مايسطرون
2020-05-26

التنمية البشرية.. رؤية أولية


التنمية لا تأخذ معناها وأبعادها الحقيقية، إلا بحضور العنصر البشري في السياسات والأهداف والوسائل أيضا.
فلا تنمية بلا إنسان، كما أن الإنسان هو وسيلتنا الفعالة، لإنجاز الغايات وتنفيذ المشروعات.
ظلت العديد من الدول العربية والإسلامية، تنظر إلى التنمية، باعتبارها مجموعة من الموارد والثروات الطبيعية والرأسمال المتوفر فيها. واعتبرت هذين العنصرين هما قوام العملية التنموية. وبدأت بتبلور السياسات التنموية، القائمة على هذا الفهم لمعنى (التنمية).
إلا أنه في السنوات الأخيرة، بدأت الكثير من هذه الدول، إعادة النظر ومراجعة مفهومها للتنمية. واكتشفت من خلال هذه المراجعة، وإخفاق بعض المشروعات القائمة أو عدم جدواها الفعلية، القائمة على المعنى البسيط أو المادي إلى التنمية.
بإضافة العنصر البشري في مفهوم التنمية، واعتباره حجر الزاوية والقاعدة الحقيقية والصلبة لأي مشروع تنموي.
والتنمية البشرية كما حددها في عام 1990م برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هي تنمية الناس من أجل الناس، أي إعداد الناس وتأهيلهم بحيث يكونون قادرين تعليمياً وصحياً على المشاركة الفعالة والخلاقة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
فالتنمية لا تأخذ معناها وأبعادها الحقيقية، إلا بحضور العنصر البشري في السياسات والأهداف والوسائل
ً أيضا. فلا تنمية بلا إنسان، كما أن الإنسان هو وسيلتنا الفعالة، لإنجاز الغايات وتنفيذ المشروعات.
ومنذ تلك اللحظة (لحظة المراجعة وإعادة التقويم) بدأت مصطلحات جديدة تأخذ موقعها الطبيعي في العالم العربي والإسلامي كتنمية رأس المال البشري وتنمية العنصر البشري، وتنمية الموارد البشرية، وكلها مصطلحات تؤكد على حقيقة واحدة وهي: أن الإنسان هو بؤرة الاهتمام في المشروعات التنموية وهو صانعها وغايتها ووسيلتها في آن. وأي تجاوز لهذه الحقيقة، فإنه يعني على المستوى الفعلي، بذل وصرف الكثير من الإمكانات والطاقات، دون إحداث نقلة نوعية وحقيقية في الفضاء العربي والإسلامي، وذلك لأنها مشروعات أقصت الإنسان من تخطيطها وبرامج عملها، لذلك فإنها قد تنجح في تطوير الجوانب المادية والفنية في هذه الدول، إلا أنه تطوير سيعتمد في كل شيء على الأيدي الأجنبية، دون أن تتمكن الأيدي الوطنية من تشغيلها
أو الاستفادة منها على المستويين الاقتصادي والفني.
فإقصاء الإنسان من العملية التنموية، يعني الاستمرار في الحاجة إلى الأجنبي في كل شيء. وليس من التنمية في شيء تطوير حاجاتنا إلى الأجنبي أو أن تكون كل المشروعات والمؤسسات والمصانع تدار بأيد غير وطنية. وذلك لأنها ستبقى مشروعات أجنبية في كل شيء ما عدا التمويل والأرض.
والبعد البشري في التنمية يعني الأمور التالية:
1) إعادة الاعتبار إلى الإنسان ومتطلباته وحاجاته للمشروعات التنموية. فهو المقياس الوحيد في سلامة المشروع، كما أنه معيار تحديد سلم الأولويات، وهو الذي يحدد المضامين الثابتة لهذه المشروعات والخطط
التنمية البشرية.. رؤية أولية
التنموية. فمشروعات التنمية كما تلحظ الأبعاد المادية والفنية، ينبغي لها أيضاً أن تلحظ الأبعاد الإنسانية العلمية والاقتصادية والاجتماعية وما أشبه.
2) العناية بالمكونات الخلفية لمشروعات التنمية:
فالثقافة والمستوى الحضاري والتعليمي، كلها مكونات إنسانية، لها تأثير مباشر في العملية التنمية، وأي قفزة في المشروعات المادية أو الاقتصادية البحتة، دون سبقها بتطوير في العملية التعليمية والمستوى الثقافي والحضاري، فإنها ستكون قفزة غير محسوبة النتائج، وقد تكلف البلد الذي يقدم على هذا التصرف الكثير من
إمكاناته المادية.
لذلك نجد أن المشروعات التنموية التي تتبناها بعض الدول، تسبب آثارا اجتماعية وثقافية خطيرة، كالتفكك الأسري والمزيد من الاغتراب النفسي والاجتماعي، وذلك كله يرجع في تقديرنا إلى أن هذه الدولة، أقدمت على تأسيس بعض المشروعات، من دون النظر أو العناية بالمكونات الثقافية والحضارية والتعليمية للمجتمع.
فالتنمية لا تتحقق دفعة واحدة، وإنما هي عمل إنساني متواصل، يتراكم مع بعضه البعض، حتى يصل بجهود كل الأطراف والمكونات إلى المستوى التنموي المنشود.
والتنمية قبل أن تكون مصانع ومنشآت اقتصادية ضخمة، هي سياسات واستراتيجيات واضحة، تشرك كل المواطنين (كلا من موقعه) في هذه العملية. وتغييب أي قطاع أو مكون، فإنه ستكون له آثاره السلبية الواضحة على المشروعات التنموية. وذلك بفعل غياب بعض الأبعاد الفعلية، التي ينبغي أن تلحظها الخطط أو
المشروعات التنموية.
فالتنمية الشاملة لا يمكن أن تنجز على الصعيد الواقعي، إلا بتطوير خطط ومشروعات تنمية الموارد البشرية، حتى يتوفر الكادر البشري القادر على إنجاز مقولة التنمية الشاملة في الواقع الخارجي.
3) إن مقياس التطور والتقدم، ليس امتلاك الموارد الطبيعية فقط، أو استيراد أحدث تقنيات العصر، وإنما المقياس الحقيقي، هو مقدار البناء العلمي والأخلاقي للإنسان. فكلما تطورت أساليب تنمية قدرات الإنسان وطاقاته، أصبح المجتمع أقرب إلى التطور والتقدم. فالبناء الإنساني هو الذي يحدد مستوى التقدم في المجتمع.
ويخطئ من يعتقد أن سبيل التقدم، هو استيراد التكنولوجيا، والتغافل عن مشروعات التنمية البشرية، لأن هذا السبيل يزيد من حالات التبعية، ويقضي على كل الإمكانات والمبادرات المتجهة صوب البناء والاكتفاء الذاتي.
وإن الارباكات المنهجية والعملية، التي تعانيها العديد من التجارب التنموية في البلدان العربية والإسلامية، ترجع إلى غياب المعايير الواضحة، الخاصة بنسق أو أنساق التطور الاجتماعي والاقتصادي. ولا ريب أن تنمية الموارد البشرية، من المعايير التي نتعرف من خلالها على مستوى التطور وتجاهه ومساره.
فلا بناء اقتصاديا وتطويرا اجتماعيا، إلا بتنمية بشرية، فهو الجسر الوحيد والفعال، الذي يؤهلنا كمجتمعات لتحقيق البناء الاقتصادي والتطوير الاجتماعي. وأي بناء اقتصادي، بدون تنمية بشرية، فإن مآله الأخير، هو الاعتماد الكلي على الآخرين سواء في المواد والمسائل الفنية أو الادارة.
وهذا لاشك بسبب الإرهاق لميزانية الدول، ويجعلها تصرف الأموال الطائلة على منشآت ومؤسسات اقتصادية، لا تستفيد منها استفادة فعلية في مسارها الاقتصادي والاجتماعي.
من هنا ينبغي أن نحجم جميعا، عن القيم بالممارسات والسلوكيات التي تبعدنا عن الإنسان في العملية التنموية.
ونعيد الاعتبار على مفهوم التنمية البشرية، ونبحث في تاريخنا وتقاليدنا وواقعنا عن مكوناته ووسائله وروافده، ونعمل على تنشيطها وبث الروح في أوصالها، حتى تشترك جميع القطاعات في احترام القيم الاجتماعية والاقتصادية الحاضنة لهذا المفهوم وروافده الإنسانية.
ولا تنمية قابلة للاستمرار، إلا بالمزيد من إبداع وتطوير وسائل تنمية الموارد البشرية. فهي خيارنا الذي ينبغي أن نعمل جميعا من أجل اجتراح وسائل جديدة لانجازه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى