ads
ads
مايسطرون
2020-06-25

اِبن الأرض … الراحل علي الجمعان

حكيمة الجمعان

عليٌ ذاك الطفل الصغير الذي ولد في جزيرة تاروت في شهر صفر لعام 1362 هجرية.. على صغر سنه كان يستيقظ فجرًا ووالداه نائمان، يمضي بخطواته متجهًا نحو المزرعة في الظلام الحالك دون خوف، ليمارس عمله غير مكترثٍ بالخطر. عاش بين تقلبات الحياة وذاق مرها وحلوها.

 

سكونٌ في قلبه، هدوءٌ في حركته، اطمئنان روحي جعله لا يُفكر في شيء غير الأرض يتنقل فيها بحب وشغف.

 

منذ نعومة أظفاره تجده يسقي الزرع ويحمل في يديه منجلاً ليَجزّ تلك الحشائش للحيوانات، ويقطع ما ذبل عوده وورقه. يُقلِّب الأرض ليبذر فيها الحبوب. عاش عمرًا بين النخيل والأشجار، دأبه العمل صبورًا، لم يحمل بقلبه حبًا للدنيا حتى رحل عنها.

 

هو إنسان بسيط جدًّا، ولكنَّه مُكافِح في هذه الحياة، العمَل بالنسبة إليه مقدَّس! لا يتأخَّر عنه إلَّا نادرًا، إما لمرَض حَلَّ بجسده أو طارئ حَبَسه، فمنعَه من الوصول إلى مَكان عملِه باكرًا ككلِّ صباح.

 

فلاحٌ عاشقٌ للأرض، يَداه تتورَّمان من شَقاء العمل، ورغم ذلك تجده نشيطًا، قلبه مُفعمٌ بالحياة. لقيمة العمَل عنده مكانةٌ خاصَّة، تجده يَحرص عليه بمُقلة عينه، ويُتقنه بما أوتي من خِبرة ومِراس في ميدانه.

 

لا أحد يعرف مصدر هذا الحب والعطاء للأرض والتفاني في العمل، منحنيًا إليها بقدمين حافيتين. حرارة صيف وبرودة شتاء، وهواءٌ يحرق الوجنتين، وتمر السنون دون توقف، دون مبالاة بالتعب! حتى ضعف الجسد عن حمل الأشياء التي اعتاد عليها في الصغر، فأين القوة ذهبت وأين الشباب؟!

 

صبرٌ يحمله بقلبه الطيب وهو يُلامس الأرض بيديه، يقطف الثمار ويجمع الرطب، أنفاسه امتزجت بجداول الماء العذبة النقية.

 

مارس مهنته كفلاح جذبته إليها الأرض بخيرها المعطاء للناس، لم يكن لديه حلمٌ آخر غير النظر إلى الخضرة المتموجة بشعاع الشمس.

 

أرض خضراء تملكت طهر قلبه حتى اغدقها بحنانه، عشقها كثيرًا، لقربها من البحر وجمال الطبيعة القريبة من شاطئ سنابس ودارين، كانت من المزارع الكبيرة في جزيرة تاروت المعروفة بِــ(مزرعة الكويتي- بالربيعية) احتضنها منذ صباه ووهبها قوته وشبابه، شارك أخاه أحمد المعروف بـ(حميد) فيها، وتقاسما فيما بينهما تعب الزراعة والحصاد، لم يعجز عن رعايتها حتى بعد أن تقدم بالعمر مع ضعف جسده، لكن هذا الحلم الجميل رآه يموت قبله بعشر سنوات.

 

فيتبدل الحلم من الحقيقة إلى سراب، لتتحول المزرعة إلى استثمار وتطور سريع ومبانٍ عالية، بدلاً من النخيل والأشجار التي أعطاها عنايته ووهبها شبابه، لتسكن الحسرة والألم في قلبه، فيتقبلها بقلب صبور ويحبس أنفاسه بداخله.

 

وها هو اليوم يرحل عنا مودعًا للأحبة و للحياة التي عاشها 79 عامًا من الكفاح والجهاد قضاه في حراثة الأرض وزراعتها،
يختتم حياته وأيامه القليلة في المشفى بعد ضعف القلب ومعاناة المرض، صبرًا واحتسابًا، يوم الاثنين 22 يونيو 2020 م.

رحمك الله يا ابن العمة رحمة الأبرار، وجعل مثواك الجنة وألهم ذويك الصبر والسلوان “إنَّا لله وإنا إليه راجعون.”

تُهدى لروح علي حسين الجمعان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى