مايسطرون
2020-04-09

في كورونا، اعطِ الخبزَ خَبّازه


بسم الله الرحمن الرحيم – … «79» وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ «80» … – صدق الله العظيم – الشعراء.

يقول العرب «اعطِ الخبز خبازه ولو أكل نصفه» وذلك لأنك ستضمن النصف الآخر بدلا من أن تخسر كلَّ الغلة. الشفاء من المرض بيد الله سبحانه، ولكنه جعل الأسباب الطبيعية في جسم الكائن الحي لمقاومة المرض. وحينما يحتاج الجسد لمساعدات خارجية فإن الأمر يتطلب أخصائيين على معرفة بفسيولوجيا الجسم وكيف تعمل المناعة.

في كورونا، تدخّل الكثير من الناس من غير أهل التخصص تلبيةً للشعور بالمسؤولية، وهذا أمر يحمد عليه هؤلاء. لقد تدخل الواعظ والاقتصادي والاشتراكي والرأسمالي؛ كل يرى الموضوع من زاويته. الواعظ يعلم أن هناك كثيرا من الناس لا يعرفون من هو المختص في هذا المجال ويعلم أن الكثير منهم بحاجة إلى كلمته كي يتحركوا؛ وأكثر الناس هكذا، تتوقع من الآخرين ممن يولونهم الثقة أن ينصحونهم ويوجهونهم وقت المحن. وحتى الآن، تصرّف أكثر الواعظين بحصافة وحكمة، ولهم منا جزيل الشكر والامتنان لما يقدمونه من خدمات عظيمة تساهم في المحافظة على الإنسان. الاقتصادي يخاف على عجلة الاقتصاد. الاشتراكي يخاف على سقوط المنظومة. والرأسمالي يخاف على مصالحه. كل هؤلاء مشكورون، ولكن ليس هم (ومن ضمنهم كاتب هذه السطور) من يحسمون الأمر وليس هم من يستطيع إعطاء الأذن للناس للخروج أو البقاء.

الاستجابة للبقاء أو الخروج تخضع لنماذج رياضياتية بحتة. وأشهر هذه النماذج ما قدمه العالمان الأسكتلنديان كِرماك ومَكِنْدْرِيك (Kermack–McKendrick) عام 1927م (راجع المصدر الأول). أندِرسون گْراي مَكِنْدْرِيك طبيب وعالم أوبئة (Anderson Gray McKendrick). وِليام أوگيڨلي كرماك عالم كيمياء حيوية (William Ogilvy Kermack). يسمى نموذجهما SIR نسبة إلى الحرف الأول لكل من الكلمات الآتية: المعرضون للإصابة (Susceptibles)، المصابون (Infecteds)، والمتعافون (Recovereds). تم استبدال هذا النموذج لاحقا بـ SIER، وذلك بإضافة المكشوفين للمرض إلى العلاقة الرياضياتية. لا داعي لطرح التفاصيل الرياضياتية، ولكن أرجو ممن يريدون المزيد من التفاصيل التواصل على الخاص.

في 16 نوڨمبر لعام 2002م ضرب وباء سارس (SARS) جنوب الصين (يبدو أن الصين منشأ للكثير من الڨيروسات المعقدة) وتم احتوائه في 12 يونيو 2003م. كورونا يعتبر ڨيروس تطور عن طريق السارس. حينها، لم يكن السارس جائحة. ولكنه أصاب 8400 شخص؛ مات منهم 800، بنسبة 10% تقريبا.

المنحنى المرفق يوضح حالة أنفلونزا اجتاحت مدرسة داخلية بريطانية في 22 يناير 1978م. كان في المدرسة 763 طالب. القضية ابتدأت بطالب واحد وأصابت 512 منهم، بنسبة 67%. المرض انتهى بعد أسبوعين تقريبا. في هذه الحالة، كان كل الطلاب تقريبا مكشوفين أمام المرض. اتضح أن المعرضين للمرض هم عدد المصابين. الآخرون كانوا مكشوفين للمرض ولكنهم لم يصابوا به. من مثل هذه الإحصاءات، يمكن التنبؤ لاحقا بعدد المرضى. الخط الأسود للمنحنى يعطي عدد المكشوفين للمرض. المنحنى الأزرق يعكس عدد المصابين. المنحنى الأسود المتقطع يشير إلى عد المتعافين. المرحلة الحرجة تقع في تقاطع هذه المنحنيات الثلاث. الخروج والاختلاط قبل وصول هذه النقطة قد يؤدي إلى كارثة غير متوقعة. مع هذه الجائحة، نحن لم نصل إلى تلك النقطة بعد. لذلك، علينا أخذ الحيطة والحذر، وإن كنا لا نخاف على أنفسنا، فواجبنا الشرعي يحتم علينا أن نخاف على الآخرين.

السارس، يخضع لعلاقة أسية (خطيرة جدا) بحيث أن كل مصاب يعدي 3 أشخاص. وهذا عدد مخيف. لو افترضنا أن عدد سكان القطيف مليون، وأن المصاب قادر بأن يعدي 3 أشخاص في اليوم، فإن كل القطيف تقريبا (إلا أصحاب المناعة الفولاذية) سيكونون مصابين بعد أسبوعين. طبعا، عدد العدوى بالنسبة لسارس في اليوم تخضع للعلاقة 0.0022 × عدد المصابين × عدد المعرضين للمرض. في النهاية، علينا أن نطرح عدد المتعافين كي نحصل على العدد الإجمالي للمصابين. السبيل الوحيد للاحتواء حتى الآن هو عدم الانكشاف للمرض (عدم الاختلاط العشوائي). حينما نصل إلى نقطة الالتقاء، حينها سيقرر المختصون بأننا وصلنا إلى مرحلة الأمان.

نرجو من الجميع، بارك الله فيهم، تجنب وضع اقتراحات للخروج بدون مراجعة أهل الشأن في هذا الأمر، خصوصا إذا علمنا أن أكثر الناس لا تعلم، وأنهم عاطفيون، وأن أكثرهم أصيب بالملل الذي قد يؤدي في النهاية إلى الكآبة. ما نقترحه أن يجد الناس سبلا ترفيهية لغاية تعدي مرحلة الخطر. أن يصاب شخص بالكآبة أهون من أن يصاب جميع الناس بهذه الجائحة. تحملوا قليلا، بارك الله فيكم، واعتبروا قعودكم في البيت عبادة وجهاد في سبيل الله. تعبدوا. ابتهلوا. تهجدوا. اقرؤوا. تواصلوا عبر الوسائط. تشمسوا فوق سطوح بيوتكم. افعلوا ما ترونه يناسب أجسادكم ونفسياتكم دون الاختلاط. كونوا مثالا يحتذي به الآخرون. اعلموا أيضا أن هناك متضررين في معيشتهم ورزقهم أثناء هذه الظروف، وعلى المقتدر أن يستقطع جزءا من دخله للمساهمة في تقليل الأخطار الاقتصادية. تذكروا أننا مجتمع متعاضد ومتعاون ومتكاتف. اعتبروا هذه المصاريف عبارة عن دواء وقائي. عدد سكان القطيف يقارب مليون نسمة. لو أخرج كل فرد ريالا يوميا صدقة لدفع البلاء لتجمع عندنا مليون ريال يمكن من خلالها سد العجز الحاصل بسبب ضيق سبل المتسببين. كما أن هذه البلاد المعطاء لم ولن تقصر تجاه مصلحة شعبها الوفي؛ لا من قبلُ ولا من بعدُ، وحتى الآن، تعتبر بلادنا من أفضل وأكفأ الدول التي واجهت هذه الجائحة. ولكن في خضم هذه الظروف، على الجميع التعاون لسد أي فراغ ممكن. علينا أن نعاضد الوطن وقت المحن، كما تعودنا معاضدتها للشعب، دائما وأبدا.

بارك الله فيكم. ووقانا الله وإياكم شر هذه الجائحة.

‏الخميس‏، 09‏ أبريل‏، 2020
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0025556405001331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى