ads
ads
مايسطرون
2020-07-18

لِتهبَ لهذَا الوجُودِ عَقلاً


وَحدهُ العَقل، طريقُكَ أيُّها الآدمِي، وعليكَ سلوكُه، والسيرُ بِه، نحوَ التَّوَحُّد، والاتحَاد، فالعَالمُ قِربةٌ مَثقوبَة، وإصبعٌ مبتُور، تَنتمِي إليه، وتَشاءُ مَا يَشاء، ولا مَهرَب، ولَو حَاوَلت، فالطرقاتُ الأُخرَى؛ مُقفلَة، ومَيؤوسَة، ومَا قَبلكَ من أُمَم، ولا بَعدكَ من قَبائِل، فَرُّوا من حَاكميَّتِه، وجَازُوا أَسوارَه، إلا وتَاهُوا سِنيناً، كَسنينِ الطوفَان، وانعَدمُوا، كَما انعَدمَت كَواكِب، وأكوَان، ودُوَل.

فلتَخرُج عن صَمتِكَ الأبدِي؛ لِتهبَ لِهذَا الوجُود، عَقلاً؛ غيرَ مُعطَّل، أَو مُنهَك، جَاوزتهُ الدهُور، واستَنزَفتهُ الآمَاد، فأبناءُ الإنسَان، وبناتُه، لا يُحسنونَ التَّعقُّل، ولا يَميلونَ إلا للترَاخِي، فألقِ تَعاوِيذكَ جانباً، هَهُنا سِحر؛ وبضاعةٌ كَاسدَة، وخشبٌ جَاف؛ اِحترَق، وانطَمسَت مَعالمُه، كَما اِنطَمسَت مَعالمُ البشريَّة، وباتَت قابَ قَوسَين، من الهُوِي.

التَّعَقُّل، وحدهُ يُنجِيك، فالحريقُ دامٍ، والحياةُ ضَاغطَة، ويُريكَ عَوالم؛ لم ترَها، وكَائنَات؛ حلُمتَ بها، وأشخاصاً؛ غَادرُوا، دُونَ ودَاع، فابحَث لأنَاك عن بُقعةٍ صَلبَة، تُقيمُ بها، وتُخرِسُ ألسنتَها، وأَلسنةَ الماضِينَ المُنطفئِين، فوحدكَ مَنِ ارتكَبَ الحماقَة، ووحدكَ مَنِ امتلكَ الرؤيَة، والرؤيَا.

ليسَت إلا خُطوةً أُولَى، وأَخيرَة، ونَقيضٌ حَاد، ومُؤلِم، لكُلِّ هذَا الخرابِ المُتناثِر، والمُتوحِّش؛ إِذ لا سبيلَ لمعرفةِ الحقيقَة، إلا بالمرورِ بها، وتأمُّلِ تَفاصِيلِها، أمَّا أَنت، فالهلَاكُ بانتظارِك، لَو حِدت، وتنازلَت أنَاك، عن كِبريائِها، وانغَمستَ بداخلِ لحظتِها الآنِيَّة، ولم تَستطِع مُجاوزةَ حُدودِها، وعَوائقِها.

لا شَيء غيرُ المعرفَة، يُخرجُك، ويَستثيرُك، فتَوحَّد بها، واتَّحِد معَها، مِثلَما تتوحَّدُ بذاتِك، وأنَاك، ولتكُن علَى ثِقةٍ مُطلقَة: خَبايَا الوجُود، وخَفايَاه، ومَا اِكتنفَهُ من أَسرَار، ستُوضعُ أمامَك، لتتفَحصَها، وترَى تفَاصيلَها، ونَسيجَها الضَّام، فاغرُس حَربتَكَ وحُريتَك، وشاهِدَ قَبرِك؛ جَذراً جَذمُورِيًّا، كَي تنمُو، وتتكَاثَر، ويصبحَ لكَ ألفُ عَين، ويَد، ورأَس.

ولا تَعَقُّلَ إلا بالحريَّة، وانتفَاءِ القيُود، وهزِّ الثوابِت، وخَلخَلةِ المُسلَّمَات، حيثُ العَتمةُ قَيدٌ خَالِص، وأمَرُّ من سمِّ أفعَى، فلَن يَهنأَ العَقل، ويبوحَ بأسرارِه؛ إلا أمامَ الشَّمس، وتحتَ شُعاعِها، فلا تَنتظِر هِبَة، حينَها، أَو هَدايَا، فالكَون؛ عَقلٌ مَحض، ورحيلٌ أبدِي.

اِجمَع فَوضَاك، وعَبثَك، وانتفِض، فواقعُك، ليسَ كَما تتَصوَّر، مَا عادَ قارةً مجهولَة؛ أَنفقتَ وقتَك، وعُمرَك، تَستكشِف، وتَبحَث، ولا نَتيجةَ خَرجتَ بها؛ إلا الاستيَاء، والتذمُّر. وحيدٌ أَنت، وعَالمُكَ يتغيرُ كُل يَوم، بَل كُل ساعَة، وحيثُما اِتَّجهت، وجدتَ أشيَاء؛ لا تَعرفُها، وصَنادِيق؛ لم تُفتَح، وأرواحاً مُهتزَّة، ومُهترئَة، وعَابرَة، ولا خلاصَ لها، إلا برؤيَاك، فأنتَ العينُ التي ترَى، وتُشاهِد، وتَعلَم.

مَتاهَات، ودُروب، وأَمراض، وصَحارَى، وألفُ فَصيلٍ وتَفصِيل، ولا قُدرةَ لديكَ للهرَب، فالكُونُ رأسُ إِبرَة؛ غُرِسَ في رملِ الشاطِئ، وعليكَ البَحث، وإِيجادُها، وحدكَ يَا مَن تدَّعِي المعرفَة، وتتُوقُ إلى الحريَّة، وتحلُمُ باليَانصِيبِ القَادِم؛ كَي تفُوز، وتَنتصرَ علَى خُصومِك َالأقويَاء؛ كَالزمَن، والتارِيخ، والزَّيف، والأنَا.

نَزيفٌ حَاد، وألمٌ لا يُطاق؛ ذلكَ الذِي اِعترَاك، وأنتَ تهمُّ بالبَحث، واكتشافِ المخابِئ، والممرَّات. تَتذكَّرُ مَآسِيَك، ومآسِيَ أجدادِك، وتسكُت، تحملُ علَى كَتفَيكَ أوجاعَهُم، وأحلاماً سقطَت، ورسائلَ لم تَصِل، فصَلِّ لأجلِهم، وافتَح ذِراعَيكَ للرِّيح، وانثُر جُنودَكَ عبرَ الفضَاء، واصطَد مَعالمِ وَجهكَ المُستقبلِي، فمَا عادَ لدَيك؛ إلا خِيارٌ أَخير، وَمعركةٌ تَربحُها.

جَولات؛ لا تتوقَّف، أَو تهنأُ براحَة، مَا دامتِ الإبرةُ مغروسَة، والرملُ كَثيف، والشاطِئ مُمتَد، فالبَحث؛ لا يَدوم إلى الأبَد، ولن يتوقَّفَ إلا بموتِك، ورَحيلِك، ولأنَّكَ غيرُ راحلٍ الآن، فالبَحثُ جَار، ومُستمِر، وسَيستغرقُ عُمرَك، وعُمرَ الآدميَّة، أمَّا النتائِج، فالوصولُ لها صَعب، وقُبولُها أصعَب، وأمَر.

فلتخرُج من العَتمةِ للضَّوء، لترَى بنفسِك، وتتلمَّسَ الطرِيق، فالمشِيئةُ التي حَالت بينكَ وبينَ البُكَاء؛ هيَ المشِيئةُ ذاتُها، التي أمدَّتكَ بالبسمةِ والدهشَة، وفتحَت عينَيكَ علَى مَا لا يُوصَف، وجعلَت لِرؤياكَ قيمَة، ولِنظراتِكَ أُفقاً، لا يبلغُهُ سوَاك، فأنتَ الوحِيد، المُتوحِّدُ والمُتَّحِد، بهذَا الكَون، وهذَا الخرَاب، وهذهِ الفوضَى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى