ads
ads
مايسطرون
2020-07-04

أَ تَغفُو! والآدَميةُ هَاربَة؟


زَمنٌ غيرُ مَرئِي، وغيرُ مُدرك، ذلكَ الذِي يُفضِي إلى لا شَيء، وحينَ يُصابُ الآدميُّ بلَوثَة، فالخُروجُ من آثارِها؛ يُشبهُ المحَال، أمَّا الحقِيقةُ الراهِنَة، فواقِعٌ مأسَاوِي، اِنفرطَ عِقدُه، وأَصرَّ علَى الوجُود، بينَ أبناءِ الإنسَان، مَا أوجعَكَ أيُّها الزمنُ! وأنتَ تُشاهدُ انتشارَ الضيَاع، وتفاقُمِ الأسَى، واشتعالِ الذَّات، ولا تتحركُ لإيقافِ ذلِك.

السقُوطُ نحوَ الزمَن؛ سُقوطٌ نحوَ الأعلَى، وانصهارٌ بعُصارةِ الكَينُونَة، فاللذَّة، تفرِكُ إصبعَها، وتَسقِيك المحبَّة، أمَّا خَرابُ هذَا الكَون، فندمٌ ممتَد، ولا شَيءَ يُوقفُ هُروبَه. لستَ وحدَك، الكَونُ معَك، والريَاحُ تُساندُ المركِب، إذَا شاءَ إِتمامَ الرسَالَة، فالحقِيقَة، لا تتجزَّأ، ولا يُمكنُ إِنكارُها، أَو رُؤيتُها.

يمتدُّ ويَمتد، اِلتفَّ وغَادرَ حَالتهُ الراهِنَة، ضَارباً أروعَ الأمثلَة، علَى فَقدِ الشعُور؛ حيثُ الانغِماسُ بالأسَى، أُسلوبُ حيَاة، وطريقةٌ من طَرائقِ أهلِ التَّشَوُّف، ونَصيحةٌ صُوفيَّة، قدَّمَها الطغَاة، إلى مُعجبِيهِم. غَادِر ذاتَك، وانطلِق، فالمسَاراتُ عرجَاء، والروحُ لا تَنفَك عنِ التألُّم، فمَا زالَت تَخسرُ قِواهَا، إِزاءَ هَيمنةِ الأنَا، وطُغيانِ الذَّات، أمَّا الجسَد، فمآلُهُ الهُوِيُّ المرِيع.

ليسَ للحبِّ من طاقَة، تُوصلُه، أَو ساحَة، يَفضحُ عبرَها صاحبَه، الحبُّ أكبَر، وأَوسَع، وأَطهَر، والذِينَ أُصيبُوا بِدائِه، فَقدُوا رائحَةَ الحيَاة، وعِنبَ الخَلِيقَة، أَ لَست، أيُّها الكَائِن، قِشرةً فارِغَة، وثَمرةً جَافَّة، تجعَّدَت أَطرافُها، ولِأكلِها، عَليكَ تحمُّلُ المرارَة، ورُعبِ الوجُود، وصِياغةِ حَقيقَة، شَبيهةٍ بحقِيقتِك، وعدَم؛ لا يُشبهُ إلا مَا تُشاهِد؟

فَلتخرُج من ذاتِكَ إِذَن، ولتَنطلِق نحوَ الفضَاء، ولترَ مَا لا يُرى، فالمأسَاة؛ أبخَل، وأضيَق، وأهونُ من أَن تطُوفَ بكَعبتِك، أَو تُصليَّ داخلَ حَرمِك. لا تَستَأ من أنَاك، وهيَ تفيضُ بالغُصَص، فالرحيلُ الصَّعب؛ مَصيرُ البشريَّة، والطريقُ المُنتهِي بالهدايَا؛ لا أُفقَ لَه. أَفِق، وقدِّم ذاتكَ الخاويَة، واطرَح أثقالَك، وتهيَّأ، فالمركبُ مُثقلٌ بالخطايَا.

خَطايَاك، وخَطايَا الآدميَّة؛ براكِين، وزلازِل، وكوارثُ مُتتابعَة، تَهوِي بكَ نحوَ الأعلَى، وتَصدمُكَ برؤيةِ الغسَقِ المظلِم، فلا وجودَ إلا للزمنِ المتوقِّف، حينَ تُقررُ المرُور، وعبورَ ذاتِك؛ إذِ الحقيقةُ الوحِيدَةُ هُنا؛ حقيقتُك، وحقيقةُ الماءِ المنسَاب، والهواءِ المُثقلِ برُطوبةٍ خَانقَة. اِحمِل حقيبتَك، واستعِد، فالنهايَات، أعلَى، بينَما البدايَات، لمحةٌ خاطفَة، ونِسيانٌ أَبدِي.

وتَأمَّل، فَلتنظُر إلى الوجُوهِ الدَّاميَة، والأجسَادِ المُنهكَة، ولتَقرأِ الوجُود؛ كَسطرٍ مَكتُوب، بحبرٍ سرِّي، لا يُشاهَد، أَو يجُوزُ قِراءتُه، إلا بالغِنَاء؛ تلكَ اللثغةُ الشوهَاء، لأفعَىً مُميتَة، وعاصفةٌ هوجَاء، اِقتلعَت مَا حولهَا من صُخُور، وفرَّقَت مَا تناثرَ من أُمنيَات، فالآدمِي؛ ينمُو، ويكبُر، علَى وقعِ مأساتِه، ومأساةِ الكَون، ولا يُقيمُ اعتباراً، لغيرِها.

ذَلكَ الهَاربُ الأبدِي، المُتوقفُ قَسراً؛ حيثُ لا يُدرَكُ إلا بآثارِه، هَا يضربُ مُجدداً، ويُسقطُ الأشيَاء، ولا يُبقِي إلا ذاتَه، أمَّا مَا تنَاثَر، وتفرَّق، وأخفَى حَقيقتَه، فالطوفَانُ الهادِر؛ سيبتلِعُه، والسفِينةُ الراسِيَة، مآلُها الغرَق، ولا يَجوزُ إِنقاذُ طاقمِها، فالحقِيقةُ واحدَة، ولا تتجزَّأ؛ إنَّها حقيقةُ الذَّات، وحقيقةُ الوجُود، أيُّها الزمنُ المأزُوم.

وليسَ لِكلِّ هذَا التواجُد، عندَ حافَّة، إلا مَصيرٌ مُشترَك، ومركبٌ سائِر، أمَّا حينَ يتِيه، فالمَاء طبيبٌ مُتقِن، سيُعيدهُ صوبَ الشواطِئ، ولا عزاءَ للزَّيف، والخُرافَة، والكَذب؛ إذِ الانكشَاف، اِحتمالٌ مُؤكَّد، وعِبرةٌ؛ أَرسلَتها الحضارَات، وتَداولَها الموتَى، قبلَ سُقوطِهم، أَسفلَ الترَاب، فتِلكَ رُؤيَاك، وهيَ مَا يَقودُ خُطَاك، ولتَبتهِج؛ أنتَ أولُ عازِف، أتقنَ الموسيقَى.

تَنفتِحُ الرُّؤى، وتَنغلِقُ الأبوَاب، طَالمَا أَغمضَ عَينَيه، وكَفَّ عن مُلاحقةِ الحقيقةِ الهاربَة، فالزمنُ الآن، لا يُؤبهُ بِه، ولا يُشاهَدُ من أَسفَل، أَو أَعلَى، فثمةَ عبثٌ فَوضوِي، سرَقَ الوجُود، وأحالَهُ عدماً، ولا شَيء، ومَا يُرى؛ ليسَ أكثرَ من مرايَا، كَشفتِ الزَّيف، وأَنهَت أُسطورتَهُ الخَالدَة.

حَنانَيك، أيُّها اللا شَيء، فأنتَ تُجيدُ التعَاوِيذ، وتَغفُو علَى غَيمةٍ ماطرَة، والآدميَّة؛ هَاربةٌ من كِبريائِها، وآخذةٌ بالسقُوط، والتلاشِي، ووحدَك، مَن يَستطيعُ إِنقاذَها، أَ لَن تفعَل؟ وتُنقذَ أَبناءَها، من سَديمِ الغِوايَة، ورِياحِ العدَم، أَ لَن تفعَل؟ وأنتَ العرافُ العظِيم، وقارئُ الطوالِع، والأُحجيَات. مُؤكَّد؛ ستَفعل!

تعليق واحد

  1. حلاوة وحموضة بأن واحد مما يجعله لذيذًا لا يمل
    يروي نهم اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق