ads
ads
مايسطرون
2020-06-27

عَبثِيةُ الوجُود .. وفَوضَى الآدمِية


أَرخَى رأسَه، وأغلقَ عَينَيه، مُنتظراً نهايةَ أُغنيَة، رآهَا لا تحوِي فكرَة، أَو تسعَى إلى هدَف، أمَّا البقيَّة، فاستثارَتهُم، وأخذُوا بالتَّمايُل. المُقيدُ انطلَق، رقصَ بحمَاس، مُحدثاً اِهتزازاً عنيفاً، أوشكَ علَى قلبِ المركِب، وإِلقائِهِم إلى المَاء، لَولا أَن المرأَة، أعادَته، وأجلسَته، فصارَ يضربُ برجلَيه؛ خشباً مُهترئاً.

الحمَلُ الزائِف، أطلَّ برأسِه، راقبَ واستمَع، وسُرعانَ ما تمايَل، تَجانسَ معَ البقيَّة، وصفَّقَ لكلِّ خاتمَة. اِستمرَّ الزمنُ بالجريَان، أمَّا المكَان؛ فثابِت، والأشخَاص؛ مُبتهجُون. كُلما أرادَ الانتهَاء، طُلب منهُ المواصلَة، وأُمدَّ بالتصفِيق، والتمايُل، حِينذَاكَ تُوقَدُ حَماستُه، فيستمرُّ بالإنشَاد.

لَكأنَّ حقيقةَ الحيَاة؛ مُحيَت، وحلَّ الزَّيف، والخيَال، ذلكَ الذِي يهبُ الفردَ حُريتَه، ويُطلقُ يدَيه، وقدمَيه، فالغنَاء؛ مِيراثُ الآدميةِ الأكبَر، وطريقٌ آمِن، نحوَ خَلاصٍ وشِيك. ثمةَ لعنةٌ حلَّت، فاعتقدَ الذُّهَانِيُّون؛ أن المآسِي، والدمَار، سببُها حُنجُرةٌ صادحَة، ويدٌ مُبتهجَة. هكَذا دارتِ الفكرَة، قبلَ أَن يتوسَّط، ويرقُص.

اِهتاجَ الجُمهُور، وازدادَ الاضطرَاب، ولم يشأِ السائِس؛ إِيقافَ الرحلَة، فليسَ من الحِكمَة؛ التدَاخلُ معَ غَوغَاء. وجدَ الأمرَ صعباً، حينَ أرادَ الاندفَاع، إلى الأمَام، حيثُ حركةٌ واحدةٌ خاطئَة؛ لَرُبما أدَّت إلى اِنقلابِ المركِب، وغَرقِه. أبقَى المجدافَ مُعلقاً، وانتظرَ نهايةَ الرقصَة؛ بدَت كَأنَّها تَستغرقُ الأبديَّة، إنَّما بسببِ الصُّدفَة؛ أُصيبَ الراقصُ بالإعيَاء، وسقَط، فأكملَ اندفاعَه.

لم يمنَع سُقوطهُ استمرارَ التصفِيق، فسُحِب، وأُسندَ رأسُه؛ لِنَيلِ راحَة، ثُم تُرِك؛ ليهدَأ. تقدَّمَ آخَر، وبدأَ فصلاً جديداً، فعادَ السائِس، وعلَّقَ المجدَاف، بينَما يتأملُ المشهَد؛ يُدركُ: الرطُوبةُ المالِحةُ لِهواءِ البَحر، تُنهكُ القِوى الآدميَّة. توقَّفَتِ الرقصَة، فعادَ لدفعِ المركِب.

إِعياءٌ حَاد، أَنهكَ المغنِّي، وجُوقةَ الراقصِين، إِذ رفضُوا إِيقافَ الحفلَة، وواصلُوا الغنَاء، والتصفِيق، والتمايُل؛ شعرُوا بأجسَادِهِم؛ تَنخَلِع، وأَرواحَهِم؛ تُحلِّق، وتُشاهدُ اتِّساعَ الكَون، وتمحُو مَا تَناثرَ من أسَى، ودمَار، لحِقَا بالآدميِّين، فالغنَاء؛ ملجأٌ أخِير، وعاصفةٌ عاتيَة، أعقبَها هدوءٌ جمِيل.

المتديِّن؛ راقبَ وتأمَّل، أحسَّ بعبثيةِ الوجُود، وضَياعِ الآدميَّة، فهؤُلاء، لا جامعَ يستثِيرُهُم؛ إلا التَّرفُّه، واللذَّة، بينَما الوجُود؛ لا يحتملُ الفوضَى، وهَا يُمعنُون، ويتَمادَون. أرادَ التحرُّك، وإيقافَهُم، وبدلاً عن ذلِك؛ أوقفَ نفسَه، وآثرَ ألا يُقاطِع عبثَهُم، فتركَهُم؛ يرقصُون، ويُغنُّون، ويُخرجُونَ العدمَ من دواخلِهِم، بينَما يَنعمُ بالراحَة.

بدأَ السقُوط؛ إذِ اجتاحَهُمُ الإعيَاء، فخارَت أجسادُهم؛ ما عادُوا قادِرينَ علَى الغنَاء، والتمايُل. سقطَ المغنِّي، فتبعهُ آخرُون؛ كَالأحجارِ المُصطَفَّة، تتَهاوَى حُنجُرةً حُنجرَة. بقيَ وحيداً، تأملَ الأجسادَ المنهكَة، ولم يتحرَّك.

المركِب؛ شقَّ الماءَ نِصفَين، فلا تُسمعُ إلا نغمةُ مِجدَاف، وقَفزةُ سمكَة، هُنا، أَو هنَاك. اِستفاقَ المقيَّد، وفتحَ عينَيه؛ سكبَ دمعَة، وهمسَ للمرأَة؛ بمرارَة، فربتَت كَتفَه، ومَسحَت نزيفَ عينَيه، ثُم قبَّلت رأسَه، أَدركَت: ثمةَ مَا اِستفَاق، ولا يُستطاعُ احتجازُه.

مُصابونَ بالعمَى، وكَأنَّ المشهَد؛ غيرُ مرئِي، ولُو لُوحِظ؛ مَا تَجاسرَ أحَد، وسأَل، إذِ انشغلُوا بالنظَر، ولملَمةِ قِواهُم. غابُوا عن حقيقةِ إنِّيَّتِهِم، والتحمُوا بالطبيعَة، فالغنَاء؛ استثارَ أجسادَهُم، حدَّ الإنهَاك، أمَّا أرواحُهم، فطلِيقَة، تَجوبُ الفضَاء، وتنتظرُ تَجَلِّيَ الأُلوهَة. ثمةَ واحِد، فحسَب، ليسَ مُنسجماً معَ الحدَث، وغيرَ آبِه، بمَا حصَل، أَو سيحصَل.

المتديِّن؛ كَائنٌ مَعجونٌ بآدميَّة صدِئَة، هربَت من خيَال، وسعَت بدأَب؛ لإصلاحِ الذَّات، والعَالم. مهمَّة؛ شِبهُ مُحالَة، فهَا تَضغَط، وتمنعُ الانعتَاق، والرؤيَة؛ بعينٍ فارقةٍ للمألُوف. أَغمضَ عينَيه، وشاءَ البُعد؛ عن حقيقةِ الوجُود، لم يهنَأ، فأنَاه؛ سجينَة، ولإطلاقِها؛ ينبغِي نسيانُ رأسِه، وأفكَارهِ الراسِخَة.

رأَى بُكاءَ المقيَّد، فأحسَّ بالشبَه، بينَ رُوحيهِما، ذَاك؛ بكَى بحُرقَة، وألمٍ وُجودِي، أمَّا هُو؛ فبكَى خُواءَ رُوحِه، ولم تسقُط من عينَيه؛ دمعَة. أحسَّ برُطوبَة، تَستوطنُ إحدَى وَجنتَيه، فرِح، أَخيراً هطلَت دمعةُ خَلاص، وانعتَاق. صُدِم، وأَدركَ: الهواءُ الثقِيل، والمُشبعُ بالرطوبةِ المالحَة؛ سببُ الإعيَاء، وسُقوطِ الجمِيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى