مايسطرون
2020-05-20

في معنى المواطنة


يحتل مفهوم المواطنة موقعاً مركزياً في الفكر القانوني والدستوري المعاصر. إذ ان المواطنة، بما تشكل من شخصية اعتبارية لها حقوق وواجبات، وهي أحد الأعمدة الرئيسة للنظريات الدستورية والسياسية المعاصرة. إذ ان الفكر السياسي الحديث يعتمد في البناء القانوني للوطن على هذا المفهوم ويحدد له جملة من الاجراءات والاعتبارات. لذلك فإننا نعتقد أن تطوير واقعنا السياسي والقانوني اليوم، مرهون الى حد بعيد على قدرتنا على المستويين النظري والعملي لبلورة هذا المفهوم، وتوفير المناخ السياسي والقانوني والثقافي لكي يتبلور هذا المفهوم كحقوق وواجبات في الفضاء الاجتماعي والوطني.
ومن الطبيعي القول في هذا الإطار،ان المجال العربي اليوم، لا يمكن أن يخرج من أزماته وتوتراته الداخلية، إلا باعادة الاعتبار في السياسات والاجراءات والتشكيلات الى مفهوم المواطنة والعمل على صياغة فضاء وطني جديد، قوامه الأساس ومرتكزه الرئيس هو المواطنة بصرف النظر عن المنابت الايدلوجية او القومية او العرقية. إذ ان التنوع المتوفر في هذا الفضاء بعناوين متعددة ومختلفة، لا يمكن أن يتوحد في الفضاء الوطني، إلا بمواطنة حقيقية، يمارس كل مواطن حقه ويلتزم بواجبه بدون مواربة او مخاتلة. فالمواطنة بكل ما تحتضن من متطلبات وآليات هي حجر الأساس في مشروع البناء الوطني الجديد.
وذلك لأن الكثير من الأزمات والتوترات المتوفرة في العديد من البلدان العربية، هي في المحصلة النهائية من جراء تغييب مفهوم المواطنة والاعلاء من شأن عناوين خاصة على حساب الإطار الوطني العام. ان هذا النهج الذي غيب او الغى المواطنة لصالح ولاءات خاصة، هو الذي عبره وعبر متوالياته وتأثيراته الذي فاقم التوترات وزاد من الاحتقان السياسي وأدى الى هشاشة الاستقرار الاجتماعي في العديد من الدول وافضى
الى خلق جزر اجتماعية معزولة عن بعضها البعض، لا يجمعها إلا الاسم والعنوان العام.
من هنا فإن الخطوة الاولى في مشروع الحل والاصلاح هي تأسيس العلاقة بين مكونات المجتمع والدولة على أسس وطنية تتجاوز كل الأطر والعناوين الضيقة. بحيث يكون الجامع العام لكل المكونات والتعبيرات والأطياف هو المواطنة. التي لا تعني فقط جملة الحقوق والمكاسب الوطنية المتوخاة، وانما تعني أيضاً جملة الواجبات والمسؤوليات العامة الملقاة على عاتق كل مواطن.
وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن تكون رابطة المواطنية رابطة قسرية – قهرية، وانما هي رابطة طوعية – اختيارية قائمة على الاختيار الحر والتعايش السلمي بين جميع المكونات والتعبيرات. وتأخذ هذه الرابطة فعالياتها وقدسيتها من طبيعة العقد الوطني والمضامين السياسية والثقافية الاجتماعية التي يتضمنها ويحتضنها.
فإطار المواطنة في المنظور الحضاري، يقوم على مفهوم الجماعات الحرة والمتوافقة والمتعايشة بالتراضي والوئام والشراكة. والتجارب السياسية في العديد من المناطق والمجالات الحضارية، أثبتت أن دحر الخصوصيات الذاتية او الجماعات الفرعية لصالح الإطار العام، لا يفضي الى وحدة ومواطنة سليمة، بل تدفع محاولات الاقصاء والدحر الى تشبث كل جماعة بذاتها وخصوصياتها وتنعزل نفسياً وشعورياً وثقافياً عن الجماعات الاخرى.
لذلك فإننا نعتقد أن خلق مفهوم المواطنة الجامع والحاضن لكل الجماعات والتعبيرات، لا يتأتى بافناء الخصوصيات الثقافية او اقصائها وتهميشها، وانما عبر توفير النظام القانوني والمناخ الاجتماعي – الثقافي الذي يسمح لكل التعبيرات والحقائق الثقافية من المشاركة في اثراء الوطن والمواطنة. وهذا لا يعني التشريع للفوضى او الميوعة تجاه الجوامع المشتركة.
وإما يعني وبعمق ان الالتزام بالجوامع والمشتركات الوطنية ومقتضياتها، لا يتأتى إلا بالحرية والعدالة ومتوالياتها التي تنعكس في السياق الوطني ومستوى التزام الجميع بالوحدة والاندماج الوطني.
ومن خلال هذه الممارسات المنضبطة بضوابط العدل والحرية، يتم تطوير قواعد الوحدة والاجماع الوطني. ودستور المدينة المسمى تاريخياً بصحيفة المدينة التي صاغ بنودها رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم، هي عبارة عن معاهدة قانونية جمعت كل الاطراف وتعبيرات المجتمع على أساس دستوري لكل طرف حقوق وواجبات ومسؤوليات. إذ حددت الصحيفة مجموع المبادئ والقواعد والمسؤوليات التي على أساسها قامت هذه الرابطة ويتم الدفاع عنها. إذ جاء فيها (وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم. وأن يعطوه بالمعروف في فداء او عقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وان المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم او ابتغى دسيعة ظلم واثم، او عدوان، او فساد بين المؤمنين. وان أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن وان ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين
بعضهم موالي بعض دون الناس).
فالنموذج الذي ترسى دعائمه صحيفة المدينة يتجه الى تأسيس الوحدة على قاعدة الاختيار الحر والرابطة الطوعية القانونية بين تعبيرات وقوى مجتمعية تتساوى في الحقوق والواجبات وتتعاون على حماية حرياتها ومكاسبها الوطنية والاجتماعية.
فليس من شروط المواطنة الاتفاق في الرأي او الاشتراك في الدين او المذهب او القومية. ان مفهوم المواطنة يستوعب كل هذه التعدديات والتنوعات، ويجعل المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي مؤاتياً لكي تمارس كل هذه التعدديات دورها ووظيفتها الحضارية والوطنية في اثراء الواقع الوطني ومده بأسباب الاستقرار والانسجام الاجتماعي.
وترتكب جريمة كبرى بحق الوطن (أي وطن)، حينما يتم التعامل مع مفهوم المواطنة على مقاس واحد وفي حدود الاشتراك في أحد العناوين السالفة.
إن المواطنة لا تبنى بدحر خصوصيات المواطنين او تهميش بعضهم لدواعي ومبررات معينة، وانما هذا المفهوم يبنى كحقيقة واقعية باحترام الخصوصيات وفسح المجال القانوني والثقافي لكل التعدديات والتعبيرات للمشاركة في بناء الوطن وتعزيز قوته وانجاز مشروعه التنموي والحضاري. وكل ثقافة تؤسس للتمايز او التفريق بين أبناء الوطن الواحد على أسس تاريخية او فكرية وسياسية، هي ثقافة تساهم بشكل او بآخر في تقويض أركان الوحدة الوطنية، وتدق اسفينا في مشروع الوطن والمواطنة.
فالمواطنة كمفهوم واجراءات وحقائق، هي الابداع الانساني الدستوري الذي يضمن لجميع المكونات والتعبيرات المشاركة في ادارة الشأن العام واثراء الوطن على مختلف الصعد والمستويات.
فالوطن الذي تتعدد انتماءات مواطنيه، لا خيار أمامه لضمان الوحدة والاستقرار إلا تأسيس الأوضاع القانونية والسياسية على مبدأ المواطنة ومقتضياتها الدستورية والسياسية. بحيث تكون مؤسسة الدولة محايدة تجاه انتماءات مواطنيها.. بمعنى ان انتماء المواطن الديني او القومي او العرقي، لا يزيد من فرصه ومكاسبه وامتيازاته، كما انه ليس سبباً لانتقاص حقوقه او فرصه في المشاركة في الحياة العامة.
فالتعدد لا يمكن أن يدار في الإطار الوطني إلا بمواطنة تضمن للجميع حقوقهم، وتفسح المجال أمامهم للالتزام بواجباتهم والقيام بمسؤولياتهم.
وارساء مبدأ المواطنة في نظام العلاقات بين أبناء الوطن الواحد وبينهم وبين مؤسسة الدولة، لا يلغي الروابط والمشتركات الاخرى، وانما يصونها ويحترمها ويوفر لها قنوات المشاركة في اثراء الوطن وتنمية المضامين الحضارية والاخلاقية لدى المواطنين.
فالالتزام بمقتضيات المواطنة لا يناقض الالتزام الديني او القومي، بل هو الفضاء الاجتماعي الذي نتمكن فيه من ترجمة التزاماتنا الدينية والقومية.
فالتطلع الديني يتجه الى التعاون والتضامن واشاعة الوئام والاستقرار وتحمل المسؤولية العامة، ولا ريب أن مبدأ المواطنة يتضمن هذه التطلعات ويعمل على انجازها في الواقع الخارجي. كما أننا اليوم لا يمكن أن نلتزم بمقتضيات انتمائنا القومي إلا ببناء أوطاننا على أسس الحرية والعدالة والمساواة. وبوابتنا لذلك هي المواطنة بكل حقائقها ومضامينها الدستورية والسياسية والحقوقية. فهي جسر التزامنا الديني والقومي في حدود الإطار
البشري الذي يجمعنا في دائرة الوطن الواحد.
والثالوث القيمي الذي يستند عليه مبدأ المواطنة، هو العدالة والحرية والمساواة. إذ ان المواطنة تقتضي أن جميع المواطنين على حد سواء في الفرص والمكاسب والمسؤوليات، كما أن النظام الاداري والتنفيذي والاجرائي، يستهدف تحقيق العدالة بين الجميع بدون تحيز مسبق. وهذا يقتضي أن يكون الجميع تحت سلطان القانون. إذ ان سيادة القانون، هو الذي يحقق معنى العدالة في الحياة العامة. ويبقى الحاضن الأكبر لمبدأ المواطنة هو الحرية. حيث ينعم المواطن بصرف النظر عن أصله ومنبته بكل الحقوق والآفاق الذي يبلورها
ويمنحها نظام الحرية في الواقع الاجتماعي.
وبهذا المنظور تتجلى حقيقة لا لبس فيها وهي: ان المواطنة ليست شعاراً مجرداً عن حقائق ووقائع الحياة. وإنما هي منظومة قيمية وادارية وسياسية، تتجه بكل امكاناتها لمنح المواطن كل حقوقه، وتحفزه للالتزام بكل واجباته ومسؤولياته.
فالثالوث القيمي (العدالة – الحرية – المساواة) هو الذي يمنح مفهوم المواطنة معناه الحقيقي، ويخرج المواطن من حالته السلبية المجردة الى مشارك حقيقي وفعال في كل الانشطة الوطنية.
وبهذا يتضح أن المواطنة هي حقوق وواجبات، منهج وممارسة، آفاق وتطلعات، وحقائق دستورية وسياسية، ووقائع اجتماعية وثقافية.
والتقدم الوطني المأمول اليوم، ينطلق من ارساء حقائق المواطنة القانونية والسياسية والثقافية في الفضاء الوطني.
وذلك لأنه سبيل الاستقرار والخروج من محن الواقع وأزماته المتلاحقة. ولكي نصل الى هذا الواقع الذي تكون علاقاتنا القانونية الاجتماعية والسياسية على قاعدة مبدأ المواطنة الذي نتجاوز من خلاله كل عناوين الاستقطاب الاخرى التي لا تصل في استيعابها وجمعها الى مستوى المواطنة، نحن بحاجة الى التأكيد على
العناصر التالية:
1) لا يمكن أن ننجز مبدأ المواطنة في فضائنا الاجتماعي والوطني، إلا بتوسيع رقعة ومساحة المشاركة في الشأن العام، وتوفر استعدادات حقيقية عند جميع الشرائح والفئات لتحمل مسؤوليتها ودورها في الحياة العامة. وذلك لانه كلما توسعت دائرة القاعدة الاجتماعية التي تمارس دوراً ووظيفة في الحياة العامة، اقتربنا أكثر من
دائرة المواطنة في علاقاتنا الداخلية.
وهذا بطبيعة الحال، يتطلب ازالة كل المعوقات التي تحول دون الممارسة وتحمل المسؤولية في الحياة العامة. فحينما تكون الحياة العامة بكل مجالاتها وحقولها، متاحة لكل كفاءات الوطن وطاقاته، ويتم التنافس النوعي والحقيقي في هذا المضمار، فإن هذا يطور الحياة العامة، ويؤسس لمؤسسات أهلية – مدنية فاعلة وتساهم بشكل أساسي في تنمية وتطوير الأوضاع العامة وعلى هذا نقول: ان تشجيع المشاركة في الحياة العامة، وتذليل المعوقات الخاصة والعامة التي تحول دون ذلك، سيقود الى بناء مؤسسات مجتمعية متينة وقادرة على
القيام بأدوار حيوية في الشأن العام.
وهذا بدوره سيعمق في الفضاء الاجتماعي مبدأ المواطنة، وسيوفر الامكانية الفعلية للانعتاق من أسر العناوين الضيقة. حيث ان دينامية المشاركة وفعالية المؤسسات الاهلية – المدنية، سيؤسس لوقائع اجتماعية وثقافية جديدة، تنضج جميع الظروف والشروط التي تؤدي الى ارساء معالم المواطنة في الفضاء الاجتماعي.
فحيوية الفضاء الاجتماعي وفعالية النخب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل هذا يساهم في بناء واقع اجتماعي ينشد التطور باستمرار ومتجاوز لكل العقبات التي تحول دون اقرار مبدأ المواطنة في النظام الاجتماعي والسياسي.
2) إن تطوير نظام العلاقات الاجتماعية والثقافية بين جميع مكونات وتعبيرات وحقائق المجتمع، من أهم الشروط والروافد التي تفضي الى ارساء مبدأ المواطنة في واقعنا بكل مستوياته. إذ ان أي نزعة اقصائية او عدائية، ستساهم في هدم الكثير من العناصر المشتركة التي تجمع بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد.
لذلك من الضروري أن نولي جميعاً اهتماماً فائقاً بنظام العلاقات والتواصل بين مكونات المجتمع،والعمل على تنقيته من كل عناصر الاقصاء والتهميش وسوء الظن وغياب أشكال الاحترام المتبادل. فالمجتمع القادر على بناء مواطنة حقيقية، هو ذلك المجتمع الذي يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر، ويتحلون بقيم التسامح واحترام التعدد والتنوع وحقوق الانسان، ويعملون معاً لتوطيد أركان الفهم والتفاهم، والتلاقي
والتعاون، والأمن والاستقرار.
فـ “فكرة المواطنة كتحالف وتضامن بين ناس أحرار بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، أي بين ناس متساوين في القرار والدور والمكانة، ومن رفض التمييز بينهم على مستوى درجة مواطنيتهم وأهليتهم العميقة لممارسة حقوقهم المواطنية بصرف النظر عن درجة ايمانهم التي لا يمكن قياسهاوقدرتهم على استلهام المبادئ والتفسيرات الدينية، وكذلك ممارسة التفكير واتخاذ القرارات الفردية والجماعية، سوف تولد السياسة بمفهومها
الجديد”. (برهان غليون – نقد السياسة: الدين والدولة، ص 146). فتمدن علاقاتنا الداخلية وتطوير مستوى التواصل والتعارف بين مكونات المجتمع، يفضي الى تحررنا جميعاً
من كل أشكال الانكفاء والمواقف الجاهزة والمعلبة من الآخر.
3) تفعيل سلطة القانون وتجاوز كل حالات ومحاولات التحايل على القانون. وذلك لأنه لا مواطنة بدون قانون ينظم العلاقة والمسؤوليات، ويحدد الحقوق والواجبات، ويردع كل محاولات التجاوز والاستهتار. فـ “من أجل
تجسيد المواطنة في الواقع، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي او طبقتهم او جنسيتهم او عرقهم او ثقافتهم او أي وجه من أوجه التنوع بين الافراد والجماعات. وعلى القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وان يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية وعليه أيضاً ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الانصاف”. (راجع المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، ص
31).
ولنتذكر دائماً أن الاختلاف الديني او المذهبي او القومي والعرقي، لا يحول دون الانتساب الى مواطنة مشتركة، فهي مصدر الحقوق ومناط الواجبات والمسؤوليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى