ads
ads
مايسطرون
2020-08-25
ومضات زينبية

ومضة زينبية (٥): مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً


روى السيّد ابن طاووس: «أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ عليه السلام، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ.

قَالَ: فَغَضِبَ وكَأَنَّهُ هَمَّ بِهَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْث: إِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَالمَرْأَةُ لَا تُؤَاخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا. فَقَالَ لَها ابْنُ زِيَادٍ: لَقَدْ شَفَى الله قَلْبِي مِنْ طَاغِيَتِكِ الحُسَيْنِ وَالْعُصَاةِ المَرَدَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ. فَقَالَتْ: لَعَمْرِي، لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي، فَإِنْ كَانَ هَذَا شِفَاءَكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: هَذِهِ سَجَّاعَةٌ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ سَجَّاعا شَاعِرا.
فَقَالَتْ: يَا بْنَ زِيَادٍ مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةَ».

هذه العبارة تؤكد أنّ السيدة زينب عليها السلام، وهي العالمة العارفة التي تعيش حالات العشق مع الله، حيث ترى كلّ ما يأتي من الله هو الجمال بعينه، ولو كان ما أصابها أقل ممّا جرى لما علا شأنها كما هو حاصل لها، إنّ سرّ صمودها وبقائها لاعتقادها إنّ ما أصابها هو من عند الله، ولا تبحث السيدة زينب عليها السلام مثل باقي الناس عن أمر يصبرها؛ لأنّه عين الجمال لديها.

في هذا الدرس الروحي المميز نتعلّم من السيدة زينب عليها السلام أنّ التسليم لله يجعل الإنسان أكبر وأقوى وأعلى شأنا، إذا ما تقبلنا هذا الأمر بالتسليم له، وبهذا نتوصل إلى أنّ الإنسان عندما يسلّم أنّ ما يقدّر له هو من الله بالتأكيد لن يؤذي مَن حوله، وسيكون مصدر فخر لـمَن حوله، عندما يكون القدوة في التحدي والصبر، فإن الله سبحانه وتعالى لن يخذله، وسيكون مصدر احترام وتقدير للآخر.

ومن نفس النص هنالك درس واضح أنّ التسليم لله لا يعني الضعف والاستسلام، بل أن يكون الصبر معجونا بنفس المقدار من القوة والتحدي بوجه الظالم العاصي لله ولرسوله؛ ليكون مذاق الصبر جميلاً. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴿5﴾ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿6﴾ وَنَرَاهُ قَرِيبً﴾ سورة المعارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى