ads
ads
مايسطرون
2020-08-27

أهداف النهضة الحسينية


                بقلم/ مهدي صليل

ثورة الإمام الحسين(ع) بعظمة أهدافها، وما جرى فيها من أحداث مأساوية دامية على صعيد كربلاء، تعتبر من أعظم ثورات التاريخ تأثيراً وامتداداً، منذ حدوثها و إلى أن تقوم الساعة.

فالحدث ليس عادياً، والمعركة ليست كبقية المعارك التي حدثت في التأريخ، يظهر ذلك من خلال المؤشرات والدلائل التالية:

أولاً:العناية الإلهية

فقد أهبط الله تعالى أبرز ملائكته المقربين إلى الأرض، في مهمة خاصة، تثير التساؤل!!

الأمين جبريل يأخذ قبضة من تراب كربلاء ويقدمها للنبي الأكرم(ص)، ويخبره بما سيجري على الإمام الحسين(ع) بعد خمسين سنة!!

وهو أمر له دلالاته العظيمة، التي تحتاج إلى تأمل وتفكر.

ففي المستدرك على الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث ، إنها دخلت على رسول اللّه (ص)

فقالت : يا رسول اللّه إني رأيت حلماً منكراً الليلة

قال : وما هو؟ قالت : إنه شديد

قال : وما هو؟

قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري!

فقال رسول اللّه (ص) : رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء اللّه غلاماً فيكون في حجرك ، فولدت فاطمة سلام اللّه عليها الحسين (ع) فكان فى حجري كما قال رسول اللّه (ص) ، فدخلت يوما على رسول اللّه (ص) فوضعته فى حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول اللّه (ص) تهريقانمن الدموع!

فقلت : يا نبي اللّه ـ بأبي أنت وأمي ـ مالك؟

قال : أتاني جبريل فأخبرني إن أمتي ستقتل ابني هذا

فقلت : هذا؟

فقال : نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء.

ومن دلائل العناية الإلهية أيضاً، ما نشهده اليوم من تفاعل كبير في إحياء أيام عاشوراء، يندر أن تجد له مثيلاً على مستوى العالم، وهو لطف إلهي خاص بهذه الثورة ومفجرها، حيث جعل له هذه الخاصية على مر العصور والأزمان. عن رسول الله(ص) (إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِيْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لاتَبْرَدُ أَبَدَاً(

ثانياً: العناية النبوية

وقد اهتم النبي الأكرم(ص) بحادثة عاشوراء اهتماماً بالغاً وأشار لها في مناسبات ومواقف متعددة، كي ينبه الأمة إلى أهمية التفاعل مع هذا الحدث العظيم، ويطالب المسلمين برفض الظلم المتمثل في رأس السلطة الأموية آنذاك.

ومن أمثلة عناية رسول الله(ص) بحادثة كربلاء:

1/ الأحاديث التي صرح فيها بالارتباط الوثيق بينه وبين سبطه الشهيد، والإشادة به وتأكيد إمامته،

كقوله(ص):( حسين مني و أنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط) (مكتوب على ساق العرش: إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة)،

(الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا)

2/ البكاء على الحسين(ع) يوم ولادته.

روى الخوارزمي بإسناده عن أسماء قالت: «فلما كان بعد حول من مولد الحسن ولدت الحسين فجاءني النبي (ص)، فقال: يا أسماء هاتي ابني فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى قالت أسماء: فقلت: فداك أبي وأمي، مم بكاؤك؟ قال: على ابني هذا، قلت: انه ولد الساعة، قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي ثم قال: يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا فإنها قريبة عهد بولادته)

3/ إيداع تربة كربلاء عند زوجته أم سلمة.

عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين (ع) يلعبان بين يدي رسول اللّه (ص) في بيتي فنزل جبريل فقال : يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، وأوما بيده إلى الحسين (ع)، فبكى رسول اللّه (ص) وضمه إلى صدره ثم قال رسول اللّه (ص): وضعت عندك هذه التربة فشمها رسول الله(ص)  وقال : ريح كرب وبلاء، وقال : يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً، فاعلمي أن ابني قد قتل فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول : إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم.

ويتبع هذه العناية الإلماح لها من قبل الإمام علي(ع) وهو في طريقه إلى حرب صفين، أي قبل أكثر من عشرين سنة من حادثة كربلاء، فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، بسنده عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، أنه سار مع علي، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات، قلت وماذا؟ قال (ع): دخلت على النبي(ص) ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك إلى أن أُشِمَّكَ من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.

هذه العناية الإلهية الخاصة، ومن بعدها اهتمام النبي وأهل البيت(ص)، تجعلنا ندرك عظمة الحدث، وتدعونا لتفاعل يتجاوز حدود البكاء إلى آفاق الإصلاح والتغيير والتضحية من أجل الأهداف الكبرى للدين.

بيانات  الثورة

لا يحتاج الباحث في الثورة الحسينية إلى كثير عناء لمعرفة منطلقاتها وأهدافها، فقد كان الإمام الحسين(ع) يعلن  أهداف ثورته في كل محطة من محطاتها، ويستثمر الفرص لتوعية أصحابه وتذكيرهم بمبادئ الثورة وأخلاقياتها.

وهذه مقتطفات من كلماته وبياناته الواضحة الجلية:

1/أهل البيت أحق بقيادة الأمة

بدأت أولى كلماته(ع) في رده على والي المدينة الوليد بن عتبة عندما دعاه لبيعة يزيد، حيث قال(ع): (إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ، ومَعدَنِ الرسالَةِ،ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ، وَمَهبطُ الرَّحمَةِ، بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ،ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ، شاربٌ للخَمْرِ، قاتلٌ للنَّفسِ،ومُعْلِنٌ للفِسقِ،فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ)

وفي هذه الكلمة تأكيد على مبدأ الكفاءة في الإدارة والحكم.

2/ وضوح الهدف

في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية:(… وإنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً وَلاَ مُفْسِداً وَلاَظَالِماً؛ وَإنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي مُحَمَّدٍ (ص) أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَسِيرَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع))فالثورة ضد الظلم والظالمين تستهدف الإصلاح، بعيداً عن المصالح الشخصية، أو طلب الرئاسة والحكم.

3/وضوح الرؤية

رسالته(ع) إلى أخيه محمد بن الحنفية وبني هاشم:

(أمّا بعدُ: فإنّ من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح والسلام)

فالشهادة انتصار وعزة وكرامة في نظر الإمام(ع)، ومن لم يوفق للمشاركة في هذه الثورة خسر خسارة كبيرة.

4/الاستعداد للتضحية

خطبته الأولى في مكة المكرمة لإعلان الثورة(خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب الىيوسف، وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويسوكربلا فيملأن منّي أكرُشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجر الصابرين)

فمهما كانت التضحيات، فالإمام(ع) موطن نفسه على الجهاد في سبيل الله.

5/الزهد في الدنيا مصدر قوة

حين اعترضه الحرُّ بن يزيد الرياحيّ في منطقة ذي حُسُم(وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَاسْتَمَرَّتْ حَذَّاءَ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَيالْوَبِيلِ .

 أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لاَيُعْمَلُ بِهِ ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لاَيُتَنَاهَي عَنْهُ ؟! لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَهِ مُحِقّاً ؛ فَإنِّي لاَ أَرَي الْمَوتَ إلاَّ سَعَادَةً ، وَلاَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إلاَّبَرَماً)

ومع وضوح الرؤية و المنطلقات، يكون التهيؤ والاستعداد للعطاء حاضراً مهما بلغت التضحيات، فالقتل عند الإمام الحسين(ع) سعادة، والخنوع للظالمين تعاسة وشقاء.

6/وجوب الثورة على الظالمين

قال لأصحابه وأصحاب الحر بمنطقة البيضة:(أيُّهَا النّاسُ ! إنَّ رَسولَ اللّهِ (ص)قالَ : «مَن رَأى سُلطانا جائِرا ، مُستَحِلّاً لِحُرَم اللّهِ ، ناكِثا لِعَهدِ اللّهِ ، مُخالِفا لِسُنَّةِ رَسولِ اللّهِ ، يَعمَلُ في عِبادِ اللّهِ بِالإِثمِ وَالعُدوانِ ، فَلَم يُغَيِّر عَلَيهِ بِفِعلٍ ولا قَولٍ ، كانَ حَقّا عَلَى اللّهِ أن يُدخِلَهُ مُدخَلَهُ»

ألا وإنَّ هؤُلاءِ قَد لَزِموا طاعَةَ الشَّيطانِ ، وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحمنِ ، وأظهَرُوا الفَسادَ ، وعَطَّلُوا الحُدودَ ، وَاستَأثَروا بِالفَيءِ ، وأحَلّوا حَرامَ اللّهِ ، وحَرَّموا حَلالَهُ ، وأنا أحَقُّ مَن غَيَّرَ)

فهو (ع) ينطلق من واجبه الشرعي، التزاماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا يمكن أن نقرأ الروح المتوقدة، والشجاعة النادرة، والاستعداد اللامتناهي للتضحية والعطاء في سبيل الله.

أهداف الثورة

من خلال بيانات الإمام(ع)، يمكن أن نتعرف على أهداف نهضته المباركة.

أولاً : إعلان الرفض للواقع الفاسد.

ثانياً: السعي للإصلاح والتغيير.

ثالثاً:تأكيد القيم الحقة في واقع الأمة.

فهي ثورة أصيلة في منطلقاتها وأهدافها، أخلاقية في وسائلها، أنموذج في كل تفاصيلها.

ولتأكيد هذه الأهداف وتعزيزها كان الإمام الحسين(ع) يلقي البيان تلو البيان من بدء حركته في المدينة المنورة، مروراً بمكة المكرمة وانتهاء بأرض المواجهة في كربلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى