ads
ads
وطن
2020-07-15
(شلونك؟) إن كان أزرق فالموت حليفك

الباحث الغريافي: حفرة للمريض بالوباء في الخمسينات، إن تعافى خرج منها أو دفن في أخرى مثلها

زينب آل محسن - خليج الدانة

في المرحلة التي تعيشها المنطقة ككل في مواجهة الوباء العالمي “كورونا كوڤيد – ١٩” قد يتساءل الفرد منا عن آلية دفن الميت المصاب بالوباء إن كان عاديًا كما الميت بموتة عينه كما يقال أو تحت ظروف أخرى قد يغطى فيها بشيء متفرد، أو يحفر له قبره بعمق أكبر، أو يرش من داخله، وكلها أمور أعتذر عن التفصيل عنها لـ”خليج الدانة” دفانو الموتى بمقابر محافظة القطيف، إلا أن التاريخ قد يعيد نفسه، أو قد يشابه بعضه.

يروي الباحث الاجتماعي عبدالرسول الغريافي أن حقبة الخمسينات وخصوصًا قبل مرحلة توفير التطعيمات والمضادات انتشرت كثير من الأوبئة الفتاكه على مستوى الخليج العربي، وأشهرها ما عُرِفَ بالموت الأسود وهو وباء الطاعون، وكذلك السل والجدري، بالإضافة إلى الكوليرا والملاريا التي حصدت أرواح الكثير من أفراد المجتمع، فكما كان نسمع ممن نقل له من المعاصرين لتلك الحقبة أنه كان (البيت ببيته يغلق بين يوم وليلة)؛ أي أن الأسرة تموت بأكملها ويغلق البيت بسبب سرعة انتشار العدوى بينهم في وقت قصير، وليس لهم حول ولا قوة إلا من بعض الأدوية الشعبية التي لا تجدي نفعًا.

حدَّثه البعض عن الجدري بقوله: كانت تحفر على أطراف الحي أو القرية حفا واسعة لمن يصاب بالمرض؛ وذلك لحجره عن الناس أولًا، ولمنع اقتراب بعض الحيوانات الضارية منه والموجودة في البيئة كالكلاب والثعالب والذئاب، وأحيانًا عندما يكون المريض مسجى كالميت وخصوصًا في الليل أو عندما يغفل عنه الناس برهة، وتراعى أموره عن بعد وبحذر، وذلك بتوفير العناية والأكل والشرب وما يحتاجه من ضروريات، وكما يقال: (هو وحظه وقسمته)، فمن شفي خرج أو أُخرج منها سالمًا، والبعض يخرج منها أعمى حين يصاب بالجدري أو يموت فيها.

يقول الغريافي: “حدثني أحد الجيران -رحمه الله- ممن عاصروا تلك الفترة وقد أُصيب بالجدري وكان من المكتوب لهم نصيب في الحياة، فكل ما تركه المرض فيه من آثار هي نقرات على وجهه وضعف نظر في إحدى عينيه”، يقول: “مكثت في تلك الحفرة أيامًا وليالٍ وأنا طفل، وأمي وأبي والناس من بعيد يهونون علي الأمر ويسلوني ويمنوني ويطمئنوني بالشفاء العاجل، وكل همي كان هو الخروج لاحتضان أمي وهي تصبرني، وكان كل ما يقيني من قسوة الجو هي أخياش وسعف النخيل فوق تلك الحفيرة، وحين كبرت أدركت أن تلك الحفرة ما هي إلا تهيئة لقبري، إن أنا مت فمن هذه الحفرة الى حفرة اخرى أُدفن فيها إلى الأبد، وإن سلمت (وهذا ما نَدُر) فهي نعمة قد مَنَّ الله علي بها بأن كتب لي عمرًا جديدًا وعودة إلى الحياة”.

وأشار الغريافي في حديثه إلى أن دفن الميت المصاب بالوباء حتى في تلك الحقبة اختلف عن دفن بقية الموتى، مؤكدًا صدور توجيهات من رجال الدين إلى مغسلي الموتى تختلف عن وضع وظروف تغسيل الميت غير المصاب؛ وذلك اتقاء للعدوى، بل وإن البعض لا يجد من يغسله.ك، وكان شغل الناس الشاغل هو تشييع الجنائز من كثرة ما تفتك بهم الأمراض.

شلونك حبيبي؟
وفي الحقب الماضية لم يكن الطب قد وصل لما وصل له الآن من معرفة شاملة بمجمل الأمراض، اللقاحات والأدوية؛ فكان في الماضي عندما يزرق جسم الإنسان المصاب بحمى أحد الأمراض المعدية الفتاكة وفي غياب العلاج الناجع فإنها إشارة إلى الموت المحتوم!

ويعقب “هذا مايذكرنا بأهل العراق عند سؤالهم عن صحة شخص يلتقون به، وذلك ضمن التحية باللهجة العراقية العامه، فيسأل أحدهم بقولهم (اشلونك عيني؟) أي ويش لونك: ما هو لونك؟ ويُقصَد بها: (كيف الصحه أو كيف حالك؟)”.

ويضيف: “لقد عم أستعمال هذا السؤال الاصطلاحي حتى امتد انتشاره إلى جميع لهجات الخليج العربي تقريبًا فيما بعد، وأصل منشأ هذا المصطلح كان في بغداد، عندما انتشر وباء الطاعون في القرن السابع عشر، وكان سبب استخدامه هو أن المريض المصاب بالطاعون يمر بثلاث مراحل لونية أثناء مرضه، وهي الأحمر والأصفر ثم الأزرق؛ لذا استبدل الناس السؤال عن صحة المريض في تلك الفترة من (كيف حاله؟) إلى (ويش لونه؟)، فإن كان لونه أزرق فالموت حليفه”.

وعن أبرز الأوبئة التي شهدتها القطيف سابقًا ذكر الغريافي أن الكوليرا ليس المرض الوبائي الخطير الوحيد الذي اجتاح منطقة الخليج العربي وحده، وإنما الكوليرا والملاريا هما من أحدث الأمراض التي عُرِفَت في المنطقة؛ فهناك الطاعون والمعروف بالموت الأسود والجدري والسل وهي أمراض قديمة جًدا.

وأشار إلى أن الكوليرا كان داء لا يعرفه أحد في منطقة القطيف والخليج عامة بهذا الأسم، وإنما كان يُطلَق عليه الإسم الشعبي (خوفة الزرقة) لشدة ما كان الأهل يخافون من لون مريضهم عندما يزرق، كما وقد كان يُعرَف باسم (موتة لكلاب)؛ لسرعة فتكه، قيُقال: فلان صابته الخوفة الزرقة أو فلان مصاب بموتة لكلاب، وعُرِفَ الكوليرا بهذا الاسم في نهاية خمسينات القرن الماضي، وذلك عن طريق التوعية من قِبَل شركة “أرامكو”، وكذلك بداية ظهور الأطباء في الخليج العربي.

وأكَّد على أن الحجر الصحي الذي تعرضت له القطيف عام ١٣٩٠ هجرية الموافق ١٩٧٠م، والذي بدأ من شهر رجب حتى ما بعد منتصف رمضان؛ كان حصريًا على مدينة القطيف بمحافظة القطيف وبعض قراها، فهو لم يشمل مدينة سيهات ولا صفوى مثلًا كما الحجر الذي شهدته محافظة القطيف مؤخرًا مع وباء “كورونا كوڤيد – ١٩” المستجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى