ads
ads
مايسطرون
2020-08-20

تَركتُ عَقلِي خارجاً


 

أَعودُ من شَاهِق؛ لأجدَني علَى سطحِ المركِب، وحَولي مُمدَّدون وتَعبَى؛ أُناسٌ خَرجُوا من رَحمِ الرقصَة، إلى حَياةِ القسَاوَة، والطَّقس المُمِيت، اِنسلَلتُ ونَأيتُ بجسدِي، وتَشاغَلتُ باستِنشاقِ الهواءِ الثقِيل، فأَخرجتُ لساني وتذوَّقتُه؛ مَالحٌ ورطِب. أَدركتُ صُعوبةَ التنفُّس، دَاخلَ جوٍّ خَانِق؛ كَهذَا.

اِقترَبت، وأَخرجتُ القِربَة؛ حيثُ أُحتفظُ ببقايَا الشَّرابِ المُسَكَّر، والمُنعِش، وبَدأتُ بترطِيبِ فمِه، فرَأيتُ الزُّرقَة، حولَ عَينَيه؛ تَهربُ ببُطء، ويَستعيدُ نَغمةَ الحيَاة، وإِمكَانيةَ الاستمرَار، مَارستُ ذاتَ الفِعل، مَعهُم جَميعاً؛ المقيَّد، والراقِص، والمرأَة، والمغنِّي، والمتديِّن، والثرِي، والحمَلُ الزائِف. مُلقَون، ومُمدَّدُون، عدَاي، وعدَا السائِس؛ حيثُ بدَا مُعتاداً، علَى أَجواءِ القَسوَة، والبَحر.

تُستعادُ الأنفَاس، ويَتوازنُ الأشخَاص، ويَنظُرونَ تِجاهَ مُخلِّصِهم؛ بدَت كَشُكرٍ لمَا قُمتُ بِه، اِلتفُّوا، وتَحلَّقُوا حَولي، فمَالَ المركِب، نحوَ جَانِب؛ ممَّا جعلَ التَّوازُنَ يَختَل، والسَّائسُ يُجاهِد؛ ليَضبطَ الإيقاَع، أمَّا أنَا، فلَم أكُن سعيداً، للدَّائرَةِ التِي صُنعَت، إِذ أَجبرتنِي علَى تركِ عَقلِي خَارجاً، والانهِمَامِ بأَمر، لا أَرغبُ بمُمارستِه.

يَسألونَك، ويَستفسِرونَ عنِ الشَّرابِ الغَريب، تُخبرُهم؛ أنَّكَ قَادمٌ من بِئر، ومُجتازٌ لِعقباتِ العدَم، وخَارجٌ من مَأسَاة، مُماثِلةٍ لمَأساتِهم، ولم يُنقذكَ إلا الشَّراب، وصَوتٌ هَامِس؛ صَدرَ من أَعماقِ أنَاك؛ دَعاكَ لمُمارسةِ الحيَاة، والتَّمتُّعِ برُؤيةِ الوجُود، وهَا تَجلسُ بينَهُم، كَاملَ النُّضج، لَولا الثِّقلُ الزَّاحفُ لكَتفَيك، إِذ يُوشكُ علَى كَتمِ أَنفاسِك.

أَثقالُ البَشريَّة، نأَت، وخَفتَ هسِيسُها؛ حينَ أَطلعتَهُم علَى حَقيقةِ أَنفسِهم، ومَا قامُوا بِفعلِه، والإتيَان بِه، فالآدمِي؛ لا يُقاسُ بِطريقةِ مَشي، أوِ ارتداءِ ثَوب، إنَّما بمَا حَمل، من مَحبَّة، وقُدرةٍ علَى اِستبصارِ المستقبَل، والأشخَاص، وهُمُ انغَمرُوا باللذَّة، ومَارسُوا الحيَاة؛ كَعدمٍ ضَبابِي، لا يَرونَ إلا أَنفسَهُم، ورَغباتِهم.

أَلقيتَ عِظتكَ الأُولَى، فافتُتنُوا، واستمعُوا لصوتِكَ البَض؛ حيثُ اخترقَ قلوبَهُم، فالآدميةُ لا تَستمِع، إلا لمُخلِّصِها، وأنتَ الآن؛ المُخلِّص الذِي أَنقذَ أجسادَهُم، وهَا تُنقذُ أَرواحَهُم من ضيَاع. اِتَّبعُوك، إلى آخِرِ الكَلمَات، فلَم يَنطِق أحدٌ بهَمس، أَو يُقاطِعك. سَعُدت، واستَرسَلت، وأَوصلتَ الحقيقَة، وكَشفتَ عن أعيُنِهمُ السَّحابَة؛ التي حَجبتِ الشَّمس، فاحتفلُوا بِك، وآمنُوا بكَلماتِك.

لا تُشبهُهم، بَل تُشبهُ نفسَك، وحدكَ استطعتَ إِزاحةَ الثِّقل، عن قُلوبِهم، ورأيتَ الخيرَ النَّابتَ بأرواحِهم، فرَسمتَ طَريقكَ نَاحيةَ الأَرواحِ الهائمَة، وصِرتَ تُعالجُ القُروح، والدَّمَامِل، بمَرهمِ كَلماتِك. أَخرجتَهُم عن عَالمِهم القاسِي، والمُؤلم، إلى عالمٍ لم يَتخيَّلُوه، ولا حَلمُوا بِه. الآن؛ تَسكُنُهم نَشوةُ الأبديَّة، ورَفاهيةُ اللغَة.

طَلبُوا عِظةً ثانيَة، وأردتَ الاختِلاءَ بأناَك، فالبقاءُ جِوارَهُم؛ يُدمِيك، ويُتعبُ أَرواحَهُم، ليسُوا مُستعدِّين، بَعد؛ لخَوضِ غِمارِ الحقيقَة، واكتشافِ الوجُود، كَما ترَى، وتَعرِف. لَكنكَ استجَبت، ورَويتَ قِصةَ الوردَة، والضوءِ الباهِر، وانتزاعِ الذَّات، من سُلطةِ الخارجِ الأعمَى، فتَولَّهُوا بِك، وازدادُوا يقيناً، واقتربتَ من إلهِ مُخيَّلتِهم، وتَصوُّراتِهم.

صَدَّقُوك، وآمنُوا بِك، سُلبُوا، وبُهرُوا ببلاغتِك، فالكَلمَات، إِذ تَخرجُ من فمِك؛ تبلُغُ قلوبَهم، بلا عَائق، وتَعلقُ بأذهانِهم؛ كَأنهُم منذُ عُمر، وحياةٍ كَاملَة، اِنتظرُوك، وهَا يَروكَ مُجسداً، أمامَ أعينِهم، بدورِك؛ احتضنتَهُم كَأب، وعَطفتَ كَأم، وغَامرتَ بمشاعرِكَ نحوَهُم، فكَتمتَ رُؤاكَ السودَاء، حولَ مُستقبلِهم، واكتفيتَ برُؤيةٍ وحيدَة؛ تِلكَ التي تَتحدَّث، عن مُستقبلٍ مُشرِق.

حينَ انتهَيت، وتوقَّفتَ عنِ الكَلام، خَلعُوا ما عَلقَ بهِم، من أَدرَان، فانتزعَ المتدينُ تدينَه، والثرِي؛ تبرعَ بأموالِه، ورفعَ المقيدُ الحبلَ الغلِيظ، عن عنقِه، والمرأةُ ذُهلَت، فلَم تهتمَّ بمَا حدَث، أمَّا الحَملُ؛ فبقيَ ساكناً، ولم يُصدِر حركَة، أَو صوتاً، والمُغنِّي؛ فقدَ شهيَّتهُ للغنَاء، بينَما البقيَّة؛ أَخذُوا يَنظُرونَ إلى بعضِهم، والحَيرةُ تعلُو أَعينَهُم، فلا يَملكُونَ مَا يَستحقُ التَّخَلِيَّ عَنه.

اِنحنَيت، وأَغمضتَ عينَيكَ الاثنتَين، وغِبتَ عنِ الوَعي بالعَالم، فانفتحَت عينُكَ الثالثَة، ورَأيتَ الحقيقةَ مَاثلَة؛ كَشَمس، هؤلاءِ مُتعَبون، ومُثقَلونَ بالأصفَاد، وحَياتُهمُ الماضِيةُ مُعتمَة، أمَّا المستقبلُ الذِي يَنتظِرُهُم، فلا أمَلَ يُرتجَى؛ إِذا مَا استمرُّوا، هُنا تَسمعُ الهمسَ الخافِتَ: خُذ أَيديَهُم، وأَوصِل أَرواحَهمُ الهائمَة، إلى الضَّوء، واكشفِ العتمَة، عن أَبصارِهم، وقُلوبِهم، أيُّها العرَّافُ العظِيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى