكل أخبار مطبوعة في القارة الأوروبية إبان عصر النهضة. وكانت البداية من فرنسا حيث استفاد منها الملوك في التأثير على الرأي العام. أما الصحافة الحرة فلم تظهر في أوروبا قبل القرن الثامن عشر حيث صدرت الصحيفة الأولى في بريطانيا عام 1702م تحت اسم “دايلي كورانت” وفي فرنسا عام 1777م باسم “جورنال دو باريس” وفي أمريكا فقد ظهرت أول صحيفة يومية عام 1690 م” أما القرن الثامن عشر فكان عصر النهضة للصحافة أما القرنين التاسع عشر والعشرين فقد كانا عصر الازدهار للصحافة وقد اشتهرا بالتطور الكبير للصحافة لجهة الخدمات الإعلانية والطباعية.

وعلى الرغم من عدم القدرة على تحديد تواريخ دقيقة لنشوء الصحافة الإلكترونية فإن صحيفة (هيلزنبورج داجبلاد) السويدية يعتبرها كثيرون أول صحيفة في العالم تنشر إلكترونيًّا على شبكة الإنترنت عام 1990 وفي عام 1992 أنشأت (شيكاغو أون لاين) أول صحيفة إلكترونية على شبكة (أميركا أون لاين) وحسب وجهة نظر أخرى، فإن أول موقع إلكتروني صحفي انطلق من كلية الصحافة والاتصال في جامعة فلوريدا عام 1993، وهو موقع (Polo Alto) وفي منتصف التسعينات، ظهرت خدمات الوسائط الإعلامية المتعددة (Multimedia) في الوقت الذي أخذ النشر الصحفي الإلكتروني ينتشر بسرعة واسعة من صحف إلكترونية عام 1991 إلى نحو (1,600) صحيفة عام 1996، ووصل العدد عام 2000 إلى (4,000) صحيفة إليكترونية بخلاف المواقع، وبالطبع بخلاف صفحات التواصل الاجتماعي التي تنشر الأخبار وتتناقلها بغض النظر عن مدى صحتها من عدمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى