ads
ads
مايسطرون
2020-08-01

نقد الفهم الآحادي


إن الدين الإسلامي بقيمه ومبادئه وتاريخه، حافل بالغنى والاتساع والتعدد. إذ إنه شكّل علامة فارقة ومنعطفاً ضخماً في التاريخ الإنساني قاطبة، ولا ريب أن العمل على حصر هذه القيم والمبادئ بفهم بشري واحد، من الخطايا والأخطار الكبرى التي تواجهنا اليوم. وقد كلفنا توجه بعضنا إلى فرض رؤيتهم وتفسيرهم الخاص للدين على المجتمع الكثير من المآزق والمخاطر.
وذلك لأن هذا الفهم الآحادي للدين يفقر قيم الدين، ولا يجعل المسلمين اليوم على تواصل رحب مع كل قيم وآفاق الدين الواسعة، لذلك فلا يمكن أن تختزل الإسلام بقيمه ومبادئه وثرائه المعرفي والإنساني والحضاري بفهم واحد ورؤية واحدة، لا تمتلك القدرة المنهجية والمعرفية على إدراك واستيعاب كل قيم الدين.
من هنا فإن من أهم خطوات الإصلاح الديني في مجالنا الوطني هو: القبول والاعتراف الصريح والتام بوجود قراءات متعددة للدين. وأن هناك تفسيرات ثرية لقيم الدين، نحن بحاجة إلى احترامها وفسح المجال لنتاجها ومنهجها للعمل في الاجتم
اع الوطني في مختلف الدوائر والمستويات.
وإن الوعي الديني السائد في كثير من صوره وأشكاله، هو أحد
المسئولين المباشرين عن الاحتقانات الاجتماعية والسياسية والمآزق الوطنية. لذلك فإن عملية الإصلاح الوطني، بحاجة إلى ممارسة قطيعة فكرية وعملية مع مقولات الوعي الديني التي تغرس الفرقة والتشتت بدعاوى مذهبية أو طائفية، أو تمارس دور الوصاية والاحتكار لفهم قيم الدين. حيث إن كل فهم، لا ينسجم وتصوراتهم ينعت بالزيغ والضلال والكفر. فلا يمكن بأية حال من الأحوال، اختزال فهم الإسلام في طريقة واحدة، وإصرار البعض على ذلك، وممارسة القهر والفرض والإكراه في سبيل ذلك، ساهم بشكل مباشر في تفاقم التوترات وازدياد المشكلات في الحياة الإسلامية ذات الطابع المذهبي والطائفي. ولقد كلف هذا النهج والمنحى الأمة والوطن الكثير من الإخفاقات والخسائر على المستويين الداخلي والخارجي. فبفعل هذه العقلية وممارساتها الخاطئة والعنيفة ورهاناتها البائسة، تحول الإسلام إلى عدو رئيس للكثير من الدول والأمم والشعوب، وبدأت من جراء ذلك تمارس مضايقات حقيقية على الوجود الإسلامي هناك.
وعلى المستوى الداخلي تحول هذا النهج إلى صانع للتوترات والأزمات والعنف. وبنظرة واحدة إلى مناطق التوتر والعنف والعنف المضاد في العالم الإسلامي، نجد أن لهذا النهج الإقصائي والعنفي دوراً في بروز هذه الأزمات والمآزق.
وعلى كل حال، إننا لا نستطيع أن نطور فهمنا ومعرفتنا لقيم الدين الإسلامي ودورها في الحياة العامة، دون ممارسة نقد حقيقي ونوعي تجاه الفهم الآحادي للدين، والذي يستخدم القهر والإكراه للخضوع والالتزام بقيم الدين.
إن الإصلاح الديني المنشود، يتطلع للوقوف بحزم ضد كل محاولات حصر الدين الإسلامي بفهم بشري واحد، وممارسة الإكراه في سبيل تثبيت هذا الفهم في الحياة العامة للمسلمين. وذلك لأن الفهم الآحادي للدين بكل توابعه وتأثيراته، هو صانع للفرقة والانشقاق والفتنة في الأمة، ولا يمكن الخروج من هذه المحن لا بنقد وممارسة القطيعة المعرفية مع كل المنهجيات والمحاولات التي تختزل الإسلام في فهم معين.
صحيح أن الدين الإسلامي يحتضن جملة من الثوابت لا يمكن تجاوزها، ولكن فهم هذه الثوابت متعدد ومتنوع، ولا يمكن بأية حال من الأحوال إقصاء هذه الأفهام والرؤى من الدائرة الإسلامية. والذي يخالف هذا الفهم أو يقف منه موقف المناقض، لا يتهم بالضلال والزيغ والخروج على مقتضيات الصراط المستقيم. وذلك لأن هذا الفهم البشري لا يُلزم إلا أصحابه، وأية محاولة لإضفاء صفة الخلود على هذا الفهم، هو إدخال للمجتمع والأمة في أتون الصراعات الدينية والمذهبية.
من هنا ومن منطلق نقد الفهم الآحادي للإسلام، نحن بحاجة إلى إعادة بناء تصوراتنا الثقافية والاجتماعية عن الاجتهاد والتعدد الفكري والمذهبي والاختلاف والتنوع على أسس جديدة، يحتضنها المشترك الديني والوطني.
فالاختلاف ليس حالة مرذولة ومذمومة، وإنما المرذول والمذموم هو الفرقة والانقسام. والتعدد والتنوع المذهبي والفكري ليس زيغاً وضلالاً، وإنما هو من طبائع الأمور والحياة ومقتضيات مبدأ الاجتهاد الذي أقره الدين الإسلامي. وإن أية محاولة لقهر التعدد أو إقصاء التنوع، لا تفضي إلا إلى مزيد من التوترات والتشظي وغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وحرصنا على الوحدة ينبغي ألَّا يدفعنا إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآراء والقناعات المغايرة والمختلفة.
لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الإسلامي، هو رفض الرؤية الآحادية للإسلام، والتي تبرر لنفسها ممارسة العسف والإكراه وإطلاق أحكام القيمة تجاه غيرها من الرؤى والقناعات.
إن الفهم الآحادي للقيم والمبادئ، هو أحد البذور الأساسية لانتهاك قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسانية.
وذلك لأن هذا الفهم الآحادي يقود صاحبه إلى الاعتقاد الجازم بأنه هو وحده الذي على الحق وغيره يعيش الزيغ والضلال والانحراف. وهذا الاعتقاد بمتوالياته النفسية والسلوكية، هو الذي يساهم في دفع هذا الإنسان إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآخرين وجوداً ورأياً وأفكاراً.
إن الرؤية الاصطفائية إلى الذات وما تحتضنه من معارف وعقائد ومواقف، هي التي تقود إلى انتهاك الحقوق والانتقاص من كرامة الآخر المختلف.
إننا هنا لا ندعو إلى جلد الذات أو تحقيرها، وإنما إلى مساواة الآخر بالذات، وإن الفهم الآحادي للدين والاعتقاد من قبل مجموعة بشرية أنها وحدها القابضة على الحقيقة والعارفة بقيم الدين وأهدافه، إن هذا المنحى يقود إلى تلغيم صيغ التعايش السلمي ومجالات التواصل الإنساني. لأن هذا الفهم يعيد ترتيب العلاقات والحقوق على قاعدة المنسجم مع هذا الفهم والمناقض والمخالف له.
وخلاصة الأمر: أن القضية الأساس التي ينبغي أن تتجه إليها جهود المصلحين والمفكر
ين، هي نقد الفهم الآحادي وتفكيك النظام المعرفي الذي يبرر ويسوغ لصاحبه ممارسة العسف والقهر ضد الآخر المختلف والمغاير.
وإن هذا النقد هو محاولة فكرية ومعرفية لتجديد أنماط الرؤية وقواعد الفهم، وفحص متواصل لفضح ادِّعاء القبض على الحقيقة وتفكيك مبررات ومسوغات التمايز والإقصاء.

لذلك فإن نشدان التجديد والإصلاح ، يقتضي العمل بكفاءة عالية لتفكيك أسس الفهم الآحادي والعمل على تحرير المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي من كل أشكال الاستئثار والاستفراد والديكتاتورية ، والتي تتغذى بشكل دائم من فهم آحادي مقيت .

والإصلاح الثقافي والفكري الذي نرى ضرورته ، ونشعر بأهمية تجاوز الكثير من معوقات التقدم ، لا يعني رفض قيم الدين أو الخروج عن ضوابطه ومتطلباته . وإنما يعني إعادة تأسيس فهمنا للدين بعيدا عن الآحادية في التفكير والقشرية في الفهم والتعامل مع الاجتهادات الإنسانية في فهم الدين بعيدا عن التقديس الأعمى أو مفهوم الحقائق المطلقة . بل هي أفهام مرتبطة بزمان ومكان محددين وعلينا فهم هذه الاجتهادات واحترامها ، ولكن دون إلغاء عقولنا أو التعامل مع تلك الاجتهادات وكأنها نصوص خالدة لا تقبل المناقشة والجدل والحوار .

فبدون تحرير وعينا وفهمنا من عوائق الجمود والحرفية والتأخر ، لن نتمكن من الولوج في مشروع التقدم والتطور الإنساني والحضاري .

لذلك فإن الإصلاح الثقافي وتجاوز الفهم الآحادي والمتعسف لقيم الدين ، من الضرورات القصوى التي تؤهلنا لبناء واقع مجتمعي جديد . فالكثير من متطلبات التقدم وعوامل الرقي ، لا يمكن القبض عليها اجتماعيا ، بدون عملية الإصلاح الثقافي التي تحرر الفهم والرؤية من الجمود والقشرية ، وتعيد صياغة الوعي على أسس القيم الحضارية التي نادى بها الدين ، وعمل من أجلها أهله عبر المسيرة التاريخية الطويلة .

وتفكيك أسس ومرتكزات الفهم الآحادي والمغلق ، لا يتم بالرغبة والتمني المجرد ، بل بالعمل المتواصل على صعد المعرفة والسلوك لإزالة كل الأغطية التي يختفي وراءها هذا الفهم الآحادي ، الذي لا يغذي إلا الجمود والتطرف والغلو .

وإن التأمل الجاد في هذه الأحداث ودلالاتها العميقة على المستويين الثقافي والسياسي ، يوصلنا إلى اكتشاف خلل عميق يعاني منه المجال العربي والإسلامي . وهذا الخلل العميق ليس من جراء ضغوطات الخارج أو مؤامراته الهادفة إلى تقويضنا من الداخل كما يدعي البعض . وإنما هو من جراء أمراض مستوطنة في داخل حياتنا على مختلف المستويات والصعد . وهذا الخلل العميق الذي يعيشه الوضع الإسلامي ، ويلقي بظله الثقيل على مجمل جوانب الحياة ، يتجسد في داء التعصب وغياب أدنى حالات القبول بالآخر والتسامح تجاه الاجتهادات الفكرية أو اختلاف القناعات السياسية أو تجاه سيئات الواقع المعاش .وكأن همنا الأساسي ، هو البحث عن عدو نحاربه ، ونبرز ترسانتنا القتالية تجاهه . ومن الطبيعي القول : أن التعصب هو الأرض الخصبة ، التي تنمو فيها كل أشكال العنف واستخدام القوة في العلاقات الإنسانية . والتعصب هنا لا يعني ، الرفض العلمي والرصين لقناعات الآخرين واختياراتهم السياسية والمجتمعية . وإنما هو على حد تعبير الناقد المصري ( جابر عصفور ) في كتابه ( هوامش على دفتر التنوير ) حالة معرفية تنطوي فيها الذات على ما أدركته ، وترفض أن ترى سواه أو تمنح غيره حق الوجود ، ما تؤمن به الذات دون مراجعة أشبه بوجودها نفسه . وضع من الاكتفاء الذاتي الذي يستغني عن كل ما عداه ولا يتقبل أي مغاير له . بقدر ما تنطوي الذات على إيمان مطلق بما تراه في هذه الحالة المعرفية ، فإن إيمانها به يتضمن معنى الإطلاق الذي ينفي نسبية المعرفة وإمكان الخطأ .

وبفعل هذا النمط من التعاطي مع الشأن المجتمعي ، تقمع الأفكار ، ويسود سوء الظن ، وتحاكم النوايا ، ويضمحل الفكر الجاد ، وتخبو أطر الحوار وفرصه ، وتسود قيم العنف والقتل والاغتيال الجسدي والمعنوي . وتتكامل في هذا الإطار أدوات العنف ووسائله بين الخطاب الثقافي الذي يقطع الروابط التي تشد الوعي إلى بواعثه الحية والطبيعية ، التي تحصن المرء ضد النزعات المتطرفة والمتعصبة والتي لا تؤدي إلا إلى التخريب الاجتماعي والمادي . والممارسة الاجتماعية التي تغذي حالة التعصب وتدفعها نحو ممارسة السلب والانسياق وراء الميول والغرائز المختلفة . غير أن الربط بين الخطاب الثقافي والممارسة الاجتماعية ليس تبريرا للأول بالثاني . وإنما لكشف عن مدى العلاقة الوثيقة التي تربط الثقافة بالسلوك الاجتماعي والعكس . إذ أن أصول التفكير المتعصب والعنيف والممارسة الاجتماعية العنيفة توأمين يترجم الواحد منهما الآخر بلغات مختلفة وأشكال متفاوتة . من هنا فإن غياب لغة الحوار في مستويات الحياة الإسلامية المتعددة ، هو الذي يؤدي إلى التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار ، ويبقى كل منهما منغلقا على ذاته . وفي هذا الأجواء تتولد وتبرز ثقافة العنف ، والآراء التي تبرر القتل والاغتيال لاختلاف فكري أو سياسي . ونرى أن الحوار الحضاري الجاد بين مختلف مدارس الثقافة الإسلامية ، هو الكفيل بإنهاء المواقف الشاذة ( في أي تجاه كانت ) . كما أن مسئوليتنا جميعا تتجسد في تنقية المحيط الإسلامي من هذه الثقافة الفتاكة ، والعمل على إنهاء موجات انتشارها في المحيط الإسلامي . ومن الضروري الابتعاد عن التعالي ، تعالي كل خصم على خصمه بادعاءاحتكار العلم الكوني والحقيقة المطلقة ، وفقه التحديات الحضارية التي تواجه الأمة في الوقت الراهن . وإننا بحاجة إلى تلك العقلية والثقافة ، التي تمتص التناقضات والاختلافات الداخلية ، وإعادة توجيه الطاقة الحية التي تزخر بها منطقتنا الإسلامية في طريق التاريخ الإنساني . وإننا بحاجة أيضا أن نخرج من حالة المراوحة حول الذات وشئونها الخاصة ، والانطلاق بعزم جديد ورؤية جديدة للفعل التاريخي الذي يعود على أوضاعنا وأوضاع العالم بكل خير وفائدة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق