ads
ads
مايسطرون
2020-08-01

الوجُودُ العَدَم


تَسكُنُني مُنذُ أزَل، وأزيزُك؛ اِخترقَ أُذنَي، ولا أَستطيعُ سَماعاً، فالهَمس؛ خافِت، والرُّوح؛ مُنكَفئَة، ومَا من أحَد؛ أستعينُ بِه، علَى وحدةٍ خَانقَة؛ إلَّاك، وبقايَا تُفاحَة؛ قَضمَها آدَم، فانبَجسَت منها الشيَاطِين، وظلَّت تُعاكسُ مَجرَى الوجُود، وتُخفِي أنفاسَها؛ كَالظلَال.

عدَم؛ اِجتاحَ الأَرض، وأَغرقَها، فأتَيت؛ ذاتَ أُمنيَة، وارتَديتَ لِباسَ النُّبوَّة، وأَنقذتَ العَالم، من فَناءٍ وشِيك، فالأشيَاء؛ مَا عَادت تَعرفُ أَسماءَها، ومَا عُدتَ تَعرفُها، وكَانَ لِزاماً علَيك، أيُّها المُخلِصُ المُخلِّص؛ أَن تُعيدَ تَسمِيةَ الأشيَاء، وتَرتيبَها؛ لتَمحوَ فَوضَى الوجُود.

آهِ، يَا لهذَا العبثِ الجُنونِي! أَ حينَ انتهيتَ من إِصلاحِ العَالم، وغَادرت، عَجزُوا عن إِدراكِ حَقيقتِك، واكتِشافِ أمرِك؟ فنَسبُوا القُدرةَ لأنفسِهم، ونَسَوك. أَدمنُوا المدِيح، فغَاصَت أرجلُهم، في الوَحل، وتَلطَّخت أجسادُهم، وأَرواحُهم بالخطيئَة، وانتظرُوك؛ لتُنقذَهُم، وكَعادتِك، أَشفَقت، فلَم تَتأخَّر.

سُكنَاك؛ حُدودُ عدَم، ومرايَا ظِلال، وأَزقةً مَهجورَة، اِستوطنَتها الذئَاب، وعَاثتِ الأفاعِي، بينَ فوضَاها، أَ كُلما اِشتهَيت؛ غَادرتَ أرضَك، واستوطنتَ أُخرَى؟ أَ كلَّما صَادفكَ الآدمِي، اِنسلَلت، واختبَأت، في جوفِ الظُّلمَة، وأَرقتَ دمَك، علَى صَفحاتِ اللَوح؟ فلا حيَاةَ لَك، إلا بالكَلمةِ الأُم.

لا يُشبهُكَ الآخرُون، ولا تُشبهُ ذاتَك؛ أنتَ عدمٌ مُطلَق، ووجودٌ أَبدِي، وتارِيخ؛ نُسجَ علَى صَفحاتِ لَوح، وإصبَع؛ اِحترقَ من فَرطِ الكتابَة، فالفواصلُ لا تَعنِيك، ولا تَهمُّك، ومَا يَدورُ برأسِك، ليسَ أكثرَ من غيمَة، حَجبتِ الشَّمس، واستعدَّت للهطُول، فلتُمطرِي أيَّتُها الغَيمَة، ولتَملئِي الأَرض، فالظَّمأُ الأُنطُولُوجِيُّ أَصابَ الآدميَّة، حيثُ شَارفتِ الهلَاك.

ولا يُنقذُها إلَّاك، أيُّها المطَر، فالأرضُ صَدئَة، وجَافَّة، وبِحاجةٍ للارتِوَاء، وحدكَ يَا مَن أَعطيتَ الرُّوح، لهذَا العَالم، تَستطِيع، ولا يَستطيعُ غيرُك. أَفِق، وانفَخِ البُوق؛ كَي يَستفيقَ آدَم، وتَنهضَ حَوَّاء، فالخُواء؛ اِبتلعَ الكَلمةَ الأُم، وأَرهقَها بالصعُود، والهبُوط، ومَا من نبتةٍ طاهرَة، نَمت بينَ الصخُور، فاحمِل مِيراثَك، وابذُرِ الأَرض، وانتظِر موسمَ الحَصد، وجَني الثمَار.

وحينَ تُغادرُكَ الغيمَة، ويَنكَسرُ الضَّوء، علَى رئَتيك، ويُنفخُ فيكَ الرُّوح، اِبتهِج؛ حيثُ العَالمُ مُستنفِر، ومَهجُوس؛ لرُؤيَاك، ولا تَتمهَّل، اِتجِه صوبَ شمسِك، اِلتقِطهَا، وتَكوَّر دَاخلَها، ثُم أرسِل شُعاعَك، عبرَ الفضَاء، وليَخترِق هذَا العدَم، فليسَ للعتمةِ من حَد، سِواك، فلا شيءَ يَستبقِيك، إلا الوجُود، وصِهريجُ حَكايَا، وأَزمنَة، دَوَّنتها الأساطِير، وانهَرقَت في جَوفِها الأُمنيَات.

أثِر عَاصفةَ السُّؤال، واهرُب، اِضرِب بِقبضتِكَ الأَرض؛ كَي تَهتزَّ أَجوبَة، وبَراكِين، ولتَمنحِ الآدميةَ نافذَة؛ تُطل، وتَرسُمُ مَا تَراكَم؛ من خُرافَات، وأَوبئَة، وحِكايَات. أَعلمُ: أَن لا شيءَ استفزَّك؛ مِثلَ اختراعِ الأسَى، ولا شيءَ يُؤلِم؛ كَالخرَاب.

لا حدَّ لَك، تَغلغَلت؛ تَبحثُ عن ملجَأ، فكَانَ السحَاب، وجِئتَ المطَر. لا حدَّ لَك، اِختبرتَ الوجُود، وغَامرت؛ حتَّى أَصبتَ الهدَف، فلا فَرق، إذَا مَا أَتيت، فأنتَ الوجودُ العدَم. لا حدَّ لَك.

لَو صَابَ طِفلٌ أذَى، أَو خَدشَت نخلةٌ إصبعاً، أَتتكَ الأُمومةُ تحبُو، وتَجهشُ بالحبِّ: مَن آلمَك؟ وأَنت؛ ضَللتَ الطرِيق، وسِرتَ بعيداً، وصَادفتَ كلَّ الحكايَا، ولم تَمتنِع، فأَنبتَّ حَقلاً، ودَيراً، وبَحراً، وغَادرتَ هذَا الوجُود، وعُدت، فلَم تَبكِ أُم، ولم تنتظِر قُبلةً حَانيَة.

فأَطلِق يدَيك، سُلَّماً تَرتقِيه، وتَصعدُ أعلَى، فتَفتضُّ هذَا الأسَى، وتنثرُ جُوعَك، بينَ النجُوم، وتُلقِي لهُم بالطعَام، فكُل أيُّها الآدمِي، ولا تَبتئِس، فمَا فاضَ منك، سيُوضعُ رهنَ الإشارَة، إذَا مَا أَتتكَ الأضابِير، واستلَّتِ السيفَ من غِمدِه، وارتجَتك؛ لتَطعنَ هذَا الغيَاب.

أَ ليسَ لعَالمكَ اليَوم، من مُعجزَات؟ إذِ الأرضُ نافرَة، والضَّبابُ استطَال، وغطَّى الجبَال، وهذَا الغَمامُ انجلَى، وباتَ قريباً إليك؛ أَقربَ من وردَة، أَو وَريدٍ ونَار، فاصنَع لنفسِكَ طَوفاً؛ خُذِ الخشبَ الحَق، من جَنةِ السُّقم، وراجِع خُطاك، ثُم ابدأِ المَوت؛ مَوتكَ أَنت، ومَوتي، ومَوتَ الحيَاة، وانقَضَّ كَالمَد، واهجُم، وليبدأِ الموجُ بالارتفَاع، فمَا عادَ يُمكنُني الانتظَار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق