ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2020-07-29

ذكرى رحيل العّز

وداد المطرود

*حِيرة…وألم*
مرت سنوات.. تلو سنوات وكنت في كل مرة أحاول أن أكتب فيها عن فقيدنا الغالي… تخنق روحي دموع الحزن والألم… فأرمي بقلمي وأبتعد عن جهازي الذي أسجل فيه نبضاتي…(حروفي وكلماتي)…
فماذا عساي أن أكتب…؟!!!
وماذا عساي أن أقول…؟!
لقد ترك حسرة لم تخمد جمرتها لهذا اليوم أبدا.

لم يكن رحيل الحاج الغالي على قلوبنا سهلاً… بل ترك مرارة أعجز عن وصفها… لما لنا من الذكريات معه ولما عرفناه من وقفات مشهودة والكثير الكثير من البصمات التي جعلت منه قدوة ورمزاً اجتماعياً…وطنيا وأيقونة مشرقة ومشرّفة…

*الحاج العطوف*
منذ كنتُ في عمر الخامسة من عمري فطنتُ لهُ كلما كان يأتي ليزور منزل جدي لأمي وجدي لأمي فكانت زيارته مستمرة إن لم تكن بشكل أسبوعي فبالتأكيد كان كلما سنحت لهُ الفرص في النهار أو في الليل و في المناسبات والأعياد تكتحل أعيننا دوماً برؤيته… فجلسته مميزة مع أجدادي وأهلي بكل تفاصيلها.

وحين يأتي نتحلق حوله فرحاً بقدومه… نبتسم… كان يأتي ببعض المنتجات من مصنعه الوطني… كما كان سخياً… كريماً على الجميع.

كنت كثيراً ما أجلس قرب أبي وأحياناً أمي إذا كانوا جلوساً حينما يزورنا، أنظر إليه… أحب تواضعه الشديد و سكينته وهدوءه وهو يتكلم… ونظرته المليئة بالإيمان… كنت أستمع إليه وهو يسأل دائماً عن الأحوال… عن الصغير وعن الكبير في العائلة… حتى عن حاجات أي محتاج… ولم يكن فقط ليزور هذين البيتين اللذين كان لي شرف رؤيته فيهما… بل أحياناً يخرج بمعية أحد أخوالي ونحن معهُ ليزور الجيرة الذين تربطنا بهم صلة…
حين قدومه… يطرق الباب… يسلم… يدخل المنزل ويطرق الأبواب بنفسه بكل هدوء وسكينة ويسلّم بكل تواضع وحب…

لم يغب عنا حتى قرب أيامه الأخيرة.

*المبادِر ورجل المواقف*
كان (نور الله قبره) من الذين يبادرون بمساندة أيٍ كان من العائلة ودعمه في حالة الحاجة بنفس طيبة حنونة، كان يتحسس كل شيء، لم يكن ليمُنّ على أحد، ولم يكن ليذكر عطاءاته أو مساعداته فأخلاقه الكريمة تأبى ذلك.

مواقفه كثيرة لاتُنسى… وعرفتها أكثر فأكثر عبر سنوات عمري التي كنت أراه فيها إلى عمر الثانية عشر تقريباً… وما بعد الثانية عشرة من سني عمري كلها شهادات لهُ بإنسانيته الكبيرة ودليل ضميره الحي الواعي، المليئ بمكارم الأخلاق للقريب والبعيد… لأهل المنطقة ولأهل الوطن بل وحتى إحسانه المشهود للغرباء.

كان لايتوانى أبداً عن الحضور بنفسه إذا حدثت مشكلة وسُئل عن ما إذا كان يستطيع القدوم والمساعدة في أي شيء… ولعل كل مامر به في حياته المليئة بالعمل الدؤوب والصبر والكفاح وبناء ذاته وأسرته وبعد كل الإنجازات التي قام بها بل والتي قدمها جعله دائم الاستشعار والإحساس بالآخرين فهو يستحق أن يكون رجل الإنسانية… والضمير الحي.
فما قيمة الإنسان في حياته وفب مماته إلا بأخلاقه وبما تركه من أثر في النفوس من أعمال طيبة وصالحة.

لم تكن شخصيته من الذين يحرصون على الدنيا ومافيها، ولم يكن شخصية متملقة أوباحثة عن الأضواء والشهرة… فأعماله في أسرته وكل العشيرة والمجتمع يشهد له… وخصوصاً كل ما قدمه لله في الخفاء من أجل مساعدة المؤمنين وقضاء حوائجهم وحتى أولئك الذين عاشوا على كرمه وألفوه… قد وجدتم معظمهم في مسيرة توديعه فمشاهد جنازته و توديعه الأخير خير شاهد.

في كل مكان وجدت بصماته، وفي كل شيء وجدت له موقفاً عظيماً شريفاً فأُيتمت برحيله أرواح كثيرة وأنا منهم.
وحين غاب عن هذا الوجود، لم أجد من يسد محلهُ إلا ماندر…
رحم الله روحاً رحلت عنا… فبقيت جمرة الفقد في قلوبنا مستعرة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى