ads
ads
مايسطرون
2020-07-25

اِطعَنها ولا تخَف ستَعودُ مَلأَى بالحيَاة


كَوارثُ؛ أنهكَها الزمَن، ورؤىً فاضِلةٌ؛ حطَّمَها الطُوفَان، ولحظةٌ أبدِيةٌ قَاتمَة، تَنتظرُ نِهاياتِك، ونِهاياتِ آخرِين، ولا اِسم؛ يَليقُ بها، إلا الفَوضَى العَارمَة، فالموبُوءُ بالتَّوحُّش، والمصَابُ بالجنُون، لا يرَى إلا أنَاه. فليكُن وجهُكَ إبرَة، تُحرقُ كَومةَ قَش، وتَهرُب، فالعُزلةُ مَا عادَت خِياراً مِثاليًّا، والرَّاحَة؛ جَريمَة، لا يُتقنُها أَمثالُك.

 

أيَّتُها اللغةُ الفارِهة، والجزِلة، حينَ حاصرَكِ الآدميُّون، واستغلُّوك، وآمنُوا بلهبِك؛ اِحترقُوا، وتَفرَّقُوا، غَرقُوا جميعاً، ولم تُنقذهُمُ المراكِب، ولا اِستضَافتهُمُ الأموَاج، فالرُّوح؛ جَزيرةٌ لا مَعزولَة، أمَّا الجسَد؛ فرحيقٌ؛ فقَدَ شهيَّتَه، وضاعَ صَوتُه، بينَ النيازِك. أنتِ وحدَك، يَا مَن تتحمَّلِينَ الطوفَان، وتُنجِبينَ الدِّلالَة، لكِ الحقُّ في الظهُور، وبِناءِ مَا تدمَّر، وإِنشاءِ عالمٍ مُختلِف.

 

أمَّا نَحن، الخاطِئين، فتَوجَّب؛ أَن نُعيدَ تَرتيبَ أولويَّاتِنا، ونُمسكَ الثمرةَ من لُبِّها، لا قِشرتِها الخارجيَّة، فأَنت، لا قِشرةَ تَحمِيك، واللُب؛ مَكانٌ أَمثَل؛ لِلبَدء، وانتحالِ صِفةِ الدَّيمُومَة، فالبقاءُ خَارجاً؛ يَعنِي التعرُّضَ لِلجفَاف، والامِّحَاء، بينَما السُّكنَى داخِلُك؛ سيكُونُ رائعاً، ولذيذاً، ومَدعاةً للفَخر، وسِيادةً علَى العَالم، والذَّات.

 

أَنطلِق، وأَطرقُ البَاب، فيَأتي الجوابُ: اُدخُل، ولا تَخف، فهُنا لا أرضَ تحتوِيك، ولا سماءَ تُظلُّك، فالأعماقُ القصيَّة، بانتظارِك، وعليكَ التسلُّح، بحُريتِك، واختيارِك، فلا إِكرَاه، أَو مُماطلَة، إذَا مَا أردتَ التذوُّق، وإِنجابَ مُفردَة، أَو مَفهُوم؛ لا سابقَ لَه، هُنا الأرضُ البتُولَة، فالزمنُ انصرَف، ووحدكَ؛ مَن يَمتلكُ القُدرَة، علَى إِرجاعِه.

 

فتَهيَّأ، واصعدِ البُراق، وامضِ، فتِّش أَرجاءَك، وابحَث عن معانِيك، وانسُج لَثغةً شَبكيَّة؛ لِتؤسسَ عالماً مُوازِياً، لِهذا العالمِ الضَّال، ولا تتوقَّف، فالسكُوتُ قَرينُ الموتَى. اُهرُب من أَعدائِك، وتَخطَّ الوجَع، ولا تنظُر خلفَك، فالوراءُ مُرتهِنٌ بآخرِين، قضَوا نحبَهُم، وهامُوا، ولم يصِلُوا، فلتكُن أنتَ؛ أولَ واصِل، وأولَ عَارفٍ بالخفايَا، منذُ آدَم.

 

أَقفُ مَبهوراً، وأتأمَّلُ المشهَد، وحدِي أجوبُ الفضاءَات، ووحدِي أزُفُّ المُفرداتِ إلى أَزواجِهن، لستُ أَكثرَ من عَاقدِ قِران، بينَ الكَلمةِ والدلالَة، أمَّا العالمُ المُوازِي؛ فأوسعُ من سمَاء، وأضيقُ من قَبر، ويدِي حيثُ تمتَد؛ لا تعودُ إلا بالقرابِين.

 

خُذ حَربتَك، واستعدَّ للصَّيد، فهَا أنتَ تَصعدُ البُراق، وتَنطلقُ كَالرِّيح، ولا تَلتفتُ لِلكَلماتِ الشَّاردَة، والبريَّة. رَاقِبها بعينِ ملَاك، وانتظرِ الفُرصَة؛ كَي تنقَض، اِصطَدها، وقيِّدها جِوارَك، وأحسِن تَرويضَها، فالكَلمةُ الجَامحَة؛ لا تُنجبُ إلا ابناً جامحاً، ودِلالةً مُتمردَة، أمَّا الكَلمةُ المَأنُوسَة؛ فمُثقلَة، ومُقيدَة.

 

الحَيرةُ مَصيرِي، ومَصيرُ الآدميَّة، فالكَلماتُ الشارِدة؛ أَكثرُ من ماء؛ اِنهمَر، وفَاض، ولا يسعُ الشَّمس؛ تَجفيفَ بَحر، فأظلُّ أغُوص، وأغُوص، حتَّى أصلَ العُمق. هُناك؛ أرَى التَّجَلِّي، فلِلكَلمَة؛ أَب، وأُم، وزَوج، وأبنَاء. تَزدادُ حَيرتِي؛ حيثُ أُريدُ انتِزاعَ الكَلمَة، بينَما تمتنِع، وترفُض. أُمسكُ الحربَة، وأَطعنُها؛ فيُراقُ دمُها المقدَّس.

 

لا تَبكِ، أَو تتألَّم، فدمُ الكَلمةِ؛ حُريتُك، وطَريقُكَ نحوَ اجتيازِ المسافَة، بينَ عالمَين؛ عَالمِكَ وعالمِ آخرِين، اِطعَنها ولا تخَف، ستعودُ مَلأَى بِالحيَاة، فالطَّعنَات؛ لا تَقتلُها، بَل تَبعثُ فيهَا الرُّوح، وتنجُو بِها من هلَاك، اِطعَنها؛ لِتُنجبَ لكَ المزيدَ، من الأبنَاء، فالكَلمةُ لا تمُوت.

 

أمرُقُ الفضَاء، مُمسكاً حَربتِي، وحُريتِي، وأظلُّ أَطعَن، ولا أَتوقَّف. أَجمعُ الفَرائِس، وأُعلِّقُها إلى جِوارِ البُراق، أمَّا الجِراب، فبَقيَ خَالياً، تَركتُه؛ لِأثمنِ الكَلمَات، وأَندرِها، وهَا حانَ وقتُها؛ سأُلاحقُها، وأَتلذذُ بطعنِها، وسفحِ دمِها المقدَّس. سأُقيمُ مأدُبةً فاخرَة، أَدعُو لهَا العَالم.

 

ظَمؤكَ لا يتوقَّف، ولا سبيلَ إلى إِروائِه، فكُلمَا أَمعنتَ في سَفحِ الدَّم؛ اِزدادَت شهيتُك، وارتفعَت حواجزُ عينَيك، فبتَّ تُحسنُ قِراءةَ السمَاء، والنجُوم، والنيازِك، وأصبحتَ تُجيدُ السباحَة، داخلَ كَهفِكَ المملُوءِ بماءِ المطَر، فاخلَع أنَاك، ولتَنتقِم قدرَ مَا شِئت، فأعداؤُك؛ غَرقَى، وعَاجزُون، ولا يَستحقُّونَ الرأفَة.

 

حَلَّ وقتُ المُغادرَة، والانفكَاك، وهَا أُعيدُ إِغلاقَ البَاب، واجتيازِ المسافةِ، بينَ عالمَينِ مُختلفَين. أَحملُ جَنازتِي، وجَائزتِي، وأُفكِّرُ: كَيفَ أُرتِّبُ الفوضَى، وأَمحوَ كُلَّ هذَا الخرَاب، وليسَ لديَّ سِواك؛ أيَّتُها اللغةُ الفارهَة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى