في الملعب
2020-06-19

نتيجة التعادل في شوط الإياب تكون اثقل من الهزيمة…!!


اندلــعت حــرب (النكســة) بين العـرب وإسرائــيل يوم 5 يونيــو 1967 لتحط أوزارها بعد ستة أيــام فقـط. حينها كـنت في السادسة من عمـري (طفـل) وبالرغـم انني لم اشاهد وقتها صور المعركة وفداحة الموقف لبعد المسافـة عن مواقـع المعـارك، وعـــدم وجود وسائل إعلامية حديثـة لبث ونشر الصــوت والصورة، وان كل ما أتذكره أن الحكومة وقت ذاك، اتخـذت بعض التدابـير الاحترازيــة امنــياً منها، ما كــنت اسمعــه من بعـــض أصحاب السيارات حيث كانوا يقولون انه طلب منهم طلاء مصابيح سياراتهم الى النصـف باللون الأسـود لتقليل وهجها، حتى لا تراها الطائرات المعادية، وكــذلك نشر بعـض نقــاط السيطرة في المناطــق وكانت إحــداها عند ورشــة والدي تماماً على الشارع العام.

 

شاهــدت بعض الجنــود نصبوا لهم خيمـة بجانب الطريـق ووضعوا حاجزاً، عبـارة عن برميلين وفوقهم قطعة من خشب الدنشل. تُرفع لمرور السيارات بعد التأكد من هوية أصحابها ولقلة عدد السيارات في تلك الفترة كانوا جنود الحراسة يتركون الحاجز ويتـوارون في الخيمـة، فاذا سمعـوا صـوت احدى المركبات خرجوا لتفقدها ثم السمـاح لـها بالمـرور.

 

ومن المواقف المضحكة، أن أتت مركبة بها عائلة والطريق مغلق، فترجلـت امرأة من السيـارة كانت تجلس بجانب السائق مع أولادها ورفعوا “الدنشلة” وركبوا سيارتهم وغادروا مسرعين حينها شعروا بهم الجنود فخرجوا من خيمتهم وهم يبتسمون استنكارا من تجـاوز تلك العائـلة على الحاجز الأمني، واعادوا “الدنشلة” فوق البراميل ثم رجعوا الى خيمتهم.

 

داخل ورشـة والـدي كان الموقف مختلـف، كـــان الراديـو “محطوط صوته على حده” كي يتمكن والدي ومن معـه من متابعـة أنبـاء الحرب التي كان يتخللها الأناشيـد الحماسيـة والوطنية ومن تلك الأغاني التي مازالت عالقة بذهني أغنية الفنان عبدالحليم حافظ (اضرب اضرب لجل الصغار لجل الكبار لجل النهار لجل البلاد لجل العباد اضرب اضرب اضرب) وبين الفينة والأخرى تهدر بيانات “احمد سعيد” كالرعد من إذاعة صوت العرب لتعطي حماساً محفزاً منقطع النظير، يخبر عن انتصار ساحـق لمصر وعـن إسقـاط عشرات الطائـرات الإسرائيلية. وذلك بناء على البيـانات الصادرة من الجـيش والقيـــادة السياسية. في الوقت الذي شهدت فيه جميـع الجبهات هزيمة للجيش المصري من قبل الجيش الإسرائيلي. حيث قصفت الطائـرات المصرية وهي على الأرض وقبل أن تقلع من المدارج.

 

وتعتبر تلك الحرب من أكثر حروب العرب قسوة في تاريخهم الحديث، إذ خسرت ثلاثة جيوش عربية آلاف المقاتلين عدا عن الأراضي التي لم يسترجع بعضها حتى اليوم، وتهجـير عشرات الآلاف من الفلسطينيين ومحو قـرى بأكملهـا.

 

في تلك النكسة، كان تبرير عدم الشفافية وإصدار البيانـات وإعطـاء الأرقـام الغير حقيقية، يهدف لرفع معنويات المقاتلين وشحذ الهمـم، ثم تحملت القيادة السياسية والعسكرية المسئولية عن الهزيمة لان الشعب والجيش وقف بصدق الى جانب قيادته وتحمل واجبه الوطني بالدفاع والتضحية بكل ما يملك. وسُجلت النتيجة واحد صفر لصالح الشعب.

 

اما اليوم في سنـة 2020 خلال غزوة “الكورونا”، اشهد إن الحكومة والقيادة الرشيدة ما قصرت بل سخرت كل الإمكانيات المتاحة للدفاع عن كل إنسان يعيش على ارض بلادنا الطيبة، وبشفافية متناهية، يطل علينا يوميا المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الصحـي في مؤتمـره الصحفي شارحا ناصحا موجها موضحا كل الحقائق والأرقام. مكرراً للتنبيهات وضرورة اتباع الخطط المدروسة من الاحـترازات الوقائية والتقـيد بالتنبيهات والتعليمات والارشادات.

 

ولكن يا للأسف نسمع يوميا تزايد في ارقام المصابين ونفقد من بيننا آخرين. أتذكر هنا عند بداية الأزمة خرج علينا أحدهم يدعوا الى عدم الخوف من الوباء مدعياً انه لم يرى (قطو واحد مات)، فأسأله هل اقتنعت الآن؟ بعـد أن رأيت العشرات من منطقتك قد خطفهم القاتل الذي لا يرحم.

 

كما اعبر عن خشيتي من إن نصل الى ما هو أسواء مـن ذلك اذا استمرينا هكذا في مناسباتنا الاجتماعية، فهل من المعقـول أن تقام الأفـراح والمناسبات والتجمـعات دون تطبيق الحد الأدنى من الاحترازات والتباعد الجسدي!؟ لقد شاهدناهم في تشييع بعض المتوفين من المؤمنين في مجاملة لا داعي لها!!!

لعمـري كيف بكم إن رأيتم أحدهم يرفع الأذان في غير وقتـه أو يؤدي الصلاة في مكان لا تجوز فيه الصلاة ألا تستنكرون!؟

في هذا المعركة نتيجة الفشل هذه المرة لا تتحملها القيادة، إنما يتحملها الشعب الذي لم يصغي لقيادته فاذا كانت النتيجة صفر واحد لصالح القيادة فتعتبر نتيجة التعـادل في شوط الإياب اثقل من الهزيمـــة، بـل نكسـة عظمى للشعوب يذكرها التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى