ads
ads
مايسطرون
2020-03-31

مَنْ لَعِبَ بالدواءِ، الدواءُ لَعِبَ به


بسم الله الرحمن الرحيم – … «79» وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ «80» … – صدق الله العظيم – الشعراء.

بلهجة بحرينية مخلوطة بسيهاتية، كانت والدتي (يرحمها الله) تقول دائما “من لَعِب بالدواءِ، الدواءُ لعب به” إشارة إلى أخذ الحيطة والحذر. يقول المصريون في ذلك “ذا بيلعب بالبيضة والحجر” أو “ما تلعبش بالنار”.

عندما أصيب المرحوم الممثل المصري أحمد زكي بسرطان الرئة قبل بداية عام 2005م قال “أنا عندي تمام الثقة بأن أطبائي سيعالجونني”. الطبيب لا يعالج. الطبيب سبب للعلاج. ولو كان الطبيب هو المعالج لما مات أحد ولما مات هو في نهاية المطاف. لذلك، لا تكون الثقة إلا بالله العلي العظيم.

في محاولة للقياس والإسقاط، يقول البعض “رجوع المريض للطبيب أمر عقلائي”. نعم، هو كذلك. ولكن الثقة العمياء في الطبيب أمر جنوني، أيضا. العاقل يستشير الطبيب ولكن يتحقق من الأمر بنفسه وله الحق أن يستشير أكثر من طبيب قدر المستطاع. لا يوجد عاقل في هذه الدنيا يجعل روحه ملكا لطبيب.

في عام 2012 كنت مسافرا من جامعة كولورادو في بولدر إلى شركة داو الكيميائية في إنديانا كإعارة. الطريق بالسيارة يأخذ 20 ساعة متواصلة؛ نقسمها على يومين. أثناء الطريق شعرت بإعياء غريب ظننت أن سببه الترحال. ما إن وصلت حتى كدت أموت. نُوِّمْتُ حينها في ثلاث ليال، كلفتني ما يقارب مئة ألف ريال. لسوء الحظ، انتهى تاريخ التأمين الطبي وأنا في الطريق ولم تسمح الظروف حينها بالتجديد بسبب الحالة المباغتة. حَارَ الأطباء كثيرا وأتى كل متخصصو المستشفى وأخذوا عينات من الدم فوجدوا أن خلايا الدم عندي تموت وأن المقاومة أصبحت في أدنى درجاتها. أرادوا أخذ عينة من النخاع. مع التواصل مع كولورادو والطبيب الذي وصف دواء اسمه باكترِم (Bactrim) وهو مضاد حيوي قوي يُستخدم في أمريكا. كان الدواء لا يناسبني وذلك لأني مصاب بمرض التفول (G6PD). الطبيب لم يكن يعلم بالأمر. الأمريكان ليسوا مصابين بهذا المرض. وأنا لم أقل له ولم أكن أعلم أن هذا الدواء قد يقتل مريض التفوّل. بعد ثلاثة أيام، اتضح أن السبب هو ذلك الدواء الذي كاد أن يقتلني بسبب مجموعة أخطاء، مني ومن الطبيب. مني لأنني لم أوضح مرضي بالتفول للطبيب، ولأنني لم أقرأ عن الدواء. ومن الطبيب لأنه لم يتحقق قبل وصف الدواء.

بحسب إحصائيات منتدى الجودة الوطني (National Quality Forum) لعام 2010م بأن تكاليف الأخطاء الطبية في أمريكا تصل إلى 21 مليار دولار تتوزع على 3.8 مليون مريض يرقدون في المستشفى و3.3 مريض خارج المستشفى. بعد المرضى يموتون وبعضهم تسوء حالته وبعضهم يتعرض لانتكاسات أو تحدث له عوائق مستديمة.

معهد الطب (Institute of Medicine) يعزو الأخطاء إلى خمسة أشياء:
1. وصف الدواء الخاطئ (ordering) – خطأ الطبيب
2. زيادة أو نقص الجرعات الدوائية (transcribing) – خطأ الطبيب أو المريض
3. صرف الدواء الخاطئ أو إعطاء تعليمات خاطئة للمريض (dispensing) – خطأ الصيدلي
4. طريقة التعاطي مع الدواء من الناحية التقنية أو إعطاء جرعة غير مناسبة (administrating) – خطأ الممرض أو المريض
5. البعد عن مراقبة حالة المريض (monitoring) – ضابطو الدواء، بما فيهم المريض نفسه

هناك أكثر من نموذج لإعطاء الدواء:
1. النموذج الأول عن طريق الحقن حيث يتلقى المريض الدواء بصورة مباشرة ولمرة واحد، وهذا يصطلح عليه (One-Component Model of Single Dose) حيث يقاس فيه عمر النصف الذي تحدثنا عنه في موضوعنا السابق (https://khlijm.com/172261/). هذا يعني الزمن اللازم لنفاد نصف كمية الدواء من الدم.
2. النموذج الثاني عن طريق الحقن لأكثر من مرة (One-Component Model of Repeated Doses).
3. النموذج الثالث (Two-Compartment Model) بحيث يتعاطى المريض دواءه عن طريق الفم، وهذا النظام يختلف عن الأولين لأن الدواء بحاجة إلى هضم أولا، ومن ثم يبان أثر المفعول.
4. النموذج الرابع (Multi-Compartment Model) عبارة عن خليط بين هذه النماذج على حسب حالة المريض.

كل هذه النماذج بحاجة لنماذج رياضية لن نخوض فيها. ولكن السبب في طرح هذا الموضوع هو زيادة وعي الفرد عن المرض والعلاج بعد اجتياح مرض كورونا للعالم. ومع ذلك، سواء كنت مريضا أو مسؤولا عن مريض، اتبع الخطوات الآتية (يمكنك إضافة ما فات من النصائح):
1. سرد جميع الأمراض المزمنة للطبيب زائدا الحساسية والعمليات المسبقة.
2. إخبار الطبيب بالأدوية التي يستخدمها المريض.
3. بعد التشخيص، اسأل الطبيب عن نسبة الخطأ في هذا التشخيص.
4. عندما يكتب الطبيب وصفة، اذكر له مرة ثانية الأمراض المصاب بها المريض وتأكد منه بأن الدواء يناسب حالة المريض.
5. في حال الحاجة لعملية جراحية، استشر أكثر من طبيب.
6. عندما تأخذ العلاج من الصيدلية، تأكد بأنه الدواء المناسب والجرعة المطلوبة وراجع كيفية تعاطي الدواء مع الصيدلي.
7. في حال أخذ مسكنات للألم اسأل عن:
a. عمر النصف
b. الحد الأدنى من التركيز الفعال للدواء (Minimum Effective Concentration – MEC) – أقل جرعة للدواء حتى يبدأ مفعوله.
c. الحد الأدنى من التركيز السام (Minimum Toxic Concentration – MTC) – الحد الأقصى للدواء التي لا يستطيع المريض تجاوزه.
8. قبل استخدام العلاج، اقرأ نشرة الدواء وتأكد أنها مناسبة، لربما فات الطبيب أو الصيدلي أمرا ما.
9. راقب حالة المريض عن كثب والرجوع إلى الطبيب حول الشك أو الذهاب للإسعاف مباشرة حين حدوث أي مضاعفات غير متوقعة.

وقانا الله وإياكم شر الأمراض. اهتموا لأنفسكم وآبائكم وأولادكم ومن ترعون صحتهم. وتذكروا أن تشكروا الأطباء على جهودهم وتفانيهم في عملهم، ولكن تيقنوا أنهم ليسوا أربابا معصومين من الخطأ. لا تطبقوا هذه القاعدة فقط على العلاج والطب والدواء، ولكنها قاعدة قد تفيد في كل شيء آخر تتدخل فيه الأيادي البشرية.

محمد حسين آل هويدي
‏الأحد‏، 29‏ مارس‏، 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى