من الديرة
2020-04-11

الحجر الصحي “كوارانتينا” تاريخ ومعنى

سامي المرزوق - خليج الديرة

مصطلح يشير إلى مدة العزلة القسرية لمواجهة خطر انتشار الأوبئة والعدوى،ويعود أصله في اللغة الإنجليزية إلى- quarantine – واللغة الإيطاليةquaranta giorni- – ويُنطق بالعربية ” كوارانتينا “،والتي تعني 40 يوماً،وبدأت ممارسته خلال القرن الرابع عشر في إيطاليا في مدينة البندقية لحماية المدن الساحلية من أوبئة الطاعون،حيث كانت على السفن القادمة إلى البندقية من الموانئ المصابة أن تبقى عند المرسى مدة 40 يوماً،وهي المدة المثالية للفصل بين المصابين وبقية السكان،وذلك لإثبات سلامتهم من الأمراض والأوبئة.

تاريخ الأوبئة العالمية:-

استخدم الحجر الصحي بصورة مؤسسية لأول مرة بعد تفشي وباء الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر الميلادي،وتسبب بوفاة أكثر من مليون شخص.

حيث كانت بداية ظهور الأوبئة بعصر الامبراطورية الرومانية،وعرف بالطاعون الأنطواني-Antonine plague -نسبة لأسم السلالة التي  حكمت الإمبراطورية الرومانية آنذاك ” الأنطونيين “،في عهد الإمبراطور كومودوس،وخلفه ماركوس أوريليوس،بين عامي 165 و 180 م،كما يُطلق المؤرخون الإنجليز،على هذا الوباء أحياناً أسم ” طاعون الجالينيسى – الغالينيكي – نسبة لأسم الطبيب المشهور في تلك الفترة جالينوس،ووفقاً للمؤرخ الروماني كاسيوس ديو المتوفي عام 155- 235م،فقد تسبب هذا الوباء بتدمير الجيش الروماني ووفاة ما يصل إلى 2000 حالة يومياً،وقدر عدد الوفيات بهذا الوباء بحوالي 5 ملايين شخص.

طاعون جستنيان،وضرب هذا الوباء الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الإمبراطورية البيزنطية،بما فيها العاصمة القسطنيطينية،وتكرر في القرن السادس والسابع الميلادي،بين عامي،541-542م،ونسب إلى الإمبراطور جستنيان الأول،الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية اثناء حدوث الطاعون،وتوفي فيه 30 مليون شخص.

طاعون عمواس في فلسطين،عام 640م،وعمواس مدينة صغيرة في ضواحي القدس،وهو يعُد امتداد لطاعون جستيان،وانتشر هذا الوباء في بلاد الشام ايام خلافة الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب،سنة 18 هـ،بعد فتح بيت المقدس،حيث توفي بسببه الآلاف وعدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

وباء الجدري وظهر في اليابان في طوكيو عام 735م بالقرن الثامن الميلادي،بالفترة التي حكم بها الإمبراطور الياباني “شومو “shomu  -وبحسب مصادر عديدة سجل ظهوره لأول مرة بمدينة ” دازايفو”- Dazaifu  -الساحلية التابعة لمحافظة “فوكوكا”–Fukuoka بجزيرة “كيوشو”- -Kyushu بالجنوب الغربي من اليابان،ظهرت أول حالة ببحار وصل للمدينة،وتوفي على أثره مليون شخص.

الطاعون الدبلي،والذي أطلق عليه ” الموت الأسود” و “الموت العظيم ” وظهر بالعصور الوسطى،ويعرف بالإنجليزية- Bubonic plague- ،اجتاح آسيا وأوربا وأفريقيا بين عامي 1347 – 1352م،بالقرن الرابع عشر الميلادي،وهو مرض حيواني المنشأ ينتشر بين القوارض الصغيرة، ويرى المؤرخون أن هذه الوباء أنتشر بالصين،أو بالقرب منها ثم أنتقل إيطاليا،ومنها للدول الأوربية،وأعتقد المؤرخان العربيان أبن الوردني و المرقرزي،أن الموت الأسود نشأ في منغوليا،وقد أثبتا ذلك استناداً إلى وثائق صينية أظهرت وجود وباء متفشي حينها في منغوليا،في بدايات 1330م،وقد توفي على أثره 200 مليون شخص.

الحمى الصفراء،وظهرت في القارة الإفريقية،وسميت بذلك لأنها تسبب فشلاً كبدياً يؤدي إلى اصفرار الجلد،وانتشرت في أواخر عام 1800م توفي فيها 150 ألف شخص.

ويذكر المؤرخون أن ليس هناك تاريخ محدد لانتشار هذا الفايروس،إلا أن عدد من العلماء الأحياء التطويري أمثال-Zanotto PM- Guld- de Lamballerie –  – ،يررون أنه من المرجح أن تقع اصول تطور الحمى في إفريقيا،حيث ركزت التحليلات لنشأة الفايروس كان من أفريقيا الشرقية أو إفريقيا الوسطى،وأنه ينتشر بين القرود والبشر،ومن تلك المنطقة انتقلت الحمى إلى غرب أفريقيا،ومنها انتقل لأمريكا والنصف الغربي من الكرة الأرضية،ففي كوبا سجلت المستعمرات الأسبانية أعراض الفايروس عام 1648م،وفي شبه جزية يوكاتان في المكسيك،ظهر المرض  بالقرن الثامن عشر الميلادي،وأطلق عليه شعب “المايا”،الذي اصابه الفايروس اسم  Xekik  – بمعنى ” القيء الأسود ” أواخر عام 1800م.

الكوليرا ظهر بالقارة الهندية،بين عامي 1817- 1923م،حيث توفي على أثره مليون شخص،فقد كان للتوطن بشبه القارة الهندية،مع ووجود نهر الغانج،الذي هو بمثابة خزان ملوث،ممهداً لانتشار المرض عن طريق التجارة،البرية والبحرية،فوصل الفايروس،لروسيا ثم غرب أوربا ومن أوربا،ثم إلى أمريكا الشمالية،ولم يعد هذه الوباء تهديداً ملحاً للصحة في أوربا وأمريكا الشمالية،نظرا لترشيح وكلورة  إمدادات المياه،ولا كنه لا يزال يؤثر بشكل كبير في عدد من البلدان النامية.

طاعون الوباء الثالث وهو أوسع من الطاعون الدبلي،وظهر في مقاطعة يوننان الصينية،عام 1855م،لينتشر في قارات العالم،وحصد 12 مليون شخص بالصين والهند،وكان حاضراً حتى عام 1959م،عندما أنخفض معدل الوفيات العالمي منه إلى نحو 200 شخص سنوياً.

أنفلونزا روسيا،وظهرت في الإمبراطورية الروسية بين عامي 1889- 1890م،سببه انتشار فيروسH2N2–،وهو أقدم وباء أنفلونزا مسجل وسرعان ما انتشر في أوربا،ووصل إلى أمريكا الشمالية في ديسمبر  1889م،ومنها لبقية القارة حيث توفي مليون شخص جراء الإصابة بالعدوى.

الأنفلونزا الإسبانية،وهذه الجائحة السبانيولية القاتلة انتشرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى في أوربا بالأشهر الأخيرة من عام 1918م بالأشهر الأخيرة من الحرب،حيث كان الجنود يعيشون في خنادق ضيقة وقذرة مما ادى لتفشي المرض الذي ملايين القتلى،فهذه الجائحة تسبب نوع خبيث ومدمر من فيروس الأنفلونزا (أ) من نوع فيروس الأنفلونزا-  H1N- ويتميز الفيروس بسرعة العدوى حيث تقدر الإحصائيات الحديثة،أن حوالي 500 مليون شخص أصيبوا بالعدوى و أظهروا علامات إكلينيكية واضحة،وما بين 50 إلى 100 مليون شخص توفوا جراء الإصابة بالمرض،أي ما يعادل ضعف المتوفين بالحرب العالمية الأولى.

الأنفلونزا الآسيوية،ظهرت هذه الجائحة في الصين،عام 1957- 1958م وكانت من الفئة الثانية،وتذكر المصادر انها نشأت من طفرة جينية في البط البري،بسبب الجمع بينهما وبين سلالة بشرية،موجودة من قبل،وقد تم تحديد موقع الفيروس لأول مرة في مدينة” قويتشو”وهي منطقة في جمهورية الصين الشعبية،حيث أنتشر في سنغافورة،ثم هونج كونج،ثم الولايات المتحدة الأمريكية،وبلغ عدد من توفي في هذه الجائحة مليون شخص.

فيروس كورنا الحالي المسمى COVID19،وتعني “إكليل زهور أو الإكليل”،كما تعني “التاج أو الهالة” ،ويشير الاسم على المظهر المميز “للفيرينات”،الشكل المميز المعدي للفيروس،والذي يظهر عبر المجهر الإلكتروني،حيث تمتلك حُملاً- زغابات من البروزات السطحية البصلية الكبيرة ،مما يظهرها على شكل تاج الملك أو الهالة الشمسية وهي تقسيمات فولفية للشوكة “S”،وهي بروتينات تملأ سطح الفيروس.

اكتشفت فيروسات كورنا في عام 1960م،وأول الفيروسات المكتشفة كانت فيروسات التهاب القصبات المعدي في الدجاج وفيروسات من جوف الأنف لمرضى بشر مصابين بالزكام،أطلق عليه فيروس كورنا البشري E229 ، وفيروس كورونا البشري OC43 ،ومنذ ذلك الحين تم تحديد عناصر أخرى لهذه العائلة بما في ذلك فيروس كورنا سارس سنة 2003،وكورونا البشري NL36  سنة 2004،وكورنا البشري HKU1 عام 2005م، وكورونا ميرس،عام 2012م،وكورنا الجديد nCoV 2019،ومعظمها لها دور كبير في إحداث عدوى جهاز التنفسي خطير جداً،وتشير الإحصائيات الرسمية لأعداد البشر المتوفين حول العالم تجاوزت المليون شخص.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى