ads
ads
مايسطرون
2020-07-19

من العقل السجالي إلى العقل النقدي


ثمة صفات وسمات عديدة، تتصف بها المجتمعات اإلنسانية المتخلفة والمتأخرة عن الركب الحضاري، وغير
القادرة على النهوض في مختلف جوانب الحياة..
وهذه الصفات والسمات، ليست متعلقة بحياة األفراد فحسب، بل هي متعلقة بحياة المجتمعات وأنظمة العالقة
الداخلية بين مختلف الشرائح والفئات، وأنماط العيش، وسبل التعامل مع الثروات واإلمكانات الطبيعية
واالقتصادية المتوفرة..
كما أن هذه الصفات تؤثر على طبيعة الثقافة السائدة وأولوياتها ومعايير التفاضل على مستوى القيم االجتماعية
والعملية..
وما أود أن أتحدث عنه في هذا المقال، جانب واحد، يتعلق بالجوانب المعرفية والمنهجية وهذا الجانب هو
طبيعة العقل والعقلية السائدة في المجتمعات المتأخرة والمتخلفة..
وقبل الخوض في هذا الجانب من الضروري في هذا السياق التفريق بين مفهوم العقل وهو ما وهبه هللا سبحانه
وتعالى لجميع الناس األسوياء بالتساوي، والعقلية وهي نتاج الثقافة والبيئة االجتماعية التي يعيشها اإلنسان
أو جماعة..
فرداً
العقلية السجالية من أولوياتها إسقاط حرمة المختلف، بينما العقلية األخرى تعمل على صيانة وحماية حرمة
المختلف.. العقلية السجالية تبحث عن التباينات التي تبرر لصاحبها البقاء على موقفه العدائي من اآلخر، بينما
النسق النقدي يبحث عن تدوير الزوايا وعن الحلول الممكنة لمشكالت واقعة وراهنة
فنحن جميعاًكبشر أسوياء، نمتلك العقل، ومواده الخام إذا صح التعبير واحدة سواء عشنا في الغرب أو الشرق،
في هذه اللحظة الزمنية الراهنة أو في أي لحظة زمنية أخرى..
وبين العقلية وهي نتاج طبيعة وضروري لنوعية وطبيعة الثقافة التي يتلقاها اإلنسان وطبيعة الظرف
االجتماعي واالقتصادي الذي يعيشه اإلنسان.. فعقليات البشر مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة، باختالف وتنوع
وتفاوت حصيلة اإلنسان الثقافية وطبيعة الظروف االجتماعية واالقتصادية التي يعيشها اإلنسان..
وعلى ضوء هذا نستطيع القول: إن عقلية اإلنسان الذي يعيش في مجتمعات متقدمة ومتطورة علمياً وإنسانياً،
تختلف في منظومتها وأولوياتها وهمومها واهتماماتها، عن تلك العقلية التي تشكلت في مجتمعات متخلفة
حضارياً ومتأخرة اقتصادياً واجتماعياً..
إلى طبيعة حياتهم الحضارية واالجتماعية والثقافية
وانطالقاًمن هذا التباين واالختالف في عقليات البشر، تبعاً
واالقتصادية، يمكن اإلشارة إلى طبيعة العقل بمعنى )العقلية( التي تتشكل لدى اآلحاد والمجموعات في
المجتمعات المتقدمة والمتأخرة في آن..
فالعقلية التي تسود في المجتمعات المتأخرة، هي عقلية سجالية، ال تراكم المعرفة، وال تتجه صوب تظهير
وتجلية الحقيقة أو الحقائق، بل تتجه إلى الشخصنة والدخول في معترك سجالي يتجه صوب اإلفحام واإلحراج
والخروج من لحظة السجال األعمى بحالة من القبول والرضا عن الذات وأدائها.. لذلك نجد أن في المجتمعات
المتأخرة تكثر السجاالت والنقاشات، والتي في أغلبها حول موضوعات خارج نطاق الواقع المعاصر
والمعاش..
وهذه السجاالت في أغلبها، ال تؤسس لمعرفة جديدة، وال تعمل في صياغة رؤية أو نظرية للخروج من المآزق
نة التي تضغط سلباً الراه على حركة المجتمع بكل فئاته وشرائحه.. ولعل من أهم سمات العقلية السجالية هي
أنها تتجه في سجاالتها صوب األشخاص والذوات وليس حول القناعات واألفكار.. لذلك حينما أرفض فكرة
لذلك أرفض صاحبها وفي بعض األحيان أمارس اإلساءة إليه..
تبعاً
لذلك يبقى ا لمجتمع يعيش السجاالت تلو السجاالت، دون أفق عملي واجتماعي لهذه السجاالت، سوى المزيد
من االحتقان والتأزيم االجتماعي..
كما أن من سمات هذه العقلية السجالية، هي أنها ال تبحث عن الحقيقة وتوسيع المساحات المشتركة بين البشر..
بل كل إنسان أو طرف راض دون فحص عملي دقيق وموضوعي بما عنده، ويرى أن وظيفة كل السجاالت
هو إثبات أن ما لدى الذات هو كل الحق والحقيقة وما لدى اآلخر هو كل ما يخالف الحق والحقيقة.. فجدل
وصراخ واستماتة في الدفاع عن قناعات الذات وأفكارها، دون أن يكلف اإلنسان نفسه فحص ما لدى اإلنسان
وفق معايير علمية وموضوعية..
لذلك فإن هذه السجاالت، ال تؤسس لمعرفة موضوعية سواء عن الذات أو عن اآلخر.. وكل ما تعمله هذه
السجاالت هو المزيد من الشحن النفسي واالحتقان االجتماعي..
فالسجال ال يبحث عن حلول ومعالجات ألزمات العالقة بين المختلفين، وإنما يزيد من اإلحن واألحقاد، ويوفر
المزيد من المبررات والمسوغات الستمرار القطيعة واالحتراب المادي والمعنوي بين المختلفين.. فاإلنسان
المنخرط في حروب السجال ال ينظر إلى ما قيل، وإنما ينظر إلى من قال.. ولكون هذا القائل من الضفة
األخرى فكل ما يقوله ويتفوه به، ليس مادة للتأمل والنقاش العلمي الهادئ، بل كل ما يقوله اآلخر هو محل
الرفض واالزدراء بكل صنوف االزدراء..
فالعقلية السجالية تحول المختلف إلى خصم فكري واجتماعي.. لذلك فإن العقليات السجالية هي المسؤولة إلى
حد بعيد عن خلق البغضاء والعداوة بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.. ولعل من أخطر سمات العقلية السجالية،
هي عقلية ال تستهدف خلق التفاهم بين المختلفين، بل تغطية الممارسات العدوانية على المختلف والمغاير..
ألن هذه العقلية تنتهك الحرمة المعنوية والمادية للمختلف، كمقدمة لنبذه واستئصاله وشن الحرب المعنوية
والمادية عليه. لذلك فإن االختالفات الطبيعية تتحول بالعقلية السجالية إلى اختالفات جوهرية.. لكونها عقلية
تعتمد في عملية التقويم على رأيين ال ثالث لهما، فهو إما معي فهو يستحق التبجيل حتى لو لم تكن ثمة مبررات
حقيقية للتبجيل، أو ليس معي فهو وفق النسق السجالي ضدي وال يستحق مني إال النبذ والتشويه وإطالق التهم
ب ..
حقه جزافاً وكذباً وبهتاناً
ونحن نرى إن استمرار العقلية السجالية هي السائدة في المجتمعات، يعني المزيد من الحروب العبثية والمزيد
من التآكل الداخلي لمجتمعاتنا.. ألننا نريد جميع الناس على رأينا وقناعاتنا أو نحاربهم ونعاديهم بكل السبل
والوسائل..
وال سبيل للخروج من الكثير من المشكالت التي تعانيها مجتمعاتنا على صعيد عالقاتها الداخلية بين جميع
مكوناتها إال التحرر من ربقة العقلية السجالية وتأسيس العقلية النقدية القادرة على خلق بيئة معرفية واجتماعية
محفزة على الوئام والتضامن االجتماعي مهما كانت موضوعات االختالف..
فالعقلية النقدية المطلوبة، هي التي تخرج ذواتنا وأشخاصنا من كل جوالت الحوار والنقاش.. فالحوار ال يتم
بين ذوات، وإنما بين أفكار وقناعات, وال شك أن هذه اآللية تساهم في إزالة البعد النفسي الذي يحول دون
القبول بالحق أو الحقيقة..
كما أن الحوار وفق النسق الثقافي ا لنقدي، ال يستهدف اإلفحام وتسجيل النقاط على الطرف اآلخر، وإنما تجلية
بحقه،
الحقائق وتعريف الذات بعلمية وموضوعية تامة.. فاآلخر المختلف ليس فضا ًء للنبذ وإطالق التهم جزافاً
بل هو مساحة للفهم والتفاهم، للحوار والتعارف، بعيدا ة.. ً عن القناعات المسبقة والمواقف الجاهز
كما أن الحوار وفق النسق الثقافي النقدي، مهمته األساسية هو تعزيز الجوامع المشتركة وسبل تفعيلها في
الواقع االجتماعي، ومعرفة اآلخر معرفة حقيقية ووفق نظامه العقلي والثقافي الداخلي.. فالنسق النقدي يعمل
على خلق أصدقاء ومنظومات اجتماعية متداخلة مع بعضها البعض بعيداً عن الرؤى النمطية، التي تستسهل
الخصومة والعداوة مع المختلف والمغاير..
وجماع القول في هذا السياق: إن المجتمع الذي تسود فيه العقلية السجالية، سيعيش في كل لحظاته أسير
صراعاته الحقيقية والوهمية، دون إرادة حقيقية للمعالجة والبحث عن حلول ممكنة..
والمطلوب ليس الخضوع إلى متواليات العقلية السجالية، وإنما معالجة األمر، وتفكيك كل الحوامل المعرفية
واالجتماعية التي تعزز عقلية السجال في البيئة االجتماعية، والعمل في آن واحد على بناء أسس ومرتكزات
ات االجتماعية واأليدلوجية بعيداً العقلية النقدية لكونها العقلية القادرة على مراكمة المعرفة، وضبط الصراع
عن االحتراب والعنف..
كما أنها عقلية تستهدف معرفة الحقيقة بدون افتئات على أحد.. فالعقلية السجالية صانعة أزمات ومشاكل
باستمرار حتى بمبررات واهية أو ناقصة أو غير حقيقية، والعقلية النقدية تبحث عن استقرار اجتماعي على
قاعدة معرفة عميقة ومتبادلة بين المختلفين..
العقلية السجالية من أولوياتها إسقاط حرمة المختلف، بينما العقلية األخرى تعمل على صيانة وحماية حرمة
المختلف.. العقلية السجالية تبحث عن التباينات التي تبرر لصاحبها البقاء على موقفه العدائي من اآلخر، بينما
النسق النقدي يبحث عن تدوير الزوايا وعن الحلول الممكنة لمشكالت واقعة وراهنة.. لذلك ال خروج من
مسلسل األزمات والمشاكل العبثية والصغيرة، إال بتفكيك حواضن العقلية السجالية ألنها المسؤولة عن الكثير
من األزمات والمشكالت على المستوى االجتماعي – الداخلي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى