ads
ads
مايسطرون
2020-08-15

عَالمُ مُثقلٌ بالجُنُون


ثمةَ لا مكَانَ هُنا، يَنهالُ عليَّ بالوجَع، فكُلما أردتُ الهرَب، أَمسكَ بي، وألقَاني للحيتَان؛ تنهشُ عِظامي، وحينَ أصرُخُ، يكُونُ الأوانُ فَات، والآدميةُ انطفأَت شُعلتُها، وليسَ لأحدٍ قُدرَة، علَى اِجتراحِ المُعجزَات، وتبقَينَ أَنت، أيَّتُها الأمُّ الخالدَة، واللغةُ الرحيمَة، تَجوبِينَ الفضَاء، وتُعانِقينَ الأمَل، لِغَدٍ زَعفَرانيِّ الرَّائحَة، وخِشخَاشِيِّ اللَون.

تلكَ الحالةُ الغرائِبيَّة، حينَما تَأتي، وتَصطدمُ بواقعٍ مُر، وأَلم أمَر، تَتحولُ لمجزرةٍ عظيمَة، فالكَلماتُ التي اِنتعشَت، وترفَّهَت، ونالَت حظوتَها، وسكَنتِ القُصور، والبِناياتِ العاليَة، ترَاها تُطرَدُ من أزقَّةٍ ضَيقَة، ويُلاحقُها الهلكَى، والمُسَرنَمُون، ويَتسنَّمُ القِيادَة؛ صاحبُ مِزمَار، إلى البحرِ المَيت، فلا تَعودُ أبداً، من غِيَاب، إلا إذَا اِستدعَاها النَّفِير.

المركبُ غاصٌّ بهذهِ اللغةِ النَّوعيَّة، ومُمتلئٌ بالشرُور، وحتَّى يُتاحَ للآدمِيِّ الكَلام، فلا بدَّ لِفمِه؛ من حجَر، يُوضعُ أَسفلَ الحنَك، ويَنحازُ لِطائفةٍ اِنقرضَت، من طَوائفِ الديَانةِ القديمَة، فالمفرداتُ؛ مَوبوءةٌ بالمعَاني، ومُطارَدةٌ بالدِّلالات، وحينَ أرادتِ الآدميَّة التَّوسُّع؛ بحثَت عن أرضٍ مُختلفَة، ولغةٍ لم يَعهدها أحَد، وانتظرَت قُروناً؛ لميلادِ عِبارةٍ أُولَى.

نحنُ هُنا لا نرَى الواقِع، فالعينُ التي نَظَرت طويلاً، ونَظَّرت لمجيئِها، هَا تَمضِي وحيدةً إلى قبرِها، وتَمتنعُ عنِ الانفتَاح، فالخوفُ من وهدَة؛ تقعُ بها، يُمسكُ أعصابَها عنِ الفوَرَان، ويمنحُ الزمَن؛ سُلطةً لا مُتناهيَة، ويُبقِي أَحلاماً مُخبأَة، بِداخلِ صُندوق، فلا وقتَ للفَتح، وكَسرِ القِفل، وإخراجِ اللغةِ الغريبَة، عن مَسارِها. كَيفَ انتهَى العالمُ مُثقلاً، بكُلِّ هذَا الجُنون؟

الحَميميَّة، تَرسمُ العلاقَة، بَيني وبينَ الكَلمةِ الأُم، أَرضعُ اللبنَ الرائِب، والحليبَ الدَّفِيء، فلا يَخرجُ المعنَى؛ إِلا مُمتلئاً بالصحَة، والقَافيَة، ولم أشَأ إِبعادَ أَنفاسِ الشيَاطِين، عن لُغةٍ دَاميَة، ومُهترئَة، إلا لِوجودِ أُخرَى، ذاتِ دِلالَة؛ لم تَعرفهَا الآدميَّة، ولم تَستوعِب أَبعادَها، فالويلُ لَك؛ أيُّها الآدمِي، إذَا مَا خَرجت، وأَعلنتَ عن نفسِك، بكُلِّ هذَا العُنفُوان.

ستُلاقِي حَتفَك، عمَّا قَريب، وأَنت؛ لا أَنهيتَ فَرضكَ المنزِلي، ولا عُومِلت، كَما يَنبغِي، فالدلالةُ الآتيَة، لا تُريدُ للأصفادِ أَن تُغلِّفَها، ولا تَرغبُ في رُؤيةِ السمَاء. إنَّها مُنكَفئَة؛ نحوَ الداخِل، ومُنسجمةٌ معَ الذَّات، ومَوعدٌ لمُستقبَل، غيرِ مَألُوف، بِيعَت خِلالهُ الحقيقةُ السابقَة، واضطُرَّت لِشراءِ أَوتادٍ مُثبِّتة، من بائعٍ جائِل، تَنقَّل، وأرعَد، وأزبَد، ولم يُعطِ الفُرصةَ لِي، ولَك.

اِنهزمنَا أَمامَها، ولا سُلوكَ نَبلُغُ بهِ الغايَة، فنحنُ أسرَى الوجُود، ومُمتحَنونَ بغيبٍ حانِق، يَنتابُنا الخَوف، والهلَع. أمَّا المَكيدُة؛ فتَقتنصُنا، وتَصطادُ ألسِنتَنا، فلنخرُج إلى الشَّمس، ولنَنشرِ المُفردَات، علَى قَارعةِ الدُّروب؛ لنُنهيَ مَسألةً عقِيمَة، واختلافاً رافقَنا، مُنذُ أَزمنةٍ سَحيقَة، وكوَّنَ تَاريخَنا الفوضَوي، وأَلمحَ للسمَاء؛ كَي تُمطرَ النيازِك، وتُدمرَنا.

لسنَا أَكثرَ من بُقعةٍ نائيَة، علَى ضِفافِ النَّهر، والبحرُ الشاسِع؛ لا نرَى آثارَه، فالخطيئةُ الأُولَى؛ تَجرُّ خَطايَا، وحِكَاياتٍ فارغَة، ومُحالٌ إِخراجُ أَفكارٍ عَدميَّة، من رأسِكَ الصَّلد، فالشمسُ الحارقَة؛ لا تهدَأ، إلا حينَ تُشعلُ مَا تبقَّى، من أفكارِكَ الجوفَاء، ورأسِكَ الشبيهِ بالعدَم.

خُواءُ تَام، ومَنطقةٌ مُحرَّمة، لا يَدخلُها الآدميُّون، فلأَتقدَّم، وأَخطُو، وأَفتتحَ المستحِيل، ولأَتزوجِ المفردةَ الجديدَة، وأُنجبَ الكَثير، منَ الأطفالِ المُختلفِين، فالعائلةُ التي أسعَى لتكوينِها، وتربيةِ أبنائِها، لا أُريدُ لها؛ أَن تَعرفَ الماضِي، ولا أَن تَبحثَ عن إِقطاعيِّينَ مُنافقِين، يَمتلكُونَ الأرض، والعَبيد، والنسَاء، ولا أَمتلكُ إلا نَفسي، ولُغتي العاريَة.

أَهجمُ بقُوةِ البَرق، فتُصيبُ الصاعقَة؛ قلبَ اللُغة، المائلِ للاصفِرار، أَهجمُ ثانيَة، وأَنجُو من ضرباتِ الشَّمس، والكَواكِب، فالمجرةُ مُقبِلةٌ، علَى اِنفجارٍ عَظِيم، لا أملَ بالخلاصِ من آثارِه، ونِسيانِ الطوفَان؛ إلا بالكَلمةِ الأُم، والابنةِ المعنَى، وهَا أُحاولُ تَربيةَ فتَياتي، والانكفاءَ بداخلِ هذَا العَالم، والتَّوحُّد، نحوَ حقيقةٍ كَاشفَة، تَهبُ الوجُود؛ اِسماً لا مألُوفاً، وغيرَ مُتاحٍ للتَّدَاوُل.

أَهبِط، وأُمسكُ زِمامَ المُبادرَة، وأَضعُني بِداخلِ المركِب، أَنتهزُ الفُرصَة؛ كَي أُبحرَ نحوَ المنطقةِ المحرَّمة، فزوجَتي السابقَة، طلَقتُها للرِّيح، وطلَّقتُها، واخترتُ بديلاً ناجعاً، لُغةً أُخرَى، وقَائمةَ مُفردَات؛ لا تتوقَّفُ عنِ السيلَان، وأبناءَ، وبَنات؛ لا يَعرفنَ عنِ الحيَاة، والوجُودِ شيئاً.

فلأَكُن أبَ اللغَة، وزوجَ الكَلمَة، ومُنجِبَ المعنَى، وحَاملَ لِواءِ التَّحَوُّل، فلا أَمرَّ منَ البقَاء، بِلا حِراك، ولا أَبشعَ منَ السكُوت، في زمنِ الخطيئَة، ولتَكُن مِثلِي، رَبيبَ الزمنِ القَادِم، وصديقَ اللغةِ البيضَاء، والفَارغَة، ولتَملَأها بالمعَاني، والدِّلالات، وسأكُونُ بانتظارِك؛ كَي نَصعدَ المركِب، ونَرحلَ معاً، نحوَ عَالمٍ جَديد، ومُختلِف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى