مايسطرون
2020-05-16

في معنى التسامح


عديدة هي المفردات والمصطلحات المتداولة اليوم، التي تحتاج إلى تحديد دقيق لمعانيها ومداليلها. وذلك لأن استخدام هذه المصطلحات دون ضبط المعنى الحقيقي لها، يساهم في تشويه هذا المصطلح على مستوى المضمون، كما أنه يجعله عرضة للتوظيف الأيدلوجي المتعسف. لذلك فإن تحديد معنى المصطلحات والمفردات المتداولة، يساهم في خلق الوعي الاجتماعي السليم بها..
ومن هذه المصطلحات التي تحتاج إلى تحديد معناها الدقيق وضبط مضمونها الفلسفي والأخلاقي والاجتماعي، مصطلح التسامح.. حيث ان هذا المصطلح متداول اليوم في كل البيئات الايدلوجية، ويتم التعامل مع هذه المقولة ولوازمها الثقافية والسياسية، باعتبارها ثابتة من ثوابت المجتمعات المتقدمة.. لذلك وبعيداً عن المضاربات الفكرية والتوظيفات الأيدلوجية المتعسفة، نحن بحاجة إلى ضبط المعنى الجوهري لهذا المصطلح، وتحديد مضمونه وجذوره الفلسفية والمعرفية، وبيان موقعه في سلم القيم والمبادئ الاجتماعية.
ولاشك أن إصرار مختلف المواقع الايدلوجية على استخدام هذا المصطلح دليل على غياب مضمونه عن واقع العالمين العربي والإسلامي.. إذ ان العديد من الظواهر السياسية والثقافية والمجتمعية، تؤكد بشكل أو بآخر على خلو الساحة العربية والإسلامية من مقتضيات ولوازم هذه القيمة..
وقبل الدخول في معنى التسامح في الفضاء العربي والإسلامي، من الأهمية إلقاء نظرة سريعة على حركة تطور هذا المصطلح في الفضاء المعرفي والسياسي الغربي.. ففي التجربة الغربية ارتبطت مقولة التسامح بالمسألة الدينية، إذا اعتبرت من قبل الفيلسوف (جون لوك) بوصفها الحل العقلاني الوحيد لمشكلة الخلافات التي نشأت داخل المسيحية، التي هي الدين الرئيسي في الثقافة الغربية. ومع تطور الحياة السياسية والمجتمعية في الغرب، بدأ ينظر إلى التسامح على حد تعبير (سمير الخليل) باعتباره العمود الفقري لليبرالية بوصف هذه الأخيرة فلسفة عامة للجماعة البشرية، كما بوصفها شعوراً يحس تجاه الجماعات الأخرى. في الغرب اليوم ينظر إلى التسامح على أنه سياسي وعرقي وإثني وقومي واجتماعي وجنسي.
وهو يتخذ بصورة عامة شكل تحمل متنام، يشمل حيزاً متزايد الفساحة للفروقات بين الكائنات البشرية.
وبالتالي فإن التسامح وفق التجربة الغربية والفكر الغربي المعاصر، هي الاجابة المطلوبة الغربية آنذاك.. فالاختلافات قادت في فترة من الفترات إلى التعصب والانكفاء والعزلة، ودفع المجتمع الغربي ثمن ذلك..
وفي إطار البحث عن حلول فلسفية ومعرفية ومجتمعية للاختلافات التي كانت تعصف بالمجتمعات الغربية، ثم نحت وبلورة مفهوم التسامح كإجابة بديلة للاختلافات العقدية والسياسية.. فالاختلافات تقتضي التسامح وهو مسؤولية حضارية وواحد من حقوق الإنسان. فحينما تسود الكراهية لأسباب وعوامل دينية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، يكون التسامح. هو الحل الذي تبرزه التجربة الغربية للتعامل مع دوافع الكراهية.. وعلى ضوء ذلك تكون قيمة التسامح، هي لمعالجة مشاكل الاختلافات الإنسانية، التي قد تقود إلى شيوع ظاهرة الكراهية والعنف، وبالتالي فإن التسامح فضيلة أخلاقية، وضرورة سياسية ومجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وادارتها. وفي الدائرة الإسلامية لم أجد من خلال بحثي في النصوص الإسلامية مفردة (التسامح)، وإنما الموجود بعض المفردات الأخرى التي تقترب في المضمون من مفردة التسامح.. ففي النصوص الإسلامية استخدام للمفردات التالية (المداراة – الرفق – السماحة – اليسر والتيسير) وكلها مفردات تتقارب في مضمونها وجوهرها من المضمون المتداول لمصطلح التسامح.. الذي يعني على المستوى الفعلي التوليف بين الاعتراض والقبول.. فليس كل ما ترفضه عقلياً أو تناقضه معتقدياً، تمارس بحقه القطيعة والحرب، وإنما المطلوب التسامح، الذي يحتضن في جوهره الاعتراض والقبول في آن واحد..
ولهذه القيمة في التجربة الإنسانية، جذور فلسفية ومعرفية، هي التي تؤسس لهذه الضرورة الاجتماعية. وبامكاننا أن نحدد الجذور الفلسفية والمعرفية لمفهوم التسامح في النقاط التالية:
1- يعترف الإسلام بالحقوق الشخصية لكل فرد من أفراد المجتمع، ولا يجيز أي ممارسة تفضي إلى انتهاك هذه الحقوق والخصوصيات.. ولا ريب أنه يترتب على ذلك على الصعيد الواقعي، الكثير من نقاط الاختلاف
والتمايز بين البشر، ولكن هذا الاختلاف لا يؤسس للقطيعة والجفاء والتباعد، وإنما يؤسس للمداراة والتسامح مع المختلف، لا بمعنى الاستهتار بالقيم أو الفرار من المسؤولية، وإنما بمعنى الرفق والمداراة، وتضمين مقولة الهداية معنى المحبة والإشفاق.
فالتسامح لا يعني بأي حال من الأحوال، التنازل عن المعتقد أو الخضوع لمبدأ المساومة والتنازل، وإنما يعني القبول بالآخر والتعامل معه على أسس العدالة والمساواة بصرف النظر عن أفكاره وقناعاته الأخرى.
2- ان الحقيقة الكاملة والناجزة، لا يمكن الوصول إليها دفعة واحدة، وإنما هي بحاجة إلى فعل تراكمي يستفيد من كل العقول والجهود والطاقات الإنسانية. لذلك من الأخطاء الفادحة والقاتلة التعامل مع القناعات الإنسانية بوصفها حقائق جزمية ومطلقة. وذلك لأن هذا التعامل، هو الذي يؤسس للدوغمائية التي ترى في قناعتها الحقيقية المطلقة، فتمارس على ضوء ذلك التشدد والتطرف على قاعدة امتلاك الحقيقة المطلقة.
وعلى اعتبار إننا كبشر لا نمتلك هذه الحقيقة المطلقة، وإنما هي موزعة بين البشر، وتحتاج إلى إنصات وتواصل مستمر بينهم، لذلك فإن التسامح هو الخيار السليم الذي ينبغي أن يتم التعامل به.
3- إن المنظومة الأخلاقية التي شرعها الدين الإسلامي من قبيل الرفق والإيثار والعفو والإحسان والمداراة والقول الحسن والالفة والأمانة، وحث المؤمنين به إلى الالتزام بها وجعلها سمة شخصيتهم الخاصة والعامة. كلها تقتضي الالتزام بمضمون مبدأ التسامح. بمعنى أن تجسيد المنظومة الأخلاقية على المستويين الفردي والاجتماعي، يفضي لا محالة إلى شيوع حالة التسامح في المحيط الاجتماعي. فالمداراة تقتضي القبول بالآخر، واليسر والتيسير يتطلبان التعايش مع الآخرين، وحتى لو اختلفت معهم في القناعات والتوجهات. والرفق يتطلب توطين النفس على التعامل الحضاري مع الآخرين، حتى ولو توفرت أسباب الاختلاف والتمايز معهم.
ولذلك نجد أن الذكر الحكيم، يرشدنا إلى حقيقة أساسية وهي:
ان حسن الخلق والتعامل الأخلاقي والحضاري مع الآخرين، قد يحولهم من موقع العداوة والخصومة إلى موقع الولاء والانسجام. إذ يقول تبارك وتعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت، الآية 34).
وجاء في تفسير قوله تعالى {وقولوا للناس حسنا} أي للناس كلهم مؤمنهم ومخالفهم، أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لا اجتذابهم إلى الايمان، فإنه بأيسرمن ذلك يكف شرورهم عن نفسه، وعن إخوانه المؤمنين.
ويمتدح الباري عز وجل أولئك النفر الذين يتجاوزون مصالحهم الخاصة من أجل المصلحة العامة، ويؤثرون الآخرين على أنفسهم.
إذ قال تعالى {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (الحشر، الآية 9)، ويأمر الله تعالى عباده بالعدل والإحسان في كل أحوالهم وأطوار حياتهم. إذ يقول عز من قائل {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل، الآية 90). ومن خلال هذه المنظومة القيمية والأخلاقية، نرى أن المطلوب من الإنسان المسلم دائماً وأبداً وفي كل أحواله وأوضاعه، أن يلتزم بمقتضيات التسامح ومتطلبات العدالة.
والحاضن الأكبر لمجموع الفضائل الأخلاقية والتي تنسجم في مضمونها مع مضمون مقولة التسامح، هو قيمة العدالة فهي روح الإسلام ومنطقه في كل المجالات والحقول.. فالدين الإسلامي، هو دين الفطرة، لذلك فإن توجيهاته ونظمه وآدابه وأحكامه كلها تدعو إلى العدل والعدالة. وعلى ضوء هذا نصل إلى حقيقة أساسية مفادها: أن مقولة التسامح في الاطار الإسلامي، ليست مرجعية نهائية، وذلك لأنها ليست قيمة كافية لإعادة بناء الأخلاقيات الإنسانية المناسبة لتحقيق السلم بين البشر. والمرجعية النهائية التي يثبتها الإطار الإسلامي، هي مرجعية العدل والعدالة. وذلك لأن التسامح مع ما يختزن من فضائل وعناصر ايجابية، إلا أنه يبقى، رغم كل شيء، (على حد تعبير برهان غليون) قيمة سلبية، أعني: مبنية على عدم رفض الآخر، أو على الحياد تجاه المختلف، أو إذا شئنا على رفض العدوان. إن مثل هذا المشروع يحتاج إلى أخلاقيات ايجابية تعمل على التقريب بين الجماعات والتفاعل فيما بينها. وسوف تزداد الحاجة إلى العدالة أو إلى تحقيق المشاركة في الثروات الإنسانية من قبل الجميع، بقدر ما يتقدم مسار الاندماج والتوحيد العالمي الذي تقوده العولمة الزاحفة وتتفاقم الهوة التي تفصل بين الجماعات على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، أي بقدر ما تتفاقم
الهوة الحضارية.
فلا صيانة لمقدسات الإنسان، ولا محافظة لمكتسباته المادية والمعنوية، بدون عدالة، تصون كل المكتسبات والمنجزات، وتحول دون التعدي والعدوان.
فالعدالة كقيمة ومقتضيات ولوازم، هي التي تقود الإنسان إلى تجاوز كل الأنانيات، وتخطي كل العصبيات التي تفضي إلى العسف والجور.
والالتزام بمتطلبات التسامح، هو جسر العبور إلى قيمة العدالة المطلوبة في كل الأحوال والظروف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى