2020-05-22
قلق وانفعالات نفسية يسببها الحجر

كورونا يغض النظر عن أجساد الأطفال وينال من نفسياتهم

منى البقشي - خليج الدانة

من الواضح جدًا أن ڤايروس “كورونا” قد تسبب في كارثة صحية واقتصادية للعالم، وربما أعاد “كوڤيد – 19” إلى الأذهان الكارثة الأعمق جرحًا في تاريخ البشرية خلال الأعوام 1330 – 1351هـ، حيث تسبب انتشار “الطاعون” في القضاء على نحو 75 مليون شخص، وما يقدَّر بنحو 60% من سكان أوروبا حينها.

وبغض النظر عن الجدل القائم حول إمكانية الإصابة أو الفتك بالأطفال جراء هذا الڤايروس، غير أن هناك اتفاق حول مشكلة غير مباشرة تركت آثارها السلبية على شريحة الأطفال، وهي ناتجة عن العزلة الاجتماعية التي فرضتها الحكومات على المجتمعات بغرض الحد من انتشار الڤايروس، وإذا كانت التأثيرات النفسية للعزلة الاجتماعية لم ينجُ منها الكبار المدركون لأبعاد الحجر الصحي، فما هو حال الأطفال؟.
لقد تسببت إجراءات العزل الصحي والتباعد الاجتماعي المفروضة في العديد من دول العالم في اضطرابات نفسية قد تشكل فيما بعد أزمة صحية أخرى ضمن تداعيات أزمة “كورونا”، فمنظمة الصحة العالمية أكدت على أن “استجابة الأطفال للضغط النفسي تختلف خلال فترة العزل المنزلي، فقد يصبح بعضهم أكثر تعلقًا أو قلقًا أو إنطوائيةً أو غضبًا أو تهيجًا”.

“خليج الدانة” تابعت التأثيرات التي سجلتها الأزمة على نفسيات الأطفال خلال فترة الحجر، وطرحت مجموعة من الأسئلة أمام المختصين في مجال علم النفس، وعلم سلوك الأطفال، وعلم الاجتماع؛ وذلك بهدف الوقوف على طبيعة هذه التأثيرات، وكيفية الحد من آثارها السلبية.

صدمة بحجم غياب الاستعداد النفسي
الأخصائية النفسية، والخبيرة في تعديل السلوك للأطفال والمراهقين عبير العاشور أكدت استقبال العيادات السلوكية عبر الهاتف اتصالات عدة من الأهالي بغرض المساعدة، وطلب التوجيه في التعامل مع المشكلات السلوكية خلال الفترة الماضية، وبيَّنت طبيعة هذه الاستشارات، وأنها تعكس حدة بعض المشكلات السلوكية لدى بعض الأطفال مثل “النشاط الحركي الزائد – العصبية – العنف اللفظي والجسدي – التخريب – العناد – التحرش الجنسي بالأطفال (ولكن بنسبة قليلة بناء على الحالات المبلغ عنها التي وردت استشارات بشأنها)”.

ووفقًا للعاشور فإن الروتين اليومي للأطفال في الأوقات الطبيعية قبل الأزمة قابله حجر يومي دون استعداد نفسي للأطفال لمواجهة هذا الإجراء الضروري، هذا أدى إلى زيادة المشكلات السلوكية لديهم. وتوضح العاشور: “فرض الحجر على الأطفال دون استعداد وتهيئة نفسية مسبقة زاد من حالات التوتر لدى الأطفال، وهذا أمر طبيعي بسبب عدم ممارسة الأنشطة الترفيهية خارج المنزل التي تساعد على تفريغ الطاقة الانفعالية”، غير أنها استبعدت أن تصل التأثيرات إلى حد الاكتئاب.. “ليس بالضرورة أن يتسبب الحجر في مشكلات معقدة إلا بالنسبة لمن يعيشون في بيئة سلبية أو لديهم استعداد للإصابة بالاضطرابات النفسية”.

البيئة النقدية تعمق المشكلة

من جهته أكَّد الأخصائي النفسي الدكتور مصدق آل خميس على أن “شخصية الطفل هشة بحكم عدم النضج، وضعف تبلور مفاهيم الحياة لديه، وضعف إدراكه لمفهوم الفناء، وبالتالي هو أقل نضجًا في الثقافة التأويلية للمفاهيم الحياتية والتفسيرية للأحداث”، ويرى أن قلق الأطفال هو انعكاس لقلق الوالدين، فالوالدين “يقومان بحشو عقلية الطفل بمفاهيم تتوافق مع قناعتهما، فإذا كانت ثقافتهما تتسم بالخوف -مثلًا- فإن الطفل سيكتسب ذلك منهما”.

نور محمد سمور أخصائية نفسية، وخبيرة في مجال العلاج النفسي السلوكي تتفق مع الرأي بأن “الحجر يساهم في مضاعفة المشكلات السلوكية لدى الأطفال، حيث أن الفراغ وقلة الأنشطة اليومية تساهم حدوث مشكلات سلوكية”، غير أنها تشير إلى مشكلة البيئة الناقدة المسلطة على سلوك الطفل، والتي قد تتركز في أزمة “كورونا” حيث يتفرغ الوالدان للأطفال، وهو ما يعمق المشاكل النفسية والسلوكية عند الأطفال”. كما تعتقد سمور أن الاكتئاب وارد بالنسبة لبعض الأطفال الذين يمتلكون قابلية للإصابة به نتيجة البيئة الأسرية والمشكلات النفسية والوراثية في تلك الأسر، وقد يسبب الحجر ظهور الاكتئاب والقلق الاجتماعي”

معرفة خصائص الطفولة

الأخصائي النفسي ناصر الراشد يدعو إلى احتواء المشكلات السلبية التي تخلفها أزمة الحجر عبر “تفهُّم طبيعة النضج والانفعال ومستواه لدى الطفل، حيث من المتوقع أن تكون استجابته فيها شيء من القلق والمخاوف؛ وذلك لأنه لا يدرك من ناحية انفعالية الأسباب الواقعية لهذه العزلة” ويضيف: “عندما نتحدث عن مرحلة الطفولة فإننا نتحدث عن السنوات الحرجة والحاسمة في حياة الإنسان، وهي من ناحية نفسية تمتد إلى سن الثانية عشرة، وتكمن أهمية هذه المرحلة في حياة الانسان في سرعة النمو في تكوينه النفسي بشكل عام، وتأثير الخبرات التي يكتسبها في هذه المرحلة في صوغ شخصيته؛ لذلك من المهم جدًا الالتفات إلى طبيعة هذه المرحلة النمائية”.

وتعبر نور سمور عن اختلاف البنية النفسية لدى الطفل من ناحية التعامل مع التغيرات الحياتية بقولها: “على عكس الإنسان البالغ الراشد فإن الطفل يفتقد مهارات التعبير عن الذات، وحل المشكلات، والتعامل مع الأزمات، فالراشد لديه خبرة تؤهله لمواجهة المواقف بشكل أكبر من الطفل، بينما لدى الطفل طرق أخرى للتعبير عن المشكلات التي تواجهه وهي طرق غير مباشرة، مثل التبول اللاإرادي أو السلوك العدواني والعنف، وهي سلوكيات يعبِّر بها عن التوتر الناتج عن العزلة الاجتماعية”. وليس بعيدًا عن ذلك يؤكد الدكتور مصدق آل خميس على “أن نفسية الطفل تختلف كثيرًا عن شخصية الكبار؛ لأنها لا تحتوي على المعارف والنضج والخبرات والمهارات التي يستطيع من خلالها التعامل مع العزل الاجتماعي، بالإضافة إلى كونه اعتماديًا على الأبوين”.

 أساليب مثلى

وإذا كانت إجراءات الحجر بهذا القدر من الحساسية بالنسبة لفئة الأطفال، فما هو الشكل الأمثل في التعامل مع كل سلوك سيء مستجد في فترة الحجر؟ أو مع زيادة السلوك الخاطئ الناتج عنه؟.
تجيب عبير العاشور بالقول: “على الأهل تبنِّي أساليب إيجابية في التعامل مع المشكلات السلوكية، ومنها: الحوار ومساعدة ومناقشة الطفل لفهم سلوكه، ومساعدته على ضبطه باستخدام أساليب النمذجة كالقصص التربوية لتقليد السلوك الإيجابي، مع استخدام التعزيز المعنوي والمادي”، وتسوق العاشور أمثلة على الأساليب المقترحة: “عند تخريب الطفل للألعاب يطلب منه (وأحيانا بمساعدة الأهل) ترتيب صندوق الألعاب دون مكافأة لاحقة كي لا يتكرر السلوك. كما بالإمكان استخدام أسلوب العزل ويكون العزل حرمانًا مؤقتًا”.

من جهته يحث الدكتور آل خميس على أهمية الميل للظرافة والابتسامة والمداعبة مع الأطفال، وكذلك مشاركتهم اللعب، وتعمُّد إظهار السعادة بممارسة هذا الدور، وإشاعة الألفة والمحبة، وتجنُّب الخلافات الزوجية، وإظهار الرضا والقناعة بجميع مشاركاتهم، وعدم تحميلهم فوق طاقتهم.
ويرى الدكتور آل خميس أن فترة الحجر فرصة مهمة ينبغي الاستفادة منها، وتحويلها من حالة سلبية إلى وقت ممتع للأطفال، وأن هذا يحتاج إلى “أسرة إيجابية غير متذمرة، لديها قناعة إيجابية تجاه الحياة”.

ومن النشاطات المفيدة التي تساهم في التغلب على آثار العزلة والاستفادة من فترة الحجر، يقترح الدكتور آل خميس “تشجيع الأطفال على ممارسة بعض أنواع الصيانة، وكذلك تشجيع العمل المسرحي بحيث تُعد قصة ويقوم الجميع بالمشاركة في التمثيل، ويمكن إخراجها وبثها ولو بشكل محدود عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي”، كما يؤكد على دور القدوة.. يقول: “لكي نجعل من الأطفال إيجابيين مع الحظر لا بد أن نكون نحن الكبار قدوة إيجابية وداعمة معنويًا”.

أما عبير العاشور فتجد أن “بالإمكان إقناع الأطفال بعمل أنشطة ترفيهية بالمنزل، وخصوصًا الألعاب الحركية، مثل القفز على الاشكال، ونط الحبل، والتمارين الرياضية، بالإضافة إلى ألعاب الهدم والبناء بالمكعبات، وألعاب التفريغ الانفعالي كالرسم والتلوين والقص واللصق، وألعاب الرمل، كذلك ألعاب الخيال، والاستماع للقصص التربوية والاجتماعية، والألعاب الإدراكية، وألعاب الذكاء والتركيز الموجودة على الأجهزة الإلكترونية مع تحديد وقت قصير لها، والألعاب التفاعلية الاجتماعية كالغميضة التي تقوي العلاقة بين الطفل والأهل، كذلك بإمكان الأهل استغلال هذه الفترة لتطوير التعليم والاستعانة بمواقع التعليم الإلكترونية، وأيضًا تعليم الصلاة وغيرها من الأنشطة والمهام المنزلية، وكل ذلك باستخدام معززات معنوية كالتشجيع أو رمزية مثل جدول النجوم”
ويدعو ناصر الراشد إلى “تعويض أوقات العزلة لتخفيف مستوى القلق والمخاوف، ولتشتيت الشعور بالملل، وعلى الوالدين توعية الطفل بأهمية هذا الإجراء؛ للمحافظة على صحته، وأيضًا تطمينه أن هذا موضوع مؤقت وسوف يزول”.
كما يدعو الراشد إلى تحويل فترة الحجر إلى مكسب نفسي، يقول: “نعتبرها فرصة سانحة للتقارب مع الطفل وتقوية ارتباطه بالأسرة، وتنمية مهارات التواصل لديه، وهي فرصة لتعويد الطفل على البقاء في المنزل، وتنظيم وقته، والبحث عن فرص تنمية شخصيته المعرفية من خلال برامج التدريب التي تناسب فئته العمرية”

نور سمور قللت من أهمية مشكلة السلوك السلبي خلال فترة الحجر باعتباره طارئًا، وترى أن “الأفضل في العلاج إيجاد بدائل يقوم بها الطفل بشكل يومي تساهم في إضافة خبرات جديدة للطفل، ومحو السلوك السيئ الطارئ”، كما تنصح “بتخصيص أوقات للحوار واللعب الجماعي مع الأسرة، ومشاركة الطفل بها، وتخصيص ساعة يوميًا للعب الحركي؛ ليساهم في إخراج الطاقة السلبية لدى الطفل، كما تنصح “بعمل مسابقات الرسم والتلوين والإنجازات، واستخدام أساليب التعزيز؛ لتحسين صورة الذات الداخلية والثقة بالنفس، والتي قد تهتز في ظل الأزمة الراهنة”.

كما تستبق سمور التأثيرات بنصائح للأطفال الأصحاء من خلال عدة أمور، من أهمها: “التركيز على الجوانب الإيجابية في الطفل، والإشباع النفسي العاطفي، والحوار مع الطفل عن أفكاره ومخاوفه الداخلية، وخاصةً هذه الفترة حيث أن الكبت للمشاعر يسبب اضطرابات نفسية، إضافةً إلى تخصيص أوقات لحفظ القرآن الكريم وتلاوته على الأطفال بمشاركه أسرهم؛ مما يساهم في نشر الهدوء والسلام النفسي”
فيما تؤكد عبير العاشور على أهمية “تثقيف الأطفال حول ڤايروس “كورونا” وكيفية الوقاية منه، وضرورة الإلتزام بالحجر المنزلي، وكذلك تدريب الطفل على أساليب الوقاية، والتأكيد على العواقب السلبية لعدم الالتزام بالحجر المنزلي، واحتمالية الإصابة بالڤايروس، والذي قد يؤدي إلى نقل الطفل للمستشفى بمفرده، مما ينعكس على الحالة النفسية لديه من توتر وقلق وأفكار وهواجس”.


اللعب يساهم في التخفيف من وطأة الحجر

المشاركات كورونا يغض النظر عن أجساد الأطفال وينال من نفسياتهم

  1. فرح صالح

    سلمت الأنامل عزيزتي منى
    الظروف النفسية والعامل النفسي مهم مع الجميع فكيف من هم بحاجه اليه ..

    لا حرمنا الله من قلمك المبدع ♥️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *