ads
ads
وطن
2020-07-28

الزخم الإعلامي يفرض التنمر الاجتماعي تجاه المتعافي


رغم بعض الهدوء هنا وهناك لم تتوقف تداعيات ڤايروس “كورونا”، فما زالت حمى (كوڤيد – ١٩) تفتك بالصحة والاقتصاد، بل تعدتها لتتشكل في هواجس نفسية تآكلت بسببها الراحة والطمأنينة عند بعض شرائح المجتمع.

تجلت الهواجس النفسية في عدد من المظاهر، من بينها الخوف من “المتعافي” ظنًا من الناس بأنه مؤهل لنقل العدوى بعد التشافي.

تناولت العديد من الدراسات فكرة إصابة جسم الإنسان بڤايروس “كورونا” مجددًا بعد تعافيه، وقامت بدحض فكرة بقاء الڤايروس في جسم المصاب به بعد التعافي، إذ “أكَّدت دراسة كورية جنوبية أن الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بڤايروس “كورونا” المستجد يكونون غير قادرين على نقل العدوى إلى غيرهم بعد تعافيهم من الڤايروس، وبحسب وكالة “بلومبرغ” للأنباء، فقد قام علماء من المراكز الكورية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بإجراء دراسة على ٢٨٥ متعافٍ من ڤايروس “كورونا”، حيث وجد العلماء أن هؤلاء المتعافين لم يتسببوا في أي عدوى للآخرين”.

كما كشفت دراسة أمريكية أجراها باحثون من معهد “جورجيا” للتكنولوجيا أن تشجيع المتعافين من ڤايروس “كورونا”، والذين كوَّنوا مناعة ضد الڤايروس على الانضمام مجددًا إلى المجتمع يعمل على تقليل معدل انتقال الڤايروس، ويبطئ انتشار العدوى، وينقذ آلاف الأرواح.

وعلى الرغم من الاحترازات الوقائية التي يمارسها المجتمع، والحذر الشديد عند معظم الأفراد إلا أن المخاوف تغلب الاطمئنان، ولم تمنع تسرب حالة الرهبة لنفوس بعض شرائح المجتمع.

في المقابل هناك من يؤمن بالدراسات المدرجة بعدم الخوف من المتعافين، ولا يرى مانعًا من الاختلاط بهم وملؤه الاطمئنان من أن الڤايروس لن ينتقل إليه من خلالهم.

“خليج الدانة” تابعت آراء المجتمع حول ردة فعلهم تجاه المتشافي، وطرحت مجموعة أسئلة للمختصين في علم النفس والاجتماع بهدف الاطلاع عليها وتجاوز آثارها.

إنعدام الالتزام سبب

في البداية وجدت أم محمد العامر أن التعامل مع المتشافي أكثر أمانًا ممن لم يصابوا ولا بأس في مخالطته، وعللت بقولها “دافع توجس البعض من المتشافين أن بعضهم لا يلتزمون بمدة الحجر المقررة لهم؛ مما يجعلهم بالفعل مصدر خطر على الآخرين”، وأكَّدت انزعاجها لو صادفت مثل هذه الحالات (التي يُفترض بحكم التجربة وإصابتهم) أن تحرص على سلامة الآخرين.

أما أم هادي بوخمسين فتذهب إلى أن المتشافي اكتسب مناعة تؤهله للتحرك بحرية وزيارة أقربائه، وتغبطه على تجاوزه خوف العدوى، وذكرت أنها لا تهاب لقاء المتشافي بل تؤكِّد عدم الخوف أو القلق المبالغ فيه.

الخوف غالب

محمد مدن المبارك أحد الذين عانوا من قسوة التجربة، أثناء المرض وبعد التشافي، يقول: “بعد انقضاء فترة الحجر اللهفة حاضرة بقوة للقاء الجميع، ولكن حرصي على اتباع التعليمات أهم عندي من ذلك.. أتمنى أخذ الأصحاب والأحباب بالأحضان، لكني توجَّست من نقل العدوى من وإلى الآخرين”، ويضيف: “بالنسبة للبعض فإنه لمجرد أن يعرف أن الڤايروس زارني يبتعد عني كثيراً.. خوفًا من العدوى لكن الكثير اشتاق لرؤيتي”.

المواقف المؤلمة لها نصيب في هذه الظروف.. يقول المبارك: “بعد التأكُّد من الإصابة حضر ابني إلى المنزل بالسيارة ومعه زوجته وابنته (حفيدتي ذات الخمسة أشهر).. كنت متشوقًا لضمها.. وأثناء ملاطفتها من خلف زجاج نافذة السيارة بكيت دون إرادة.. لكن الحذر مطلوب”.

لا نلوم الخائفين

ناصر الحبيب ذكر لـ”خليج الدانة” أنه كان مترددًا في لقاء الآخرين بعد التشافي، ويبرر ذلك بقوله: “لأني كنت مسكونًا بالقلق من نفسي على غيري، ومن غيري على نفسي؛ لذلك تعمَّدت البقاء مدة أطول من المطلوب حسب توجيهات الفريق الطبي الذي كان يتابع معي حالتي خلال فترة الحجر.. ورغم أني تعديت الفترة المطلوبة لكني لم أخرج إلى أي مكان لعشرة أيام إضافية، حتى أني لم أذهب للعمل، وكان أول خروج فعلي للعمل حيث التقيت الزملاء عن بُعد، إذ لدي مكتب مستقل عنهم”.

ويروي الحبيب قصة أول لقاء بعد التشافي، يقول: “كان ذلك مع شقيقي، حيث اتصلت به وسألته بشكل غير مباشر، فلمست منه ترحيبًا باللقاء، وذهبت بالفعل، ولم أرَ أحدًا من أبنائه حيث منعتهم أمهم من استقبالي، ونقل لي شقيقي أن زوجته طلبت منه أن يحجر نفسه بعد زيارتي له.. عمومًا شعوري كان جميلًا أن ألتقي شقيقي بعد انقطاع طويل، ثم التقيت أيضًا أحد الأًصدقاء، ثم توالت اللقاءات، ولكن طبعًا مع مراعاة التباعد”، وفي المقابل يقول الحبيب: أنه وجد كثيرًا من التحفظ المبالغ به لدى زملاء العمل، على العكس من الأصدقاء والأشقاء.

ويحكي الحبيب الموقف الأكثر تأثيرًا: “كنت طيلة فترة الحجر أتواصل مع شقيقي الثاني عبر المحادثات المرئية، وكان ابنه البالغ من العمر ٦ سنوات يُعبِّر لي عن شوقه للعب معي واحتضاني، وعندما شاهدته للمرة الأولى بعد التشافي، انطلق نحوي بسرعة .. لم أستطع أن افعل شيئًا سوى احتضانه، بكيت حينها من الشوق ومن الخوف عليه أيضًا”.

ويرى ناصر الحبيب أن الناس غير ملامة في ردود أفعالها طالما كانت تحت عنوان الاحتراز والوقاية، وهذا مطلوب. حتى ردود فعل زملاء العمل لا أظن أنه ينطبق عليها عنوان المبالغة. أما المعاناة العملية فكانت مرتبطة بالتخبط كما يقول: “أنا لا أدري ولا الأطباء الذين سألتهم عن الموضوع، فيما إذا كنت محصَّنًا من الإصابة مرة أخرى، وهل يمكن أن أنقل العدوى بعد التشافي أم لا؟، هذا هو وجه المعاناة العملي”.

مهرجان اللقاء

كنت في غاية الشوق للقاء الأصدقاء بعد غياب طويل، كنا نتواصل عبر التطبيقات الحديثة للتواصل، وأشعر بحسرة عندما أراهم يتحركون ويذهبون ويلتقون مع بعضهم؛ لذا كنت في غاية الشوق لهم، وكانوا هم أيضًا كذلك.

هكذا عَبَّر علي المرهون عن مشاعره بعد التشافي، ويضيف: “كان أول لقاء مع أحد الأًصدقاء القريبين جدًا، لم نتمالك أنفسنا أن احتضنا بعضًا.. السعادة غمرتنا بلا شك.. شعوري خليط من الخوف والفرح، فأنا لا أعرف حقيقة إن كان وضعي بعد التشافي يعني أني اكتسبت المناعة، وأني لن أنقل الڤايروس لأحد؛ لذلك خفت عليهم”.

وأثنى المرهون على تفاني أصحابه وعونهم له خلال فترة التشافي، وتَحدَّث عن اللقاء “المهرجان”: ” اللقاء بهم يشبه المهرجان.. فوجئت أنهم أعدوا لي حفل استقبال، استقبلوني بالأهازيج والمزاح، بعضهم مثَّل دور الخائف المرتعب مني.. تعالت الضحكات ثم تناولنا العشاء معًا.. كانت ليلة جميلة حيث شعرت بمقدار حبهم لي وخوفهم علي”.
ويُشبِّه المرهون خوف الناس من المتعافي بالخوف من جسد الميِّت “الناس تخاف من جسد الميِّت الذي لا يتحرك ولا يؤذي، لكنهم لا يخافون من الإنسان الحي الذي قد يسبب لهم الأذى.. هكذا نحن للأسف.. الڤايروس انتهى في أجسادنا، وأصبحنا غير مؤذين، لكن الناس تخافنا بينما تخالط الآخرين الذين يمكن أن ينقلوا لهم العدوى”

التوجس وجه للتنمر

الأخصائي الاجتماعي جلال منصور آل ناصر بيَّن لـ”خليج الدانة” أن الخوف من المتشافين من ڤايروس “كورونا” يُعد نوعًا من التنمر، حيث يترك أثره السلبي على الشخص المتشافي؛ ويعود السبب في ذلك إلى أن الشعور بالخوف هو نتيجة طبيعية للزخم الإعلامي الهائل في ظل الجائحة، حيث صوَّرت أن “كورونا” يعني الموت أو الوقوف على حافة الموت، ورأى بأنه من الطبيعي أن يتخذ البعض من الناس جميع الإجراءات التي تجنبه الوقوع في دائرة “كورونا” سواء كانت طريقة التجنب مقبولة أو غير مقبولة.

وأشار آل ناصر إلى التناقضات الكثيرة بين الدراسات والأبحاث التي أصدرتها مراكز البحوث والدراسات فيما يخص طريقة انتقال الڤايروس، وأوضح أن الشخص المتشافي عليه أن يكون مقتنعًا بمدى حالة الخوف المنتشرة والقابعة في قلوب الناس في مدى حرصهم على تجنب أن ينتقل الڤايروس لهم، وأن الناس ليسوا متساويين في مستوى المعرفة والثقافة تجاه الڤايروسات أو الأمراض، وإنما عليه أن يكون حريصًا في عدم استثارة الآخرين؛ حتى لا تكون ردة الفعل سلبية، ومن باب أولى أن يقوم بتطمينهم، وأن يلتزم بالتباعد الاجتماعي، وارتداء الكمام، وكذلك تجنب الدخول في النقاشات أو المزاح بخصوص الڤايروس مع الشخصيات المسكونة بالقلق.

اطمئنان غالب

من جهته يرى الأخصائي الاجتماعي جعفر العيد أن معظم الناس ليست لديهم أي ردة فعل متوجسة من المريض الذي شُفي من هذا الڤايروس، ويجد أن معظم التقارير العالمية لا تقول بعودة الإصابة مرة أخرى، بل هناك دعوة للمتشافي للتبرع ببلازما الدم للآخرين.

ويُعتبر العيد أن الارتباك ناشئ في الواقع عن معلومات قليلة تروِّجها بعض الجهات الصحية حول احتمال انتقال الڤايروس من الأشخاص الذين انهوا العلاج بنجاح، وأن المتشافي من “كورونا” سيكون متمتعًا بحيوية كبيرة للعودة إلى الحياة.

كما يُبيِّن العيد أن الدعم النفسي والاجتماعي يحتاجه المصابون بـ”الكورونا” حديثًا، وينصح أن يكون دعمهم عن طريق شحن همتهم بالصبر والشجاعة، وفتح الأمل لهم بدلًا من “التيئيس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى