ads
ads
مايسطرون
2020-08-31

خادم الحسين يرحل في يوم الحسين


ترجع معرفتي بالرادود الحسيني عمار بن عبد الكريم قريش، المشهور بكنيته (أبو سراج)، إلى ما يربو عن خمس وثلاثين سنة، حين التقينا آنذاك في جوار ثامن الأئمة (عليه السلام)، ننهل من نمير العلم ونغترف من معدن الولاية. هذه المعرفة سرعان ما تحولت إلى صحبة طويلة استمرت إلى أيامه الأخيرة. آخر عهدي به قبل نحو شهر في رحلة إلى الصحراء مع الأصحاب.. التقينا وأكلنا وشربنا وضحكنا وتسامرنا، وما كنتُ أدري أنه اللقاء الأخير. بعده داهمه المرض، حتى انتقل إلى رحمة الله راضيًّا مرضيًّا.

رحل في عاشوراء الحسين، في ذكرى ساعة استشهاده، والناس مشغولون بالمصاب الجلل، وما إن وصل خبر وفاته حتى ضجَّت وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف تطبيقاتها، معلنين حزنهم وأَسَاهم رافعين أكفهم بالدعاء له بالرحمة المغفرة، باكين عليه، مصداقًا لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “خَالطوا الناس مُخالطة إن متم معها بَكَوا عليكم، وإن عشتم حَنُّوا إليكم” {شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، 18/ 107}، وقد رُوي : “خَنُّوا” بالخاء المعجمة، من الخنين، وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء، و”إلى” تتعلق بمحذوف، أي حَنُّوا شوقًا إليكم.

أبَّنه كثير من الناس بتعابير مختلفة، تحمل مضمونًا واحدًا هو المحبة والحزن، وما جاء هذا التعاطف الكبير على مستوى المنطقة، بل من خارجها أيضًا ليصل إلى دول أخرى، ما جاء من فراغ، بل من صفات اتصف بها الفقيد (رحمه الله):

1-التزامه الديني، ومواظبته على أداء صلاة الجماعة. يحرص على رفع الأذان بصوتٍ جهوري، وعلى قراءة الأدعية وتعقيبات الصلوات بخشوع. عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: “إن المؤذنين أطولُ الناس أعناقًا يوم القيامة، ولا يُعذَّب في القبر من أَذَّنَ سبع سنين”. {جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، 4/ 613}
و”أطول الناس أعناقًا” لاستشرافهم وتطاولهم إلى رحمة ربهم، على خلاف من وصف الله سوء حاله، فقال: “وَلَو تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِم” {السجدة: 12}.

2- خُلقه الحسن وصفاته الجميلة وعشرته الحلوة؛ تراه باسم الثغر هادئ الطبع جميل المحيَّا، لا يتكلم إلا همسًا، ولا ينطق إلا بخير، حَسن الجوار، واصل الرحم، بَر بأصحابه وأصدقائه. أحبَّ الناس؛ فأحبوه.
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إن من خير رجالكم التَّقي النَّقي السَّمح الكفين، النقي الطرفين، البر بوالديه، ولا يُلجئ عياله إلى غيره”. {ميزان الحكمة، الري شهري، 1/ 845}.

3-خدمته لمجتمعه في جهات عديدة ولجان مختلفة. انضوى في العمل الاجتماعي، فكان لا يتأخر عن صغيرة ولا عن كبيرة، ومجتمعه المحلي (صفوى) يشهد له بهذه الأعمال. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “خيرُ الناسِ مَن نَفع النَّاسَ”. {ميزان الحكمة، الري شهري، 1/ 845}.

4- حَمله لرسالة أهل البيت، فهو قد وظَّف صوته الذي أنعم الله عليه به، ليكون في خدمة الدين وأهل البيت (عليهم السلام)، فأخذ على نفسه إيصال هذه الرسالة إلى مختلف الأماكن مباشرة تارة، وعبر الأثير أخرى.

هذا الرجل المؤمن الموالي المحب لأهل البيت، كانت نفسه ممتلئة بمحبتهم، مفعمة بالشوق إليهم، خاصة المولى الحسين الشهيد (عليه السلام) مصداقًا للحديث الشريف المروي عن فضيل بن عثمان الصيرفي عمن حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “من أراد الله به الخير قذف في قلبه حب الحسين (عليه السلام) وحب زيارته، ومن أراد الله به السوء قذف في قلبه بغض الحسين وبغض زيارته”. {جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، 12/ 384}.

ولم يكتفِ بالمحبة القلبية، بل ترجَّم ذلك في صورة أعمال رسالية. كان يُحيي مناسباتهم في الأفراح والأتراح بصوته العَذب مُنشدًا مادحًا تارة، ومُعزيَّا راثيًّا أخرى، بأبيات تحمل مضامين عالية، تُقرِّب الناس إلى دائرة الإيمان والولاء لأهل البيت، بل تعدَّى ذلك ليؤدي أعمالًا فنية بهية تواكب العصر.

هذه الأعمال (الصوتية والمرئية) التي تُعد بالمئات بل بالآلاف، ينبغي أن تُحفظ تراثًا للفقيد لتبقى صدقة جارية، ينال ثوابها كل حين، بإذن ربه، فيستمر العمل الصالح بعد مماته، كما كان في حياته؛ ومن هنا فإني أقترح أن تُشكَّل لجنة لتحقيق هذا الغرض، وهو نوع من أنواع الوفاء للفقيد.

وفي أيامه الأخيرة ابتلاه الله بالمرض، والمرض خير للمؤمن وليس شرًّا. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “يا علي، أَنينُ المؤمن المريض تسبيحٌ، وصياحُه تهليلٌ، ونومُه على الفراش عبادةٌ، وتقلُّبُه من جنب إلى جنب جهادٌ في سبيل الله…”. {بحار الأنوار، العلامة المجلسي/ 74/ 54}
وعنه (صلى الله عليه وآله): “إذا مرض المسلمُ كتب الله له كأحسن ما كان يعمله في صحته، وتساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر”. {ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص 194}.

أبا سراج ..
أكان رحيلك في يوم الحسين مصادفة؟
أم هو موعد مع الحبيب الذي طالما عبَّرت له عن محبتك بلسانك؟
أم هو لقاء مع المعشوق الذي لا يحلو إلا في يوم العشق؟

اللهم ارزقه شفاعة الحسين (عليه السلام) يوم الورود، وثبِّت له قدم صدق عندك مع الحسين، وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجهم دون الحسين.

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى