ads
ads
مايسطرون
2020-07-18

العنف الأعمى


العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه تجتاح بعض جوانبه موجة من العنف والتحريض الدائم على القتل، وإن
هذه الموجة تهدد استقرار كل بلدان العالم العربي، وتتطلب هذه الموجة مواجهة حقيقية على الصعيد الثقافي
والديني والمستوى السياسي واالجتماعي
تعلمنا التجارب السياسية واإلنسانية في كل بقاع الدنيا، أن القتل والتفجير وممارسة العنف العاري، ال ينهي
أزمة اجتماعية وال يعالج مشكلة سياسية، وإنما على العكس من ذلك تماما.. إذ ان العنف وممارسة القتل يفاقم
من المشكالت ويزيدها استفحا كل األصعدة والمستويات.. فسفك الدم ال يغير من المعادالت ًال، ويعقدها على
االجتماعية والثقافية، مع اعتقادنا العميق أنه يدمي ويوتر األجواء ويهدد النسيج االجتماعي، إال أنه ال يحقق
له، وإن مارسته بعض الجماعات السياسية..
أهدافا وعليه ً سياسية أو اجتماعية.. فالعنف العاري ال أفق سياسياً
فإن ما يجري في أكثر من بلد عربي وإسالمي، حيث ممارسة القتل والعنف األعمى والذي ضحيته عشرات
األبرياء مع تدمير أرزاقهم وممتلكاتهم، لن يساهم في معالجة األزمات السياسية واالقتصادية واالجتماعية التي
تعاني منها هذه البلدان.. ومن يبحث عن معالجة مشاكله السياسية بأدوات العنف العاري واألعمى، هو في
حقيقة األمر، يعقد هذه المشاكل، ويضيف إليها عناصر جديدة، تزيد من تفاقمها واستفحالها..
وعلى ضوء هذه القناعة اإلنسانية والتاريخية العميقة، والتي تؤكدها غالبية التجارب اإلنسانية والسياسية على
هذا الصعيد من الضروري اإلشارة إلى النقاط التالية:
-في اللحظة العربية الراهنة، ثمة حاجة ماسة للوقوف بحزم من قبل كل األطراف ضد نزعات العنف
واإلرهاب.. ألن شيوع هذه النزعة يهدد العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه بالكثير من األزمات والكوارث
اإلنسانية والسياسية الصعبة والمميتة في آن.. لذلك فإن التفرج على موجات العنف أو اإلرهاب، أو تبريرها
لكونها تقع على أطراف لسنا على عالقة إيجابية معهم، ال يعني أن هذه الموجات لن تتعدى حدودها الحالية..
فالعنف كالنار تأكل كل شيء، وإذا انتهت من أكل محيطها، فإنها تتمدد وتتوسع وقد تصل إلى مديات واسعة..
فالعالم العربي بحاجة ماسة في هذه الفترة إلى رفع الغطاء عن كل الممارسات اإلرهابية والعنفية، والعمل
على تجفيف منابعها وروافدها وحواملها االجتماعية والثقافية، وتظهير كل القيم الثقافية واالجتماعية المضادة
لنزعة العنف واإلرهاب..
-إنه كلما تأزمت آفاق الحلول السياسية، انعكس هذا التأزم على المستوى االجتماعي.. بحيث نجد أن كل الدول
التي تعاني من أزمات اجتماعية وسياسية، دون وجود آفاق حالية متاحة لمعالجتها، فإن مخزون العنف يبدأ
بالتسرب إلى الحياة االجتماعية واألسرية.. وعليه فإننا نجد الكثير من الصور التي يتم فيها ممارسة العنف
بسبب قضايا اجتماعية وأسرية.. وفي أغلب الحاالت يكون الضحية األولى لذلك هم الحلقات الضعيفة في
المجتمع كالمرأة واألطفال.. لذلك فبمقدار رفضنا لممارسة العنف ألغراض سياسية وأمنية، بذات القدر نرفض
ممارسة العنف ألغراض اجتماعية وأسرية.. فالعنف في أي حقل من حقول الحياة، ينبغي أن يرفض ويقاوم،
وتتشكل إرادة مجتمعية صلبة ومستديمة لرفضه والعمل على معالجة أسبابه وموجباته.. فالعنف الذي يتعرض
إليه األطفال أو تتعرض إليه المرأة في واقعنا العربي، يعكس أزمة مجتمعية حقيقية وخانقة، وممارسة العنف
يفاقم تأثيراتها السلبية والسيئة على كل األصعدة والمستويات..
-إن الخطاب الديني والثقافي السائد في أغلب البلدان العربية، يتحمل مسؤولية مباشرة تجاه شيوع ظاهرة
العنف في الحقلين السياسي واالجتماعي.. إذ شاعت العديد من المقوالت والخطابات الدينية، التي تحث وتدعو
وتحفز وتحرض على ممارسة العنف ضد المختلف والمغاير على المستويات الدينية والمذهبية والقومية
والسياسية.. فهناك اآلالف من المواطنين العرب الذين قتلوا ألسباب من هذا القبيل، ومن مارس القتل بحقهم،
مارسه لدوافع دينية وثقافية وعرقية وقومية.
ونظرة سريعة على بعض الفضائيات ووسائل اإلعالم التقليدي والجديد، نكتشف فيها مدى تورط بعض
الخطابات الدينية في مشروع التحريض والقتل..
فتحولت لدى هؤالء وأمثالهم قيم الدين من مصدر المحبة والرحمة والطمأنينة النفسية واالجتماعية، إلى مصدر
للتحريض وبث الكراهية واستسهال عمليات القتل والذبح والتفجير..
وفي تقديرنا أن هذه النوعية من الخطابات والمقوالت الدينية، تهدد كل دول العالم العربي بكوارث سياسية
وأمنية واجتماعية.. ألنها خطابات تجعل من االختالفات الدينية والمذهبية واألثنية والقومية كمبرر كاف
لممارسة العنف والقتل تجاههم.. ولكون العالم العربي يعيش حقيقة التعدد والتنوع الديني والمذه بي والقومي
فإن شيوع مثل هذه الخطابات الدينية المتطرفة، يعني تأزم العالقات بين مكونات العالم العربي االجتماعية
والثقافية وبروز مناخات سلبية وخطيرة على صعيد العالقة بين تنوعات العالم العربي.. وفي هذا السياق
تتحمل المؤسسات الدينية والشرعية في كل دول العالم العربي، مسؤولية أساسية في هذا السياق.. إذ أنها معنية
قبل غيرها في مواجهة هذه األفكار والمقوالت المتطرفة والمتشددة، وإبراز قيم اإلسالم في الحوار واحترام
المختلف وصيانة حقوقه المادية والمعنوية..
ثمة حاجة في كل دول العالم العربي لسن قوانين وأنظمة دستورية وإجرائية ضد كل المقوالت والخطابات
والممارسات التي تغذي العنف والكراهية بين المواطنين.. ألن الصمت على الحجم الهائل من البرامج والمواد
اإلعالمية والثقافية المبثوثة عبر أقنية اإلعالم والتواصل المختلفة، والتي تحرض على القتل وممارسة العنف
وبث الحقد والكراهية بين المواطنين، يعني بناء األرضية االجتماعية والثقافية لدخول الجميع في أتون
االحتراب األهلي واالجتماعي.. فال يصح الفرجة على أنشطة إعالمية وثقافية ودينية مهمتها األساسية دق
إسفين بين أهل المجتمع والوطن الواحد، ألن هذه األنشطة هي المسئولة إلى حد بعيد عن كثير من الممارسات
العنفية التي يقوم بها بعض الشباب العربي ضد من يختلفون معهم.. فالعالقة بين بث الكراهية وممارسة العنف
عالقة وطيدة ومباشرة، ومن يريد محاربة العنف واستئصال موجباته من الفضاء االجتماعي، فعليه أن يحارب
كل المواد اإلعالمية واألنشطة الدينية والثقافية التي تحر ض الناس على بعضهم البعض، وتؤسس للمفاصلة
الشعورية والعملية بين أهل المجتمع والوطن الواحد..
وجماع القول: إن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه تجتاح بعض جوانبه موجة من العنف والتحريض الدائم
على القتل، وإن هذه الموجة تهدد استقرار كل بلدان العالم العربي، وتتطلب هذه الموجة مواجهة حقيقية على
الصعيد الثقافي والديني والمستوى السياسي واالجتماعي، حتى يتمكن العالم العربي من التخلص من آفة العنف
الديني وممارسة القتل والتفجير ألغراض سياسية..
والخطوة األولى في هذا المشروع هو الوقوف بحزم وفق منظومة قانونية متكاملة ضد كل من يبث التحريض
الديني والمذهبي، ويدعو إلى ممارسة القتل والعنف ضد من يختلف معهم دينيا أو مذهبيا أو قوميا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى