ads
ads
مايسطرون
2020-02-14

قصة قصيرة: راديو المنزل


” اندلعت الحرب ” قال عمي.

كأنما قول المذيع لم يكن كافيًا لنصدق؛ فاضطرّ عمّي ليؤكد. كنّا في صالة المنزل نستمع للراديو وأشاع المذيع بأنّ الحرب اندلعت في إسبانيا. يومها هبط الليل في وقته وحظى الكل بنوم هانىء، ما عدى عمّي الذي لم تُغمض له عين، ظلّ مستيقظا يستمع ما يمليه الراديو طيلة الوقت. استمر الأمر على حاله أياما عدة حتّى اللحظة المجنونة التي نهض فيها والدي وحمل جهاز الراديو الصغير بيديه الغليظتين كما لو أنّ الأخبار الشنيعة التي يبثّها الجهاز أثقلت منه ولم يعد بالمقدور حمله بيد واحدة ورمى به أرضا فتوزع إلى شظايا متناثرة في صالة المنزل واختار الحظ واحدة لتحل في صماخ أذن عمي. شاهدناه يتحسس أذنه بيده وكنّا نظنه دمه الذي سال ببطىء حتّى مرفقه لكنه صرخ في وجهنا انظروا دماء موتى.

كنّا نملك جهازا آخر في البيت لكنّ أحدا لم يُقدم على إخراجه من المخزن. تلاشت حاجتنا إليه. عندما يدوّي انفجار ما في إسبانيا فجميع من بالبيت تقشعر أبدانهم، وعندما يكذب جنرال أمام الملأ، نُدرك زيف ما يقول، أمّا حينما ينعى الشعب موتاه فنبكي. تدوي الأصوات في رأس عمي، تمارس الشظية دورها في اصطياد الموجات، وعمي يقفز ويشتط ويلعن ويبكي. أما نحن فلم نملك خيار أن تنتهي الحرب. الحرب التي حين تندلع فهي في كل مكان. بقينا نصلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى