ads
ads
من الديرة
2020-07-24
الناشطون ماذا قالوا عنه في ذكرى رحيله؟ «الجزء الثاني»

المطرود.. «أيقونة الخلود» كان مسكونًا بحبه لأهله وأهالي «سيهات» ودائم التفكير في همومهم

عبدالواحد محفوظ - خليج الدانة

في الجزء الثاني هذا سنتحدث في الذكرى السنوية للفقيد الراحل الحاج «عبدالله بن سلمان المطرود»، وعن ما حققه من نجاح باهر في مجال العمل التجاري والأنشطة الاقتصادية، إلا أنه لم يجد نفسه إلا في ميدان العمل الخيري والاجتماعي ومساعدة المحتاجين، فهو العمل المحبب إلى قلبه؛ ولهذا كان منذ شبابه يقوم على تحسس حاجات أبناء المجتمع، وبالتحديد الفقراء والمحرومين والأيتام وكبار السن والعجزة، وتقديم المساعدات والعون والمساهمة لكل الجمعيات الخيرية بالمنطقة بدون استثناء.

وكان الحاج «عبدالله بن سلمان المطرود» مسكونًا بحبه لأهله ومواطني مدينته ودائم التفكير في همومهم وقضاياهم منذ الحرب العالمية وما أفرزته من آثار اقتصادية وصعوبة كبيرة في سبل العيش، فأورثت جيشًا من الفقراء والمعوزين ليس في مدينة «سيهات» وحدها بل في جميع أنحاء العالم، ولما كان تفكير الرجل يسبق سنه وعصره أخذ بالتفكير في كيفية الخروج من هذا الوضع، فاهتدى مع مجموعة من مدينته في تأسيس صندوق «سيهات للبر كأول جمعية خيرية على مستوى المملكة العربية السعودية عام ١٣٧٥هـ، وتم الاعتراف بها رسميًا في عام ١٣٨٧هـ.

ومن أسباب تأسيس صندوق «سيهات» للبر يعود إلى إصابة أحد معلمي القرآن الكريم بسيهات بمرض السل… وعلاجه يكمن في السفر للخارج لعدم وجود فرص للعلاج في داخل «سيهات»؛

ولأن الأحوال المعيشية في تلك الفترة صعبة، بالإضافة إلى عدم توفر رجل قادر على تحمل مصاريف العلاج في البحرين الدولة الأقرب للعلاج.. طُرحت فكرة الصندوق لجمع التبرعات لعلاج المعلم، وكان العمل الإنساني الخيري وكيان الجمعية هو حياته، فهو المؤسس والرئيس والموظف والعامل، حيث كان يقوم بنفسه بإيصال المعونات والخدمات للمحتاجين، وكان عندما يعترض عليه أحد العاملين بالجمعية ويشير عليه بأن يرتاح ليقوم عمال الجمعية بخدمة الناس يقول: أنا كأحدكم لا أختلف أريد أن أكسب رضا رب العالمين بخدمة المحتاجين، كما يقول الدكتور جميل الجشي.

ولم يكتفِ بذلك، بل اشتمل العمل على شريحة كبار السن والمعاقين والمتخلفين عقليًا، فأسس أول مشروع في المملكة لخدمة هذه الشرائح تُقدَّم لهم فيها خدمات الإيواء والغذاء والعناية الصحية ومن جميع مناطق المنطقة، ويُذكر أن سبب تأسيس مركز الإيواء للمعاقين يعود إلى أن في أحد الأيام طرق أحد أبناء «سيهات» باب الحاج يحمل على كتفه طفلًا معاقًا عمره ٨ سنوات قائلًا للحاج: خذ الولد فإني غير قادر على التعامل معه، ولا يوجد مكان أرسله، ماذا افعل به؟.. فطلب الرجل من الحاج أن يأخذ الولد المعاق.. فاستجاب الحاج لذلك.., وكان الحاج بشخصه يقوم بالعناية والاهتمام بالطفل المعاق، ويأخذه معه إلى العمل.. إلى أن قرر الحاج استئجار مبنى عام ١٩٦٥م ليكون مركزًا لإيواء العجزة والمعاقين.

ويبدو أن الحاج قد تمعن في طفولته وأقرانه فأبى إلا أن يكون المستقبل مشرقًا أمام الأطفال، فجاء مشروع رياض الأطفال تحت مسمى بيت الطفولة السعيدة (١) و(٢) ليكمل حلقات خدمات جمعية سيهات.

للحاج «عبدالله بن سلمان المطرود» الكثير من القصص الإنسانية في حياته يصعب إيجازها ضمن في مثل هذه التقارير أو رصدها بشكل حقيقي؛ لأنه في كل يوم يتم إماطة اللثام عن موقف إنساني جديد، حيث كان الحاج يقوم بهذه الأعمال بالسر… وخاصةً أن أعماله تتجاوز العائلة وسيهات والمنطقة والوطن والمذهب والدين والقومية والعرق، وكان ينظر للحالة الإنسانية والسعي لعلاجها بغض الطرف من صاحبها، فعطاؤه كان للإنسان بما هو إنسان وبلا حدود.. ومن المواقف كما يرويها أحد رفقائه المرحوم «أبو عبدالوهاب البوري»: في أحد أيام الشتاء القارص والجو ممطر.. كنت جالسًا بمنزلي وإذا بالباب يُطرق والطارق هو الحاج «عبدالله بن سلمان المطرود»، فاستغربت من مجيئه في هذا الوقت من الليل والجو الممطر…! فقال الحاج: أريدك أن تأتي معي بدون أن يحدد لي الجهة، ذهبت معه وأنا أسأل نفسي طوال الطريق إلى أين سنذهب في هذا الوقت؟ وإذا بالحاج يوقف سيارته بقرب أحد البيوت القديمة.. ويخرج من السيارة «طربال».. ثم يضعه على البيت القديم بنفسه؛ لكي يمنع سقوط المطر على أصحابه، وكان يتعامل مع كل حالة -للفقراء والمحتاجين- بنفسه؛ ليكون قريبًا جدًا من المستحقين.

وكان الحاج مبادرًا في عمل الخير والعمل الاجتماعي، ففي فترة ما قبل الكهرباء قام بمبادرة ذاتية بإنارة مدينة «سيهات» بالفوانيس، وكان الحاج صاحب وفاء يقل وجوده، فهو قد كان إلى آخر أيام حياته وفيًا لزملائه ورفقائه وأبناء منطقته ووطنه من فقراء وأغنياء، حيث كان يحرص على زيارتهم بمنازلهم، وتقديم المساعدات لهم، والحضور في المناسبات -الأفراح والأحزان-، كما كان للموتى نصيب من حياته، حيث كان كل يوم إثنين وخميس يزور المقابر، كما كان له اهتمام بالعناية والاهتمام بالمقابر، كما كان له علاقة خاصة ببيوت الله «المساجد»، حيث سعى في استخراج العديد من رخص البناء للمساجد في سيهات وخارجها والمساهمة في البناء، كما أنه تكفل ببناء عدد من المساجد على حسابه الشخصي، وكان دائمًا يحاول أن يزور جميع المساجد في البلد؛ ليكون أحد المصلين فيها، والاطمئنان على أوضاعها، وتقديم المساعدة في حالة احتياجها.

وطوال حياته لم يقبل الحاج «المطرود» أن تكون له حالة عداء مع أي إنسان بعيد أو قريب غني أو فقير، بل كان يبادر ويسعى لتذويب أي خلاف، وكان يقول كلمة الحق، ويطالب بالحقوق بدون الاصطدام، وكان له مواقف رائعة مع منافسيه ومع من يختلفون معه، حيث أنه يبادر بالوقوف معهم في الأزمات ومساعدتهم بمبالغ كبيرة.

من صفاته الحميدة التي يتجلى بها صفة إنكار الذات أمام خدمة المجتمع، وفي قصة شراء أرض الجمعية التي تقدر بمساحة مليون ونصف متر ما هي إلا دلالة تدل على ما يحمله الحاج «عبدالله بن سلمان المطرود» من مبادئ وقيم وحالة يقل نظيرها، خاصةً في وسط طبقة من يتعامل بالتجارة وتكنيز الأموال ونموها، إلا أن الحاج اشترى الأرض ذات المساحة الخيالية بمبلغ خيالي في ذلك الوقت من جيبه الخاص، وسجل تلك الأرض باسم جمعية سيهات الخيرية؛ ولأن الأرض تقع في موقع استراتيجي في الجهة الشرقية من مدينة «سيهات»، وتقع على ساحل الخليج العربي، ولها مستقبل ناجح في ظل الطفرة وزيادة الرقعة العمرانية.

الذكرى الأليمة

الوجيه الحاج «عيسى علي المكحل» قال: «إن كانت هناك كلمة تُقال في هذه الذكرى الأليمة لرحيل هذا الجبل الأصم فهي: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، لقد رحل رجل العطاء صاحب الأيدي البيضاء، رحل عنا جسدًا وبقيت روحه ترفف بأجنحتها على هذا البلد بأعماله الخيرة وعطاياه التي لا تنسى.. نعم ذهب الحاج عن الدنيا، ولكنه خلَّف أناسًا من بعده يمشون على نفس النهج سواء كانوا مر عائلته وأولاده الطيبين أو من أخيار هذا البلد الذين أداروا المدرسة التي تركها الحاج خلفه، وقد خرَّجت اجيالًا من المهتمين بالعمل الخيري والتطوعي، نعم هناك من قاد المسيرة التي تركها الحاج أمثال أبنائه البررة، وكذلك ثلة من الشباب الذين يبذلون جل وقتهم من أجل السير على نفس النهج، فـ-رحم الله- فقيدنا الغالي الذي تمر علينا ذكراه الخامسة عشر من رحيله.. فـ-طيب الله- ثرى تلك الروح التي رحلت إلى بارئها مطمئنة، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».

«المطرود» له الريادة والأسبقية

رئيس نادي الخليج بسيهات الأستاذ «فوزي الباشا» قال عن الفقيد: «أفضل الناس ما بين الورى رجل تُقضى على يده للناس حاجات، رحل وترك لنا رائحة الاشتياق، ولكن كيف يرحل منا؟.. ما زلنا نشم عطرة بعد خمسة عشر عامًا من رحيله كيف يرحل ومن ‏ما زالت ذكراه وسيرته الآسرة تشنف مسامعنا ونستشعرها في كل محيط للخير؟».

‏وأضاف «الباشا»: «رُوَّاد العمل الاجتماعي كثيرون، ولكن الحاج المرحوم «عبدالله بن سلمان المطرود تفرَّد بخصوصية الريادة والأسبقية، وتسجيل الأرقام القياسية، وترك ‏نقشًا في القلوب يستحيل محوه، لا نملك إلا أن ندعو له بالمغفرة والغفران، وأن يجازيه الله بالإحسان إحسانًا».

«المطرود» والعطاء المستمر حتى بعد الرحيل 

رجل الأعمال «رضا مهدي آل سليس» قال عن الفقيد الراحل: «٥٥ عامًا وأكثر منذ الصغر وتجد هذه الشخصية العظيمة نبعًا ونهرًا من العطاء لا زال مستمرًا ليومنا هذا؛ فالعظماء بالتاريخ يرحلون ويظل عطاؤهم مستمرًا، فالمطرود شخصية لا تستطيع أن تتحدث عن أعماله الخيرية ومساهماته التي وصلت إلى خارج المنطقة الشرقية وأشخاص كثر قابلتهم ولا يزالون يتذكرونه؛ لأنه رجل العطاء، فمنذ الصغر «بالحالة» والصورة لا تفارقني حين يقف ذلك الطابور من الجمع، فلكلٌ يأخذ من صاحب الأيادي البيضاء المقسوم، وما أن كبرنا وفهمنا الحياة فلا تزال أعماله الخيرية وأيضًا الإنسانية مستمرة سواء بسيهات والقطيف، وأيضًا خارج المنطقة، ناهيك عن الركائز والأسس التى غرزها، وأكبر شاهد على ذلك جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، فبعد رحيله لا يستطيع الإنسان أن يحصيها هذا ما هو ظاهر للعيان، ولكن أعرف أن هناك الكثير لا يعلمه إلا الله، فعندما تتحدث عن صاحب الأيادي البيضاء والأب الروحي للمجتمع السيهاتي لا تستطيع إلا القول لقد كفيت ووفيت يا أبا محمد، فنم قرير العين… فجزاك الله عنا خير الجزاء ابن العم، فشهادتي فيك مجروجه، لقد علمتنا أن نكون أوفياء لأرض هذه البلد وهذا الوطن».

صور مضيئة في حياة الحاج

مساعد المدير التنفيذي لجمعية سيهات الاستاذ «عبدالواحد محمد آل يوسف» قال: «من خلال تواجدي ولسنوات بالقرب من الحاج -رحمه الله- في مضمار العمل بالجمعية تعرفت وعن قرب على كثير من الصور المضيئة في شخصيته، ويمكن أن أعدد بعضها:
تواضعه وتواصله في كل المناسبات ومع مختلف شرائح المجتمع، ولم يكن -رحمه الله- يتكلفها، بل هي سجية طيبة في نفسه منحها الله له فاستثمرها في خدمة مجتمعه ووُفِّق لتحقيق الكثير من أهدافه الطيبة بها.

ولم يكن يشجعنا على إقامة احتفالات التكريم للعاملين المتطوعين في الجمعية، بل كان يركز على إخلاص النية لله عند القيام بالعمل، وأن الأجر والمثوبة المرتقبة من الله -سبحانه وتعالى- هي التي تذكي روح التطوع.

لم يترك مجالًا للخير وخدمة الإخوان إلا وسعى فيه، ويكون التوفيق حليفه، فمن أخلص النية لله وُفِّق.

عند تأسيس الجمعية مع الخيرين من رجالات «سيهات» لم يكن الحاج يستهدف التفرُّد، وإنما أن تكون مثالًا يُحتذى به في افتتاح جمعيات أخرى مشابهة على مستوى الوطن».

وأضاف «اليوسف»: «وكان صاحب رؤية ثاقبة وسابقًا لعصره، شأنه شأن العظماء، فكان بالفعل أمة في رجل، وكانت شخصيته محل تقدير من الجميع، وأذكر أثناء زيارة معالي الدكتور علي بن إبراهيم النملة للجمعية أنه ما إن وصل حتى وضع المشلح إلى جانبٍ وقال للحاج: «يا حاج عبدالله أنا ابنك جئت أتعلم منك»».

راحلون لم يرحلوا

السيد «فاضل الشعلة» قال: «-رحمك الله- يا حاج.. غبت عنا جسدًا ولكنك باقٍ فينا روحًا، وسنبقى لك أوفياء، فهناك راحلون لم يرحلوا، فالراحل من ابتلعه الزمن، وهناك من يستحيل أن تنساه؛ لأنه أصبح الذاكرة… هكذا هو الحاج «عبدالله بن سلمان المطرود»، لم تزده أيام غيابه إلا حضورًا وترسيخًا في ذاكرةِ هذا البلد، كان أيقونةً للعطاء والتفرُّد في ابتكاره الأفكارَ وتحويلها إلى مشاريع مستدامة، شخصيةٌ اتفق عليها الجميع بمختلف توجهاتهم، وستبقى».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى