ads
ads
مايسطرون
2020-08-21

مزاحمة التراث الحديث للآثار والتراث العمراني


التراث الحديث Heritage of Modernity ، جملة قصيرة قد تبدو متناقضة لكنها مصطلح مهم يتم تداوله هذه الأيام بشكل لافت، وهو يرمز للمباني والساحات المرتبطة بالحداثة وذاكرة الناس في آن معاً. ومفهوم التراث الحديث هو ترسيخ وتحضير للبدء بالعناية بالمباني والساحات التي ستصبح في يوم ما آثراً وتراثاً للناس.

قبل أسابيع قليلة دعا د. مشاري النعيم -في مقالة له- إلى عمل قائمة عاجلة تقوم بها وزارة الثقافة، تحدد فيها تصنيفات التراث العمراني الحديث في المملكة، الذي يشمل الفترة ما بين 1950 – 1990م، متأثراً بقيام أمانة جدة بهدم مسجد له قيمة عمرانية وثقافية كبيرة، معدداً سلسلة من الحوادث المشابهة، حيث لا يوجد نظاماً يمنع ذلك أو يراعي مفهوم التراث الحديث.

دولة الكويت بدأت قبل سنوات بإجراءات حثيثة لتسجيل أبراج الكويت الشهيرة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، وقد نال مؤخراً المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منحة لدراسة الحماية المستدامة لفن تصميم وتنفيذ الأطباق المعدنية لأبراج الكويت. هذه المنحة هي ضمن مبادرة دولية تهتم بالحفاظ على التراث المعماري والعمراني للقرن العشرين. أما في مصر فيتم حالياً الحديث عن رغبتها في تسجيل مبنى المتحف المصري الكبير –قبل أن يتم افتتاحه بعد!- على قائمة التراث المعماري الحديث بالايسيسكو.

في الأمارات أيضا تم هذا العام تأسيس اللجنة الفنية للتراث الحديث تابعة لوزارة الثقافة وهي تهتم بكل المباني والساحات –التي تقع ضمن تعريف التراث العمراني الحديث- التي تم إنشاؤها في الستينيات من القرن الماضي إلى فترة التسعينيات. أما على مستوى المملكة، فهناك مبادرة أهلية في مدينة الخبر الجميلة لحصر المباني التراثية فيها -بحسب مفهوم التراث الحديث طبعاً- تمهيداً للتنسيق مع الجهات الرسمية للتعامل معها باعتبارها تراثاً حديثاً.

اذكر هذا السرد تمهيداً للحديث عن إشكالية تناقضية نواجهها على أرض الواقع في منطقة القطيف كمثال، فهناك عدد من المباني التاريخية –وليس تراثية أو من التراث العمراني الحديث- هي مهددة بالإزالة ولا حامي ظاهر لها حتى الآن، وهي مازالت في وجدان الناس وذاكرتهم، واقصد هنا البيوت المتبقية من قلعة القطيف التي تمت إزالتها سابقاً.

المثال الأخر الأكثر وضوحاً هو قلعة جزيرة تاروت التاريخية التي مازالت تعاني الأهمال والتجاهل على الأرض وأيضا في التوثيق، إذ مازالت هذه القلعة -رغم تاريخيتها- مسجلة لدى هيئة/وزارة السياحة في سجل التراث وليس سجل الآثار!! في حين أن خزان الماء الذي يقبع في وعلى قلب هذه القلعة يزيد عمره عن السبعين عاماً، وهنا اجتماع النقيضين أو الحُسنًيين، إذ مع رغبة الأهالي بإزالة هذا الخزان حماية للقلعة وإبرازاً لمعالمها تمهيدً لإعادة تأهيلها إلا أن هذا الخزان نفسه يمكن إعتباره من التراث العمراني أيضا، ولكن حتى الآن لا القلعة حظيت بما تستحق من اهتمام ورعاية ولا الخزان الذي هو من التراث العمراني أو التراث الحديث –على أقل تقدير- التفت إليه أحد حتى الآن!!

فهل سيكسب التراث الحديث السباق على حساب الآثار والتراث العمراني الذي نرى بعضه يتلاشى أمام أعيننا، أم أن هناك إمكانية لخلق رؤية توفق بينهما ونحن في غمرة البحث عن الفرص السياحية وإبراز الجوانب الثقافية المختلفة للمملكة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى