2020-05-23

الأيدلوجيا والاختيار الثقافي

منذ أن نشر (فرانسيس فوكوياما) مقالة بعنوان (نهاية التاريخ) في عام 1989م بمجلة “ناشيونال انترست” (المصلحة القومية) الأمريكية، الذي تحول إلى كتاب في ثلاث عشرة لغة، وردود الأفعال مازالت متوالية، حتى مع صدورالكتاب الموسع (نهاية التاريخ والرجل الأخير) في عام 1992م حيث استند فوكوياما في المقال والكتاب على نيتشه والإنسان الأخير، وفلسفة هيغل في سيرورة التاريخ وصيرورته، وصل إلى قناعة أساسية حاول أن يؤكد عليها في كل من المقال والكتاب.. وهذه القناعة هي أن الرأسمالية انتصرت في صراعها الفكري والعقدي، ووصل القطار إلى هدفه وانتهى التاريخ بالمعنى الهيغلي.. ولقد استقبل العالم هذه القناعة بردود أفعال متباينة، بين مؤيد لتصورات فوكوياما في نهاية التاريخ وبين داحض لأفكاره وتصوراته.. فقد قال الكاتب الفرنسي جورج سوفير أن فوكوياما على حق عندما يبرهن، أن لا منافس جدياً كونياً للديمقراطية الليبرالية.
واعتبر باسكال بروكز الكاتب الأمريكي من أصل ياباني بأنه: يستعيد آلية تفكيره من الشيوعية المهزومة، وبأنه قد يكون الماركسي الأخير.. وقد قدمت جريدة (لبيرسيون) الفرنسية عرضاً للكتاب ختمته بالقول: إذا أردنا أن نكون خبثاء، فإننا نلاحظ أن فوكوياما هو هيغل ناقص الديالكتيك، وزائد ملاحظات وزارة الخارجية الأمريكية.
ومنذ ذلك الحين، بدأت بالرواج مقولات حول نهاية عصر الأيدلوجيات، وأن البشرية انتقلت من عالم الأيدلوجية، إلى عالم الثورة العلمية والتقنية الهائلة، التي ألغت الحدود النفسية والعقلية قبل الجغرافية، ويحشد هؤلاء في سبيل ذلك، الكثير من الشواهد والمسائل التاريخية والمعاصرة.
ونحن هنا لا نريد مناقشة رؤية (فوكوياما) ومدى تأثره بأفكار هيغل في ظاهرية الروح، وقناعات (دانيال بل) حول نهاية العقيدة، وهربرت ماركز حول نهاية التاريخ في الإنسان ذي البعد الواحد. وإنما نريد أن نقف قليلاً عند دعوى ضرورة فك الارتباط بين الأيدلوجيا والاختيار الثقافي؛ حيث ترفض الايدلوجية على أساس ان الاختيار الذي يواجهنا كأمة، ليس اختياراً أيدلوجيا، بل هو ثقافي. ولذلك فإن البحث عن الاختيار الثقافي هو “أقوى من أن تغمره موجه الادلجات المتلاحقة” على حد تعبير مطاع صفدي (في أزمة الفكر العربي مع
منهجياته: مواجهة أولى).
ونسي هؤلاء ان الأسئلة الكبرى، والمشاريع الاستراتيجية التي تواجهنا، تتطلب بشكل أو بآخر التزاماً أيدلوجياً، يوفر الاهتمام بقضايا الإنسان والمجتمع الجوهرية، والأدوات المعرفية والعملية، التي تمكننا من تحديد الاجابات لتلك الأسئلة والأوعية المناسبة لتلك المشاريع. فدائماً الأسئلة المعيارية التي تتعلق بالشئون الكبرى والمسائل الأساسية، تتطلب وجوداً أيدلوجياً.
فالأيدلوجيا بعناصرها الرمزية ومضامينها المعرفية والاجتماعية، تلقي بظلالها على الأشياء، فتجعل معتنقها ينظر إلى الأمور بمنظارها.. ويق ِّوم القضايا وفق معاييرها ومقاييسها الخاصة. لذلك فهي عالم أفكار الإنسان، كما هي وسائله النظرية والمعرفية. لهذا فإنه لا يمكن أن يتم الاختيار الثقافي على المستوى الفردي أو الجمعي بدون الأيدلوجيا ومن يطالب بالفصل بينهما، هو في حقيقة الأمر ينطلق من أيدلوجيا معينة، يحاول فرض خياراتها وآفاقها على العملية الثقافية بأسرها. وهذا بطبيعة الحال لا يعني تأويل الحقائق واخضاعها بشكل متعسف، بحيث تنسجم وضرورات الأيدلوجيا. وإنما هي تنظر إلى الأمور بمنظار الأيدلوجيا، فتحدد البعد أو القرب من الفضاء الأيدلوجي الخاص، وبهذا لا يمكن أن يحدث تناقص بين الموقف الأيدلوجي والموقف الموضوعي لأنها نظرة وصفية – تقويمية في آن واحد.
فالأيدلوجيا بمثابة المصباح الذي ينير الدرب ويوضح الأشياء وخريطة تحقيقها أو الوصول إليها، دون التدخل في طبيعة الأشياء أو تبديل خريطة الطرق والمسارات. وإنما هي تكشف عن الواقع، وتدفع بمعتنقها إلى تقويم الواقع وتغييره بحيث ينسجم وأصول الأيدلوجيا. ولا يمكن أن نتصور إنساناً في هذا الوجود بلا أيدلوجية.
حتى الإنسان الملحد، تحول الإلحاد في حياته إلى أيدلوجية يستقي منها أفكاره، ويحدد على ضوئها مواقفه..
فالأيدلوجيا لا تعني القفز على قوانين الطبيعة أو الكون، أو الجهل بالقوى الفعلية العاملة في الحركة الاجتماعية، وإنما الأيدلوجيا تعني العلم بهذه القوانين وفهم آليات عملها ونسقها في التحرك والتأثير، وتوجيه المؤمن بها إلى السير وفق تلك القوانين والسنن الطبيعية والكونية.
وبجانب الصواب من يعتقد أن الأيدلوجيا، هي المعادل الموضوعي إلى الدوغما العقدية والانغلاق الفكري والتعصب المنهجي والعقلي. وإنما ما نقصده بالأيدلوجيا، التي نطالب وندعوا أن تكون اختياراتنا الثقافية منسجمة وأصولها وآفاقها المعرفية. هو ذلك الالتزام الأيدلوجي المنفتح على قاعدة التأصيل والمرن انطلاقاً من الثوابت الذي يتسرب إلى دقائق الأمور وتفصيلاتها، كما يلامس الخطوط الكبرى في حياة الإنسان.
فالالتزام الأيدلوجي ليس قالباً جامداً، ونظاماً فكرياً مغلقاً، يحارب الجديد، ويقف موقف الرفض من منجزات الإنسان، بل الالتزام الأيدلوجي الذي نقصده هو ذلك النظام الفكري المنفتح، والذي يتعاطى بشكل ايجابي مع تطورات العصر، ويحترم المنجزات والمكاسب التي يصل إليها الإنسان بصرف النظر عن خلفيته العقدية والايدلوجية.
وتأسيساً على هذه المسألة نسأل: ماذا توفر الأيدلوجيا للثقافة وخياراتها العملية؟
1- أي ثقافة إنسانية، بحاجة إلى معايير ومقاييس عليا، تحدد من خلالهما، عملية السلامة في المسيرة الثقافية ولا يمكن أن تخلو ثقافة من الثقافات من معايير عليا، تعتبر التطلع المنشود لتلك الثقافة.. ولاشك أن الايدلوجيا بما تتضمن من منظومات معرفية، وقيم اجتماعية وتطلعات إنسانية، هي التي تخلق هذه المعايير والمقاييس لثقافتنا الخاصة والعامة..
فالثقافة الغربية تستمد معاييرها التفاضلية وتطلعاتها الإنسانية من الأيدلوجيا السائدة في الغرب. وهكذا بقية الثقافات والمنظومات الفكرية في العالم.. فالأيدلوجيا هي التي توفر معايير التفاضل بين القيم، بحيث إنه حين تزاحمهما أو تعارضهما على أرض الواقع، تقوم الأيدلوجيا بتوفير جملة من المقاييس التي بتطبيقها، يرتفع التزاحم أو التعارض بين تلك القيم على أرض الواقع. ولاشك أن فك الارتباط بين الايدلوجيا والاختيار الثقافي، يؤدي إلى فوضى في معايير التقويم ومقاييس التفاضل في عالم الواقع والقيم.. وفي تقديرنا أن هذا الفصل، هو الذي أسقط فوكوياما في رؤية تناقض أبجديات النظرية الليبرالية الديمقراطية.. بمعنى أن فكرة نهاية التاريخ “لا تنسجم مع الفكرة الليبرالية ذاتها التي تنظر إليه كحركة مفتوحة. بعبارة أخرى فإنه بينما يضع فوكوياما النهاية بمنزلة معيار لما ينبغي أن تكون عليه الحياة في الحاضر والمستقبل، فإن الليبرالية وفق التفسير الشائع لها، ليست سوى آلية أو مجموعة اجراءات لضمان حريات الأفراد في علاقاتهم ببعضهم وفي علاقاتهم بالدولة.. فهي لا تطرح بصورة مسبقة مثا ًلا للخير العام وتسعى إلى فرضه، مما يعرضها إلى خطر الاتهام بالتوتاليتارية، بل تتركه يظهر كنتيجة لاحقة لحريات الأفراد ومبادراتهم”.. (جريدة الحياة اللندنية – 30ديسمبر 1994م).
2- الايدلوجيا واختيارات الإنسان الكبرى:
لا يمكن للإنسان أن يعيش في هذه الحياة بلا اختيارات كبرى أو تطلعات عليا، يسعى إليها ويصبو إلى تحقيقها في واقع حياته.. ومن الطبيعي أن هذه الاختيارات والتطلعات تستمد من الأيدلوجيا التي يعتنقها الإنسان. فإذا كانت أيدلوجية مادية، فإن تطلعاته ستكون من سنخ تلك الطبيعة المادية.
كما أنه إذا كانت أيدلوجيته روحية فتطلعاته تكون كذلك أيضاً.. لهذا فإن فصل عالم الأيدلوجيا عن عالم الثقافة واختياراتها العملية، يدفع بالإنسان إلى التشبث بأيدلوجية أخرى، توفر له بعض التطلعات السريعة.. وغالباً في هذه الحالة يتم التشبث بالأيدلوجيا الغالبة في راهن الإنسان، وبهذا يتم توفير الأرضية المناسبة لعمليات الاختراق العقدي والأيدلوجي.
من هنا فإن توفير الانسجام التام بين الأيدلوجيا والاختيارات الثقافية، يصنع حالة دفع حضاري، تذلل الصعاب، وتتجاوز العقبات، وتكافح من أجل تحقيق التطلع، وتوفير مستلزمات النجاح الفردي والجمعي في هذه الحياة.
ووفق هذه الرؤية فإن الأيدلوجيا ليست كابحة إلى اختيارات الإنسان الثقافية، وإنما هي هادية له. لذلك فإن المطلوب ليس محاربة الأيدلوجيا بدعوى الحرية الثقافية والفكرية. وإنما من الضروري العمل على بلورة العلاقة السليمة بين الأيدلوجيا بما تعني من أطر فكرية عليا وخيارات فلسفية كبرى، والاختيار الثقافي للإنسان والجماعة، الذي يجيب على اسئلة الواقع، ويبحث عن الآفاق الممكنة لتجاوز كل ما يحول دون الانسجام بين
عالم العقل والنظر وعالم الفعل والواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *