ads
ads
مايسطرون
2020-09-03

حوار الأدیان من اللاهوتي إلى الثقافي


تعددت النظریات والتصورات التي تعمل على صیاغة رؤیة ومنظومة مفاهیم في طبیعة العلاقة التي ینبغي أن تكون وتسود بین الغرب كمجال حضاري واقتصادي وسیاسي وبین العالم الإسلامي بكل دوله وشعوبه . إلا أن القاسم المشترك بین هذه النظریات والتصورات المتباینة ، أن الحاجة بین الطرفین متبادلة . فالغرب یحتاجنا لموقعنا الاستراتیجي ولحاجته للطاقة والنفط الموجود في أراضي العالم الإسلامي . كما إننا نحتاج إلى تقنیة وصناعة وتعلیم ومنجزات الغرب المختلفة . فإننا الیوم بدون الغرب ، نعیش حیاة بدائیة وفقیرة ، كما أن حیاة التطور والتقدم في الغرب تحتاج إلى ثرواتنا وسوقنا . وعلیه فإن الحاجة متبادلة ومتداخلة ، لذلك نحن بحاجة إلى صیاغة رؤیة وعلاقة جدیدة ، نتجاوز من خلالها إحن التاریخ وتراكمات عصر الاستعمار ومتوالیاته المتعددة والمتنوعة . نحو حوار جدید بین الغرب والعالم الإسلامي :
ثمة الیوم ضرورات عدیدة، للتفاهم والتواصل الحضاري بین الغرب والعالم الإسلامي.. وذلك لأن وجود فجوات معرفیة وسیاسیة واقتصادیة بین الطرفین، لا یهددهما بوحدهما، وإنما یهدد العالم بأسره.. لذلك هناك ضرورة شاخصة لانطلاق حوار حقیقي بین الغرب والعالم الإسلامي، یستهدف الفهم المتبادل وخلق المساحة المشتركة القادرة على إنجاز مفهوم التفاهم والتواصل الحضاري بین الطرفین.. ووجود أزمات خانقة في العالم الإسلامي، اشترك الغرب في صنعها بشكل أو بآخر، لا یبرر استمرار حالة الجفاء وغیاب أطر الحوار والتفاهم بین الغرب والعالم الإسلامي.
ً
ووجود مآخذ حضاریة عند كل طرف على الآخر، لا یسوغ أیضا غیاب مؤسسات الحوار
والتفاهم بین الطرفین..
والحوار بین الثقافات لا یشترط في كل مراحله وأطواره، وجود انطباق تام في وجهات النظر.
ً
بل على العكس من ذلك تماما، حیث حینما تتعدد المرجعیات المعرفیة، وتتباین التصورات
الثقافیة، وتختلف المواقف السیاسیة والعملیة، تتأكد الحاجة إلى الحوار الذي لا یستهدف
مفتتح :
بالدرجة الأولى إقناع كل طرف بقناعات الآخر، وإنما هو یستهدف الفهم والتفاهم، وخلق مساحة مشتركة للتعاون والتواصل. وعلیه فإن الشرط الأول لنجاح أي حوار وتفاهم بین الغرب والعالم الإسلامي، هو خروج الجمیع من القراءات النمطیة والمبسطة في النظرة إلى الآخر. فلا یمكن اختزال العالم الإسلامي في جملة من المفردات والممارسات التي تعارض في العالم الإسلامي أكثر مما
ً
تعارض في الغرب. وفي المقابل أیضا لا یمكن اختزال الغرب في بعض السیاسات التي لا
تنسجم وحقوقنا ومصالحنا في العالم الإسلامي. فالغرب أوسع ذلك. وعلینا أن نتواصل
ونتحاور مع كل مؤسساته، حتى نتمكن من التأثیر علیه في قضایانا الاستراتیجیة.
فالخروج من الرؤیة النمطیة التي تختزل الإسلام والغرب في قوالب محددة وجاهزة ورتیبة
سواء من قبل بعض المنابر والأقلام في العالم الإسلامي أو الغرب، هو الشرط الضروري
لخلق روافد للحوار بین العالمین الغربي والإسلامي، على أسس من الاحترام المتبادل.
فالنظرة الآحادیة والاختزالیة، تثیر من الهواجس والمشاكل، أكثر مما تعالج وتجیب على نقاط
الاختلاف والافتراق. والقراءة النمطیة تعید إنتاج مآزق التاریخ، أكثر مما تحاول الاستفادة من
دروس التاریخ وعبره وعلیه فإننا نعتقد أن شروط الحوار والتفاهم بین العالمین الغربي
والإسلامي هي الآتیة:
1- الخروج من الرؤى والقراءات النمطیة والاختزالیة والآحادیة، والتفكیر برؤیة شاملة
ًً
موضوعیة في النظر إلى كل القضایا والأمور. سواء المتعلقة بالغرب تاریخا أو حاضرا.
وكذلك بالنسبة إلى الأمور المتعلقة بتاریخ العالم الإسلامي أو راهنه. فإن الحوار الحضاري المطلوب، هو الذي یتجاوز الرؤیة النمطیة، ویتحرر من النزعة الاختزالیة، ویتعامل مع وقائع الحیاة في كلا الجانبین بمنتهى درجات العلمیة والموضوعیة. وهنا ینبغي أن نعترف أن الغرب لا یمكن أن ینخرط في حوار جدي مع العالم الإسلامي بدون التحرر من الرؤیة النمطیة والاختزالیة السائدة لدى شعوب الغرب عن الإسلام والعالم الإسلامي.. كما أن الشعوب الإسلامیة لا یمكنها التفاعل الحضاري مع منجزات الغرب، والانخراط في مشروع الحوار والتواصل الحضاري معه، بدون الانعتاق من كل أشكال الرؤیة النمطیة والاختزالیة التي
یحملها تجاه الغرب.. فلا یمكن أن یتحقق الحوار الصحیح والسلیم بین الغرب والعالم الإسلامي، بدون التحرر من كل الرؤى والأنماط التي تختزل الحیاة والأمم في صور جامدة ومشوهة. من هنا فإن الحاجة ماسة الیوم، لكي یتحرر كل طرف من أوهامه التي یحملها عن الآخر. وبدون هذا التحرر والانعتاق، سیتحول كل حوار إلى حوار طرشان، وكل تواصل إلى
مساجلات أیدلوجیة وحضاریة تزید من الیباس والجمود، وتكرس الرؤى النمطیة والاختزالیة
السائدة في مشهد العلاقة بین الغرب والعالم الإسلامي. ولا یمكن أن یتحقق فعل الخروج
والتحرر من الرؤى النمطیة والاختزالیة، إلا بجهد معرفي – تفكیكي وحقیقي، یتجه إلى مساءلة
ً
ونقد السائد على هذا الصعید، وإرادة سیاسیة حقیقیة تستهدف نسج علاقة حقیقیة بعیدا عن
نزعات التسلط والهیمنة أو ضغوطات السیاسة والتبعیة. 2- الخروج من عبء التاریخ: لعلنا لا نأتي بجدید، حین القول إن تاریخ العلاقة بین العالم الغربي والعالم الإسلامي مليء بالصراعات والحروب وأشكال اللا ثقة. لذلك فإن تاریخ العلاقة بین الطرفین، یشكل وبعمق
ًً عبئا حقیقیا على كلا الطرفین.. فالعالم الإسلامي الیوم في نظرته إلى الغرب یتأثر وتتحكم فیه
العوامل التاریخیة، أكثر مما تؤثر علیه متطلبات الراهن. كما أن الغرب بكل علمانیته
ً
ومؤسساته الدستوریة وتقدمه العلمي والتكنولوجي، إلا أنه أیضا لم یتحرر بشكل كامل من
عبء التاریخ فیما یرتبط ونظرته إلى الإسلام وعلاقته السیاسیة والاقتصادیة والأمنیة بالعالم الإسلامي.. لذلك فإننا نعتقد أنه لا یمكن أن ینجز الحوار الحضاري بین الطرفین بدون التحرر من عبء التاریخ.. والتحرر هنا لا یعني النسیان أو التناسي، وإنما یعني وببساطة أن هناك مصالح قائمة الیوم، لا یمكن القبض علیها بدون فتح قنوات للحوار الجدي بین العالمین الغربي والإسلامي.. وفي تقدیرنا أن فعالیة كل حوار وتواصل على هذا الصعید، مرهون إلى حد بعید على قدرة الجمیع من التحرر من عبء التاریخ.. فالانحباس في سجلات العلاقة التاریخیة، لن یفضي إلا إلى المزید من سوء الظن وسوء التفاهم. لذلك فبمقدار التحرر من عبء التاریخ یتمكن العالمان
ً
الغربي والإسلامي من صیاغة علاقة جدیدة بعیدا عن إحن التاریخ وضغوطات السیاسة.
فالمطلوب صیاغة العلاقة وفق مصالح استراتیجیة راهنة، لا تنحبس في التاریخ الصراعي
للطرفین.
3- إنهاء الفجوات المعرفیة بین الطرفین.. حیث إن طبیعة العلاقة بین العالمین الغربي
والإسلامي، تكتنفها بعض العناصر الغامضة من الطرفین.. والسبب في ذلك یعود في تقدیرنا
إلى وجود فجوة معرفیة بین الطرفین.. فلا الغرب بعلمائه ومؤسساته البحثیة ومعاهده العلمیة،
یمتلك رؤیة معرفیة متكاملة عن عالم الإسلام والمسلمین، مما یفضي إلى سوء الفهم لبعض
ً
الممارسات وشیوع حالة من الالتباس سواء على صعید المعرفة أو التقویم.. وفي المقابل أیضا
ً
هناك تقصیر معرفي حقیقي من قبل المسلمین في نظرتهم ومعرفتهم بالغرب تاریخا وحضارة.
لذلك فإن تطویر مستوى الحوار الحضاري بین الغرب والعالم الإسلامي، یقتضي العمل على
إنهاء وسد الفجوات المعرفیة بین الطرفین.. وذلك عبر تأسیس مراكز البحث والدراسة المتخصصة بشؤون الطرفین.. فلماذا لا تنشأ في بلاد المسلمین معاهد ومراكز أبحاث جادة ومتخصصة في شؤون الغرب. كما أن الدول الغربیة مطالبة عبر معاهدها العلمیة ومؤسساتها البحثیة والدراسیة إلى تطویر معرفتها بالإسلام والمسلمین.. وذلك لأن المعرفة العمیقة
المتبادلة، هي أحد الشروط الأساسیة لنجاح أي مشروع حواري بین الغرب والعالم الإسلامي. فالساحة الدولیة الیوم، بحاجة إلى خطوة جریئة وشجاعة، لإطلاق مشروع حوار جاد وحقیقي، بین العالم الإسلامي والغرب، قوامه ) نبذ القراءات النمطیة والاختزالیة المتبادلة والتحرر من عبء التاریخ وتطویر المعرفة العلمیة والموضوعیة المتبادلة(. وذلك من أجل إنهاء جملة من التوترات التي تكتنف هذه العلاقة، وتؤثر بشكل مباشر على مشهد العلاقات الدولیة بكل
مستویاتها. فاللحظة الراهنة بكل تحدیاتها وآفاقها، تقتضي إطلاق مشروع حواري جاد وجدید بین الغرب والعالم الإسلامي، یساهم في بلورة أسس جدیدة للعلاقة نتجاوز من خلالها ارث التاریخ وصعوبات الراهن وهواجسه. رؤیة الإسلام للحوار الدیني : لا شك أن ما سمي في مدونات المؤرخین بصحیفة المدینة ، وهي نص العقد والاتفاق الذي أبرمه الرسول ) ص ( مع مكونات وتعبیرات مجتمع المدینة آنذاك ، یعد من النصوص التأسیسیة التي توضح بشكل لا لبس فیه طبیعة العلاقة القائمة ، أو التي ینبغي أن تقوم بین مختلف المكونات الدینیة والقومیة للاجتماع السیاسي الإسلامي . فهو ) أي النص ( ” یكشف عن النوایا الحقیقیة للإسلام الذي أقدم لأول مرة في التاریخ الحضاري على إنشاء مجتمع واحد مختلط ) وطني وسیاسي ومدني ( حیث یقوم الناس على اختلاف أدیانهم بمسؤولیات واحدة في حیاتهم الدنیا” ) 1 ( . ولقد استنبط العلماء والفقهاء هذه الحقیقة الدستوریة والقانونیة والسیاسیة من المقولة الواردة في صحیفة المدینة ] لهم مالنا ، وعلیهم ما علینا [. فالحقوق كلها متساویة كما الواجبات . فالاختلافات الدینیة أو السیاسیة لا تشرع للتمییز ، بل تؤكد على ضرورة المساواة وتكافؤ الفرص . لذلك فإن العلاقة التي تؤسسها صحیفة المدینة ، هي علاقة المساواة والتكافؤ ونبذ كل أشكال التمییز والتهمیش . فلقد جاء في الوثیقة ] إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قریش على ربعتهم ، یتعاقلون بینهم ، وهم یفدون عانیهم بالمعروف ، والقسط ، بین المؤمنین . وبنو عوف على ربعتهم ، یتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانیها بالمعروف ، والقسط ، بین
المؤمنین . وبنو الحرث على ربعتهم ، وبنو ساعدة على ربعتهم ، وبنو جشم على ربعتهم ، وبنو النجار ، وبنو عمرو بن عوف ، وبنو النبیت ، وبنو أوس وإن المؤمنین لا یتركون مفرحا بینهم . وإن یعطوه بالمعروف في فداء أو عقل [ ) 2 ( . وفي الإطار الدیني فإننا نعتقد أن الحوار بین الإسلام والمسیحیة لم ینقطع منذ بزوغ فجر الإسلام . ولقد اتخذ هذا الحوار أشكالا متعددة وموضوعات مختلفة . فتارة یكون الحوار ذا طابع لاهوتي – عقدي ، یعنى بشؤون الربوبیة والوجود والآخرة وما أشبه ، وتارة أخرى یناقش قضایا معاصرة تهم الإنسان والمجتمعات المعاصرة . ” وقد تجلى هذا الحوار أول تجلیاته في القرآن الكریم ، وكان ذا اتجاهین : أحدهما ، یتمثل في دعوة المسیحیة إلى الإیمان به ، باعتناقه والاعتراف له بأنه یمثل الكلمة الأخیرة والكاملة في التاریخ الدیني للإنسانیة . وثانیهما ، یتمثل في دعوة المسیحیة – إذا رفضت الإیمان به – إلى التعایش معه بعد الاعتراف به . إذ لا یمكن التعایش مع الرفض والإنكار المطلق “) 3 ( . فالرؤیة القرآنیة لا تفرق بین أنبیاء االله تعالى ، وتعتبرهم جمیعا في قافلة واحدة ، وهي قافلة الإیمان والهدى . یقول تبارك وتعالى ] آمن الرسول بما أنزل إلیه من ربه والمؤمنون كل آمن باالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بین أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإلیك المصیر[ ) 4 ( . وكل الرسالات السماویة تشترك في الدعوة إلى العدالة وسیادة قیمها ومتطلباتها في الواقع الإنساني . قال تعالى ] شرع لكم من الدین ما وصى به نوحا والذي أحوینا إلیك وما وصینا به إبراهیم وموسى وعیسى أن أقیموا الدین ولا تتفرقوا فیه كبر على المشركین ما تدعوهم إلیه االله یجتبي إلیه من یشاء ویهدي إلیه من ینیب ، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغیا بینهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بینهم وإن الذین أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مریب [ ) 5 ( . ووجه القرآن الحكیم إلى أهل الكتاب ، نداء التعاون على مقاومة الظلم ونصرة الحق وإقامة العدل . قال تبارك وتعالى ] قل یا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بیننا وبینكم ألا نعبد إلا االله ولا نشرك به شیئا ولا یتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون االله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ ) 6 ( . فـ ” الموقف الأساس في الإسلام من الإنسان هو التكریم ، بصرف النظر عن أي انتماء من الانتماءات . قال تعالى ] ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلا [ ) 7 ( . والتكریم الإلهي للإنسان نابع من السر الإلهي في الإنسان أنه نفخة من روح االله : ] فإذا سویته ونفخت فیه من روحي فقعوا له
ساجدین [ ) 8 ( . ] ثم سواه ونفخ فیه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قلیلا ما تشكرون [ ) 9 ( . وهو الذي اقتضى سجود الملائكة له . ومهمة الإنسان على الأرض هي أنه خلیفة االله . فهذا الإنسان المكرم هو خلیفة االله في الأرض : ] وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خلیفة قالوا أتجعل فیها من یفسد فیها ویسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [ ) 10 ( . إن هدف الخلق الأول للإنسان هو أن یكون خلیفة االله للإعمار وللوصول إلى التكامل الروحي ” ) 11 ( . وعلیه فإن تاریخ الإیمان وفق الرؤیة الإسلامیة تاریخ واحد ، وأن تجلیات الإیمان على ألسنة الرسل والأنبیاء هي تجلیات لحقیقة واحدة لا تفاوت في جوهرها ، وإنما تتفاوت في سعتها وفي عمقها وفي إجمالها وفي تفصیلها . والسؤال الذي یطرح هنا هو : كیف نظر القرآن الحكیم لأهل الكتاب . بالإمكان الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط التالیة :
ّ
1- إن الذكر الحكیم علم المسلم أن أهل الكتاب ، هم سلفه في الإیمان الإبراهیمي ، وأن بینه
وبینهم قرابة المشاركة في هذا الإیمان ، وإن إیمانهم جزء مقوم لإیمانه الإسلامي . قال تعالى ] قولوا آمنا باالله وما أنزل إلینا وما أنزل إلى إبراهیم وإسماعیل وإسحاق ویعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعیسى وما أوتي النبیون من ربهم لا نفرق بین أحد منهم ونحن له مسلمون [ )
12 ( . 2- وعلى أساس الإیمان الجامع ، وجه القرآن الحكیم المسلمین إلى الجامع التوحیدي نحو أهل الكتاب . قال تعالى ] قل یا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بیننا وبینكم ألا نعبد إلا االله ولا نشرك به شیئا ولا یتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون االله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ ) 13 ( . 3- التعامل والتحدث معهم باحترام وتقدیر ، ولعل في تسمیتهم بأهل الكتاب ، للتأكید على القرابة الروحیة والإیمانیة ، ما یشیر إلى هذه الحقیقة ویؤكد علیها ، وصنفهم الذكر الحكیم إلى قسمین : منهم من استقام ، ومنهم من انحرف . قال تعالى ] لیسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة یتلون آیات االله آناء اللیل وهم یسجدون ، یؤمنون باالله والیوم الآخر ویأمرون بالمعروف وینهون عن المنكر ویسارعون في الخیرات وأولئك من الصالحین [ ) 14 ( . وهذا النقد الذي مارسه القرآن الحكیم تجاه أهل الكتاب للاختلاف العقدي ، لم ینعكس على التشریع الاجتماعي والسیاسي . بل أكد القرآن الحكیم على مبدأ الاستقلال التشریعي لأهل الكتاب في جمیع شؤونهم وأحوالهم . قال تعالى ] ولیحكم أهل الإنجیل بما أنزل االله فیه ومن لم
یحكم بما أنزل االله فأولئك هم الفاسقون ، وأنزلنا إلیك الكتاب بالحق مصدقا لما بین یدیه من الكتاب ومهیمنا علیه فاحكم بینهم بما أنزل االله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء االله لجعلكم أمة واحدة ولكن لیبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا
الخیرات إلى االله مرجعكم جمیعا فینبئكم بما كنتم فیه تختلفون [ ) 15 ( . وبالتالي فإن الاختلاف العقدي ، لم یفضي إلى إلغاء شخصیتهم الثقافیة بل على العكس تماما . حیث أن صیانة مبدأ الاستقلال التشریعي ، قاد بدوره إلى استقلال الشخصیة الثقافیة وحریة ممارسة العبادة وكل الطقوس الدینیة والشعائریة . بل إن القرآن الكریم وفي سورة كاملة ) سورة البروج ( ، خلد ذكر شهداء نصارى نجران ، وعبر عنهم بالمؤمنین ومدحهم . فقال عز من قائل ] قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم علیها قعود ، وهم على ما یفعلون بالمؤمنین شهود ، وما نقموا منهم إلا أن یؤمنوا باالله العزیز الحمید ، الذي له ملك السماوات والأرض واالله على كل شيء شهید ، إن الذین فتنوا المؤمنین والمؤمنات ثم لم یتوبوا فلهم
عذاب جهنم ولهم عذاب الحریق [ ) 16 (. وفي سورة الروم تسجیل صریح وواضح لتعاطف المسلمین مع المسیحیین في مواجهتهم وصراعهم مع المجوس الذین اعتبرهم مشركو مكة أقرباء روحیین لهم ، في مقابل اعتبار النصارى أقرباء روحیین للمسلمین . قال تعالى ] ألم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سیغلبون ، في بضع سنین الله الأمر من قبل ومن بعد ویومئذ یفرح المؤمنون [ ) 17 ( . فالرؤیة الإسلامیة والتجربة التاریخیة الإسلامیة الأولى ، كلها مضامین وحقائق ، تؤكد قیم الشراكة والاحترام المتبادل بین أهل الدیانات التوحیدیة الكبرى . ولكن ولعوامل سیاسیة واجتماعیة وثقافیة ، نتجت ظواهر مضادة لتلك الحقائق والمضامین الثابتة . الحوار وأسس التفاهم المدني : من هنا ومن أجل إزالة رواسب التاریخ وتجاوز حقب الإلغاء والإقصاء المتبادلین ، نحن بحاجة على صعید الحوار بین الأدیان ، الانتقال من سیاق الحوارات ذات الطبیعة اللاهوتیة ، التي لا تضیف إلا تأكید كل طرف على أن مضامینه الدینیة والفلسفیة والروحیة تتسع وتحترم الآخر المختلف في العقیدة والدین . بینما الحاجة ماسة الیوم إلى الحوارات الثقافیة ، التي تعمل في اتجاهین في وقت واحد . الاتجاه الأول : هو تنقیة الفضاء الثقافي والاجتماعي والسیاسي ، من كل رواسب الحروب وعملیات الإقصاء . وهذا لا یتأتى إلا بحوارات ثقافیة عمیقة وصریحة ، بحیث أن كل طرف ، یمارس نقدا صریحا وعمیقا لبنیته الثقافیة على هذا الصعید . وإنه آن الأوان لردم الفجوة
على الصعید الفكري والثقافي ، بالمزید من الحوارات التي تستهدف صیاغة الوعي الجدید في طبیعة العلاقة مع ظاهرة التعددیة الدینیة . والاتجاه الآخر : هو العمل على بناء حقائق ثقافیة واجتماعیة وسیاسیة جدیدة ، تنقل الحوار من بعده اللاهوتي المغلق إلى آفاق الإنسان فردا وجماعة من أجل المساهمة في خلق نظام إنساني – عالمي أكثر عدالة وحریة ومساواة . وهذا یتطلب وعیا تواصلیا ، وحوارا حرا وشفافا من أجل بلورة كیفیة الانخراط في مشروع الحداثة واستیعاب عناصرها الأساسیة . فالحضارة وهي أعقد ظاهرة سوسیو – تاریخیة خلقها الإنسان ، لا یمكن حصرها في قوم أو أمة أو ثقافة ، فهي نتاج تراكم تاریخي اشتركت جمیع الثقافات والأمم والأقوام بنسب متفاوتة في خلقها وبناءها . فالیوم لا توجد حضارات متعاصرة ، بل حضارة إنسانیة واحدة ، وبمقدار تقدم الأمم والشعوب في مختلف المستویات ، یكون نصیبها وموقعها في الحضارة المعاصرة . وإننا نعتقد أن العمل على اكتشاف وتظهیر الینابیع الإنسانیة العمیقة لكل الأدیان السماویة ، سیساهم بشكل كبیر في بلورة خیارات إنسانیة أكثر عدلا ومساواة وحریة للبشریة جمعاء . وإن كل محاولات الإنحباس دون البعد والروح الإنسانیة ، سیكلف البشریة الكثیر من العناء والشقاء . فالمجتمعات الإنسانیة الیوم ، تحتاج إلى الدین في بعده الإنساني والأخلاقي والروحي ، وإن الانكفاء دون تجلیة وتظهیر هذه الأبعاد من الأدیان السماویة ، یعني المزید من الحروب والصراعات المفتوحة ، والدمار الذي یهدد الإنسان فردا وجماعة في أمنه وكرامته وضرورات عیشه . لذلك فإن المهمة الأساس في مشروع حوار الأدیان ، لیس الدخول في نفق السجالات اللاهوتیة والأیدلوجیة ، وإنما العمل على تظهیر كل القیم الإنسانیة والحضاریة التي تختزنها الأدیان السماویة ، وإعمال العقل وإطلاق حریة التفكیر من أجل بناء نظام علاقات بین مختلف المجموعات الدینیة ، على قاعدة العدل والحریة وحقوق الإنسان . فالانتماء الدیني لیس مدعاة للانتقاص من حقوق الإنسان أو فرصة للتقلیل من حقائق ومتطلبات العدل والحریة . فالحقوق مصانة للجمیع ، والفرص متاحة للجمیع ، بصرف النظر عن الدین أو العرق أو القومیة . فالتواصل بین المختلفین والمتغایرین دینیا ، لا یتم عبر العقائد واللاهوت ، وإنما عبر الثقافة التي تدفع جمیع المكونات إلى الحوار والتفاهم ونسج المشتركات وتنمیتها . لذلك نجد القرآن الحكیم ، حینما یحثنا إلى الحوار والتواصل مع أهل الكتاب ، یؤكد على كلمة سواء ، وهي
عبارة عن المشتركات والجوامع التي تجمعنا مع الآخرین . فالحوار لا یعني مغادرة موقعك الدیني أو الفكري ، وإنما یعني اكتشاف المساحات المشتركة والانطلاق للعمل معا منها . وإننا هنا لا ننفي أهمیة الحوارات الأیدلوجیة واللاهوتیة في تظهیر المشتركات ، وإنما ما نود قوله وتوضیحه إن الحوارات الثقافیة المستدیمة بین المختلفین والمتغایرین ، هي البوابة السلیمة للانخراط في مشروع الحوارات الأیدلوجیة . فالحوارات الثقافیة وما تخلقها من مشتركات وبیئة حاضنة ومؤاتیة ، هي التي تهیئ الأرضیة لنجاح أي حوار دیني وأیدلوجي . فالحوارات الثقافیة هي القادرة على صیاغة راهن العلاقة بین كل الثقافات والوجودات الاجتماعیة على أسس العدالة والاحترام المتبادل. أما الحوارات الأیدلوجیة فهي تستهدف بالدرجة الأولى التعریف المتبادل للعقائد وتظهیر الجوامع المشتركة على هذا الصعید . وعلى هذا فإن كل الحوارات بكل مستویاتها مطلوبة ، إلا أن المدخل الإیجابي لكي تؤتي هذه الحوارات ثمارها الإیجابیة ، هي أن تبدأ الحوارات في بعدها الثقافي ، وذلك لتفكیك كل عقد الراهن ، والانطلاق من خلو الراهن من عقد مستعصیة إلى الحوارات في جوانبها وأبعادها الأخرى . ولعل في الآیة القرآنیة التالیة ، إشارة إلى أن الجدل الأیدلوجي المجرد من طبیعته ، أن یصر كل طرف على موقفه وقناعاته ، دون التفكیر في صناعة وتوسیع المساحات المشتركة . إذ یقول تبارك وتعالى ] وقالوا لن یدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانیهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقین ، بلى من أسلم وجهه الله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف علیهم ولا هم یحزنون ، وقالت الیهود لیست النصارى على شيء وقالت النصارى لیست الیهود على شيء وهم یتلون الكتاب كذلك قال الذین لا یعلمون مثل قولهم فاالله یحكم بینهم یوم القیامة فیما كانوا فیه یختلفون [ ) 18 ( . وبالتالي فإن نجاح الحوار في مختلف دوائره ، لیست رغبة مجردة ومعطى مفصول عن التخطیط والإرادة والحكمة . بل هي عملیة خلق متواصل لكل الحقائق والوقائع ، التي تؤكد على التواصل والقبول بالتعددیة وأسس العیش المشترك . فالحوار هو من أجل إنقاذ الراهن من أمراض الظلم والاستبداد وسیطرة المادیة المتوحشة ، وبناء المستقبل بعیدا عن كل أسباب وموجبات الانحدار الأخلاقي والسیاسي والروحي . و ” ما یجب أن یكون مساهمة جوهریة في الوصول إلى الحوار بین الأدیان إنما هو البحث في التاریخ الذي أدى في كل من التراثات إلى الموقف المعاصر من التعدد في الحقل الاجتماعي . إلى جانب التنبه المناسب للسؤال عن المقاییس التي نستخدمها بهذا الصدد في تحلیل تاریخنا وتاریخ التراثات الأخرى ، من المهم ، للنجاح في هذا العمل ، اتباع المراحل التالیة :
في المرحلة الأولى یجب تعمیق الاختبار في إیماننا وتفكیرنا ، هذا الاختبار الذي نقوم به في الحوار مع تاریخنا الخاص وفي اللقاء مع الثقافات الأخرى . نستعمل لهذا مقاییس وشروطا معینة ، یجدر التقید بها عندما نعالج الأمور من الداخل ، من تساؤلاتنا اللاهوتیة . إنه إلى حد
ما التوتر بین علم الأدیان وربما أیضا الفلسفة من جهة ، واللاهوت من جهة أخرى . الناحیة الثانیة التي یجدر أن تستأثر باهتمامنا هي ناحیة العلمنة . كل ما هو ممكن الیوم في عالمنا المتعدد بالنسبة إلى العیش معا بسلام ، وحتى اجتماع من هذا النوع ، لم یصر ممكنا إلا بفضل نظام حقوقي دولي نما مع ما ندعوه العلمانیة ، التي تحملنا ، مع كل الاختلافات في
المواقف ، على الابتعاد عن محاربة أحدنا الآخر ، بل ترغمنا على ذلك . العنصر الثالث هو حریة الفكر ، التي لا بد منها للتمكن من التفكیر بالحقیقة في شروط محدودة . نملك في تراثنا الجامعات ، التي یصح أن نصفها بأنها ) أماكن حریة الفكر ( ، بما في ذلك
اللاهوت كمادة جامعیة ” ) 19 ( . والعلمنة المطروحة في النص أعلاه ، لا تعني الانحلال الأخلاقي واستغلال المرأة أو كل المظاهر المریبة اجتماعیا وأخلاقیا ، وإنما تعني ضرورة وجود حیز حر من التفكیر المتحرر من الخوف ، وبناء علاقات اجتماعیة وإنسانیة على قاعدة المشترك الإنساني والوطني ، ولیس على قاعدة التمایز الدیني أو العرقي أو ما أشبه ذلك . ولا یمكن تعمیق أسس التفاهم المدني ، إلا بشیوع وتعمیق ثقافة الحریة وحقوق الإنسان والتسامح في الفضاء الاجتماعي والإنساني . فالثقافات المدنیة تقتضي توسیع مساحة المشترك على قاعدة الحوار والحریة والأسئلة النقدیة التي تساءل الواقع ، وتعمل على فحصه وصولا إلى تظهیر كل المضامین الحضاریة والإنسانیة للقیم والمبادئ والمثل العلیا . لهذا یقول ) أندراوس بشته ( ” إنه مهم جدا أن لا نعزل وضع جماعتنا الدینیة والجماعات الدینیة الأخرى لننظر إلیها في ذاتها ، بل یجب السعي إلى فهمها في الإطار الاجتماعي الثقافي الذي تحیا فیه ، لمعرفة تطوراتها التاریخیة . فهل نأخذ هذا الأمر بالاعتبار بشكل كا ٍف أیضا في الحوار المسیحي – الإسلامي ، وذلك بما نقوم به من جهود كبیرة للوصول إلى وصف تاریخي موضوعي ، وتصحیحات مناسبة لتصور الآخر في كتب الدراسة وفي معطیات الثقافة العامة لشبیبة الیوم ” ) 20 ( . فإعادة صوغ العلاقة بین أهل الدیانات التوحیدیة الكبرى ، على أسس العدالة ونبذ الظلم ومحاربة الاستئثار بكل صوره ، سیساهم في إرساء معالم السلام في المشهد العالمي . وذلك لأنه ) على حد تعبیر عالم اللاهوت الألماني هانز كونج ( ” لن یكون هناك سلام بین الأمم ما لم یكن هناك سلام بین الأدیان ، ولن یكون هناك سلام بین الأدیان ما لم یكن هناك حوار بین الأدیان ” .
إننا نعتقد بأهمیة أن تتجه حوارات الأدیان ، إلى بیان وتعمیق أسس التفاهم المدني بین البشر . فالقیم الدینیة الكبرى في كل الأدیان ، تكون عامل إثراء وتعزیز لكل تفاهم وتعایش بین بني الإنسان . ولكي تكون الحوارات الدینیة جسرا لتعمیق أسس التفاهم المدني بین الأمم
والمجتمعات الإنسانیة ، من الضروري التأكید على النقاط التالیة : 1- ضرورة العمل على تفكیك كل الأنماط والتصورات النمطیة التي یحملها كل طرف عن الآخر . فلا یمكن تطویر مستوى الحوار ، وإیصاله إلى مستویات متقدمة من التفاهم المتبادل ، إلا بخروج الجمیع من كل التصورات الجامدة والنمطیة ، والتي تبلورت في عصور الصراع والجهل المتبادل . فالقوالب الذهنیة والثقافیة الجامدة والنمطیة ، هي أحد المعوقات الأساسیة التي تحول دون تطور حوار الأدیان في الحقبة الراهنة . والخروج من الرؤیة النمطیة ، لا یعني نفي التاریخ أو تجاهل أحداثه وملابساته ، وإنما خلق الوعي الذي یكفل للجمیع عدم الخضوع لمقتضیات القول والرؤیة النمطیة ، التي هي بشكل أو بآخر ولیدة لحظة تاریخیة ذات التباسات عدیدة . ولعلنا لسنا بحاجة إلى نبش التاریخ ، لمعرفة المصادر التاریخیة والدینیة والاجتماعیة ، التي ساهمت في خلق الرؤیة النمطیة والجامدة تجاه الإسلام كدین والمسلمین كمجتمع وثقافة ، وإنما الذي یهمنا في هذا الصدد هو : إن مقتضى الحوار بین الأدیان ، یتطلب الانعتاق من كل الصور والانطباعات والنماذج التاریخیة ، التي تشكلت بین أهل الأدیان ، وهي صور وانطباعات أقل ما یقال عنها أنها انتقائیة وولیدة ظروف خاصة . 2- من الأهمیة بمكان أن تخرج حوارات الأدیان ، من طابع السجالات الأیدلوجیة واللاهوتیة ، وتتجه بتركیز صوب البحث عن أشكال وصیغ التعایش بین أهل الدیانات التوحیدیة الكبرى . إذ أن الحاجة الإنسانیة الملحة الیوم ، هي الوصول إلى صیغ للتفاهم والتعایش بین مختلف المكونات والتعبیرات . وإن المؤتمرات والحوارات ینبغي أن تلتفت إلى هذه الحاجة ، وتعمل عبر برامجها وأطرها المختلفة ، للبحث العمیق والمتواصل في صیغ تتجاوز فیها البشریة ، خطر التعصب والإرهاب ، وتؤسس لحالة إنسانیة جدیدة ، قوامها التعایش على قاعدة الاحترام المتبادل . و ” إن قوة الاتصالات بالعالم المعاصر ، ستفتح آفاقا وإمكانات عریضة لإدراك التقالید الدینیة المغایرة ، الأمر الذي یجعل حوار الإسلام الجدي مع الدیانات الأخرى في منتهى الأهمیة والضرورة . ولهذا فإن مفكري الشرق الدینیین الأكثر عمقا وإطلاعا یدركون بصورة أكبر فأكبر ، أن بلوغ تدین أكثر ملاءمة واتساقا مع الظروف العصریة الراهنة ، یمكن أن یحدث فقط في شروط تؤمن التحرر من الكراهیة الطائفیة والشعور بالتفوق والتمیز ” ) 21 ( .
3- لكي تمارس الأدیان دورها ووظیفتها في دعم قیم السلام والوئام والتنمیة في المجتمعات الإنسانیة ، من الضروري الاهتمام بالبعد الروحي للأدیان ، والعمل على إبراز هذا الجانب ، وكل التجارب الروحیة للأفراد . وذلك لأن هذه التجارب ، والقیم الروحیة التي تقف وراءها ، تساهم بشكل أساسي في تصحیح العدید من التصرفات والممارسات ، وتضبط نزعات
الاستئثار والمیل نحو استخدام القوة الغاشمة ضد المختلف والمغایر . إننا ومن أجل إثراء الواقع الإنساني ، بحاجة إلى تجلیة البعد الروحي للأدیان السماویة . وذلك من أجل أن تمارس هذه القیم دورها ووظیفتها في الفضاء الإنساني بكل مستویاته ودوائره . وجماع القول : إننا نعتقد وبشكل عمیق أن الاهتمام بحوار الأدیان وتطویر موضوعاته ونقلها ، من حقل الأیدلوجیا واللاهوت إلى حقل الثقافة والإنسان ، سیساهم في رفد الإنسانیة جمعاء بالكثیر من القیم والمبادئ والتجارب الروحیة ، التي تحد من غلواء وتوحش المادة ، وصولا إلى بناء إنساني أكثر توازنا وبعدا عن نزعات الطغیان والاستبداد والهیمنة . الدین والإنسان .. أیة علاقة : ثمة علاقة عمیقة وصمیمیة تربط الأدیان التوحیدیة الكبرى في نصوصها التأسیسیة بالإنسان . إذ أن كل التشریعات الدینیة تتجه إلى الإنسان موضوعا وغایة . وحتى في الحقب التاریخیة واللحظات الزمنیة التي تراجع فیها موقع الدین في الحیاة العامة ، فإن السعي والكدح الذي یبذله المتدینون أفرادا وجماعات ، یتجه إلى إعادة الإنسان إلى االله ، بصرف النظر عن طبیعة القضایا الجزئیة والتفصیلیة التي تتمایز من دین لآخر فیما یرتبط وتجسید الوجدان الدیني في حیاة الإنسان الخاصة والعامة . وبمقدار ما ینفتح علماء الأدیان ومتخصصیه على القیم والمبادئ الكبرى التي صاغتها النصوص التأسیسیة للأدیان ، بذات القدر یتم الانفتاح على الإنسان وقضایاه الملحة . لذلك فإننا نعتقد أن الخطوة الأولى في مشروع صیاغة رؤیة ومشروع ودور الدین في بناء الإنسان ، تتجسد في انفتاحنا وتواصلنا مع النصوص التأسیسیة للأدیان التوحیدیة ، التي تختزن مضامین إنسانیة سامیة . وذلك لأن استغراقنا في القضایا اللاهوتیة مع أهمیة بحثها والتحاور بشأنها ، إلا أنها تنتمي إلى حقل غیر الحقل الذي ینبغي أن نبحث عن دور الدین في بناء الإنسان . فالحقل الثقافي الذي یتواصل بفعالیة مع القیم والخیارات الكبرى للأدیان ، هو الحقل والمدى الفكري والإنساني الذي یوصلنا إلى بلورة وصیاغة رؤیة مشتركة لدور ووظیفة الدین في بناء الإنسان . ولعلنا لا نأت بجدید حین القول في هذا الصدد ، أن نقل الحوار بین الأدیان من دائرة اللاهوت إلى دائرة الثقافة بكل أبعادها ، هو الذي یضمن للجمیع حوارا معاصرا وبعیدا عن كل العناوین
والقضایا التي تم تجاوزها من قبل كل المجتمعات والأمم . فالتفكیر في القضایا البائدة ، والتي لا أثر ملموس لها في حیاة الإنسان المعاصر ، یعرقل مهمة الدین في بناء الإنسان في مختلف الأبعاد والجوانب . لذلك ثمة ضرورة دینیة وحضاریة لإثارة القضایا والعناوین التي لها مدخلیة مباشرة في حیاة الإنسان المعاصر ، ونبحث جمیعا من مختلف مواقعنا لصیاغة رؤیة تفید حاضر الإنسان ومستقبله . وهذا بطبیعة الحال لا ینفي أهمیة أن تتضح رؤیتنا وفهمنا للآخر الدیني ، ولكننا نود أن نقول أن وضوح الرؤیة والفهم للآخر تبدأ من إثارة القضایا الإنسانیة المعاصرة والملحة ، والبحث عن إجابات وحلول على قاعدة الفهم والتواصل المتجدد للقیم والمبادئ الدینیة . بحیث تتحرك كل الامكانات والقدرات لحمایة الإنسان وصیانة حقوقه
ومكتسباته بصرف النظر عن انتماءه الدیني . وإذا كنا نتحسس من بعضنا البعض في دوائر الدعوة أو التبشیر فإن التزامنا بالإنسان مطلقا وبقضایاه الملحة هو الذي یوفر الجوامع المشتركة ویدفعنا باتجاه العمل المتعدد الجوانب بما یفید حیاتنا المعاصرة . وفي سیاق بیان دور الأدیان في بناء الإنسان ، نود أن نثیر الكلمات التالیة : 1- الكلمة الأولى : حین تفقد الأمة ) أیة أمة ( شخصیتها فلیس بینها وبین نهایتها إلا خطوة واحدة ، وإن شخصیة الأمة هي روحها الجماعیة التي یستوحي منها كل فرد من أبنائها العزیمة والأمل حین یعشق الفلاح أرضه التي یحرثها ویداعبها حتى تخضر وتنتج ، فهو لا یحب التراب كمادة جامدة ، بل كرمز للأمة التي عاشت ولا تزال علیها . وحین یتعامل العامل مع آلات مصنعه ، وینسجم معها كأنه في جوقة موسیقیة ، فإنه لا یتعامل مع الحدید ، إنما مع البشر الذین سوف ینتفعون منها . إن حبلا قویا یشد هؤلاء وغیرهم إلى بعضهم ، وروحا واحدة تجمع قلوبهم وتضیئها بقندیل الأمل . ولكن إذا ضاعت شخصیة الأمة ، ولم یعد یشعر أبناؤها بالروح الواحدة التي تجمعهم ، فإن كل واحد سیتخذ طریقا مختلفا ، وسیشعر الجمیع بالضعف والعجز والهزیمة . والسؤال : ما هي شخصیة الأمة وبأي شيء تتكون ؟ الجواب : إن وحدة القیم والثقافة ، والاشتراك في الهدف والتاریخ ، هي حدود شخصیة الأمة . فمن دون الثقافة ذات القیم السامیة ، التي یؤمن بها الجمیع إیمانا راسخا یبعثهم على العطاء من أجلها والتضحیة لها ، یسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة . ومن دون الهدف ، ذي التجربة التاریخیة ، الذي یكون نقطة ارتكاز لنشاطات الأمة ، ینهار الجدار المادي لبناء الأمة . لهذا كله ومن أجل أن تشارك الأدیان في بناء الإنسان وتهذیب نوازعه ، من الضروري التأكید على أصالة القیم ونعني بها ترسیخ الإیمان والحق والحریة والعدالة الاجتماعیة .
إننا نخسر كثیرا بتخلفنا الذي دام أكثر من اللازم ، ولیس من المعقول الاستمرار فیه . ولكن ، كیف نفتح أبواب الحضارة على أنفسنا ؟ في تقدیري إن أیة حضارة لا تبدأ إلا بتكامل عاملین : العقل والروح ، الفكر والإرادة وبالتالي العلم والإیمان . والإیمان بوحده لا یكفي ، إنه كطائر بجناح واحد ، كرجل یملك القوة ، یملك الرجل والید والنشاط ، ولكنه لا یملك العین . لهذا فإننا جمیعا حینما نحكم العقل والمنطق السلیم ، یسهل علینا التعاون والمشاركة الفعالة في بناء الإنسان . ” الأمر الذي قد یتیح للشعوب المستضعفة أن تكتشف في الدین الحركي معنى الحریة والعدالة ، فتلتقي بالإیمان به من خلال جهاده السیاسي في خط المواجهة للظلم العالمي كله ، لیقف المسلم ضد المستكبر حتى لو كان مسلما ، ویقف المسیحي ضده حتى لو كان مسیحیا ، فذالك هو الذي یمثل اختصار المسافة الطویلة للوصول إلى عقل المستضعف ، لأن الكثیرین من الناس یفهمون الإیمان من خلال المشكلة التي یتخبطون فیها أكثر مما یفهمونه من خلال المفردات اللاهوتیة التي یفكرون فیها ، لأن أقرب طریق إلى عقل الإنسان قلبه ، كما أن أقرب الطرق إلى القلب قضایاه وحاجاته الطبیعیة الملحة في الحیاة . ” ولعلنا هنا لا نبالغ حین القول : أن البابا بولس السادس استطاع أن یحقق للروح المسیحیة الكثیر بنشاطه السیاسي في حركته من أجل القضایا الإنسانیة العامة في أكثر من موقع أو موقف . وكل شخصیة دینیة سواء كانت مسلمة أو مسیحیة أو یهودیة ، تستطیع أن تحقق الكثیر حینما تتبنى من موقعها الدیني القضایا الإنسانیة ، وتعمل بوسائل مختلفة للدفاع عن الإنسان والشعوب المظلومة والمضطهدة . فالأدیان دائما بما هي قیم ومبادئ ومثل ، هي ضمیر الناس وجسرهم للتعبیر عن إنسانیتهم ولحشد امكاناتهم لمقاومة كل ما یسيء إلى إنسانیة الإنسان . وبناء الإنسان بحاجة بشكل مستدیم إلى قیم ومبادئ ، تزیل ركام الجمود والانحطاط ، وتحفز قیم الخیر والفعالیة ، وتبرز البعد الإنساني بكل تجلیاته في حیاة الإنسان . ولعل هذا هو الدور والوظیفة الأولى التي یقوم بها الدین في مشروع بناء الإنسان . ومهمتنا جمیعا ومن موقع إیماننا الدیني ، أن ننفتح على قضایا الحریة والعدالة والمساواة للإنسان ، ونتحرك بمحاولات ومبادرات مستدیمة للوصول إلى الكلمة السواء في كل القضایا التي تهم الإنسان واستقرار وسعادة البشریة جمعاء ، ولنحفز الفضاء الإنساني بأسره صوب المزید من الانفتاح على ما لدى كل منا من قیم روحیة وأخلاقیة وإیمانیة مشتركة .
2- الكلمة الثانیة : إن بناء الإنسان وتنمیة مداركه ومواهبه ، لا یمكن أن یتم إلا بتنمیة دوافع الخیر والصلاح والمحبة في نفس الإنسان . فالإنسان الذي یمتلئ قلبه محبة للناس هو الذي یمارس فعل الخیر والتنمیة في الفضاء الإنساني ، والإنسان الذي یختزن في عقله قیم الحوار والالتزام ، هو الذي یحّول حیاته إلى شعلة من النشاط والحیویة بما یفید الإنسان الفرد
والجماعة . والدین بما هو منظومة قیمیة وأخلاقیة وإیمانیة ، هو الذي ینمي في الإنسان دوافع الخیر والصلاح ، ویدفعه نحو تجسید هذه القیم في الواقع الخارجي . لذلك فبمقدار تمكن قیم الإیمان من نفس الإنسان ، بذات القدر یمارس الخیر والمحبة للجمیع . فالإیمان لیس هروبا من الحیاة أو انزوا ًء وانكفا ًء عن قضایا الإنسان والتزاماته المتعددة بل هو حركة في العقل . ” فكل ما في الوجود لا بد من أن یكون للعقل دور في رصده ، وإن لم یملك هذا الأخیر وسائل البحث في بعض امتداداته ، فالوجود لا بد أن یكون عقلانیا ، وإن كان العقل لا یتمتع بالقدرة على معالجة ما في داخله من مفردات وتعقیدات تخرج عن دائرة الحس والمألوف . فنحن ندرك االله بالعقل ، ولكننا لا نملك الوسیلة للبحث في ذات االله .. في البرهان الدیني نحن نرصد الغیب بالعقل حقیقة ووجودا ، ولكننا لا نعرف ما وراءه وكنه وجوده ، تماما كما هي الفلسفة ، قد لا تستطیع من خلالها معرفة كنه الجوهر ، ولكنك تستطیع أن تشیر إلیه . فالإنسان مؤمن بما یعقل ، وعلى هذا الأساس كان لا بد له من خوض تجربة الشك ، من أجل الوصول إلى الیقین ، وذلك یتطلب رحلة طویلة في عالم الصراع الفكري الداخلي ، حیث تتجاذب الإنسان الاهتزازات من خلال تناقض الاحتمالات ، وتضاد الأفكار ، وتعارض الاتجاهات ، التي تتم مناقشتها وجدانیا وعقلیا بكل موضوعیة وانفتاح ، لیعرف الحق من الباطل ، وینتقل من الجهل إلى العلم . ” ویقول تبارك وتعالى ] الذین یذكرون االله قیاما وقعودا وعلى جنوبهم ویتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [ ) آل عمران 191 ( . وقال عز من قائل ] قل سیروا في الأرض فانظروا كیف بدأ الخلق ثم االله ینشئ النشأة الآخرة إن االله على كل شيء قدیر [ ) العنكبوت 20 ( فالتفكیر والتأمل في ظواهر الكون ومتغیراته وأسرار الإنسان وخبایاه ، هو الذي یقود إلى تعمیق مفهوم الإیمان في نفس الإنسان . وبذلك یتحول الدین والإیمان بقیمه ومبادئه ونظمه ، حافزا للعمل والبناء والعمران . لذلك نجد أن آیات الذكر الحكیم تحث وتحض على التفكیر والتأمل حتى یتحرر الإنسان من كل القیود والضغوطات . إذ قال رب العزة ] قل إنما أعظكم
بواحدة ، تقوموا الله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذیر لكم بین یدي عذاب شدید [ ) سبأ 46 ( وفي ذات الوقت هدد القرآن الحكیم أولئك النفر الذي یحتكرون المعرفة ویكتمون ما أنزل االله من البینات باللعنة الإلهیة . إذ یقول تبارك وتعالى ] إن الذین یكتمون ما أنزلنا من البینات والهدى من بعد ما بیناه للناس في الكتاب أولئك یلعنهم االله ویلعنهم اللاعنون [ ) البقرة 159 ( ونبذ احتكار المعرفة بوحده لا یكفي من أجل خلق الشروط الضروریة لبناء الإنسان على أسس الإیمان والحریة والعلم . لذلك یؤكد القرآن الحكیم في العدید من آیاته على قوة العلم وسلطان الحجة . فالجدال لیس هدفا بذاته ، لذلك من المهم أن یستند إلى قوة العلم والحجة والبرهان . یقول تعالى ] ومن الناس من یجادل في االله بغیر علم ولا هدى ولا كتاب منیر [ ) الحج 8 ( وبهذا تتأسس كل شروط ومرتكزات البناء السلیم للإنسان . فمشروع البناء الحقیقي للإنسان ، یبدأ من نبذ احتكار المعرفة وكتمان الحق ، وحث العارفین والعلماء بنشر العلم والمعرفة وتعمیمهما والاحتكام الدائم إلى الحجة والبرهان والخروج من كل دوائر الجدل الذي یبتعد عن الحقائق أو لا یستهدف الوصول إلیها . وتوج الباري عز وجل كل هذه القیم والمرتكزات بضرورة اتباع أسلوب اللین والكلمة الطیبة والطرق المرنة التي تفتح القلوب على الحق وتقرب الأفكار إلى دائرة مفاهیمه وأحكامه . إذ یقول تعالى ] ومن أحسن قولا ممن دعا إلى االله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمین * ولا تستوي الحسنة ولا السیئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بینك وبینه عداوة كأنه ولي حمیم * وما یلقاها إلا الذین صبروا وما یلقاها إلا ذو حظ عظیم [ ) فصلت 33- 35 ( فالأسالیب العنفیة والانفعالیة في التعامل مع الآخرین ، لیس من الإسلام في شيء ، وهي أسالیب تهدم ولا تبني . ووظیفة الأدیان في عملیات البناء الإنساني ، تنطلق حینما یتحرر الإنسان من كل أسالیب العنف والنبذ والإلغاء التي قد یستخدمها البعض باسم الدین . وحوار الأدیان بكل مستویاته ، من الأهمیة أن یأتي في سیاق الحوار الموضوعي ، الذي لا یهدف الانحباس في القضایا اللاهوتیة ، وإنما تأكید وتعمیق أسس ومرتكزات مشاركة الأدیان في بناء الإنسان وتطویر الحیاة المعاصرة في أبعاد القیم والمبادئ والجوانب المعنویة التي یحتاجها الإنسان الفرد والجماعة في مختلف مراحل حیاته . وهذا یجعلنا نقرر حقیقة أساسیة في هذا المجال وهي : حینما تتجسد قیم الإسلام في شخصیة الإنسان المسلم ، وتتجسد قیم المسیحیة في شخصیة الإنسان المسیحي ، وتتجسد قیم الیهودیة في شخصیة الإنسان الیهودي ، یتحرر الإنسان من كل القیود والكوابح التي تحول دون تقدم الإنسان ورقیه المادي والمعنوي .
3- الكلمة الثالثة : أفق الرسالات الدینیة السماویة رحب وواسع في نصوصها التأسیسیة وخیاراتها الكبرى ، إلا أن بعض الأتباع ولعوامل عدیدة ذاتیة وموضوعیة یغلقون الأفق على الآخرین ، ویضیقون الوسع الذي تتمیز به النصوص التأسیسیة للأدیان التوحیدیة الكبرى . لذلك من الأهمیة التفریق بین الدین المعیاري والذي هو مجموع القیم والمبادئ العلیا التي جاء بها الدین ، وبین الدین التاریخي والمعیوش ، وهو تلك التجربة الإنسانیة التي عملت على تجسید قیم الدین أو تسمت باسمه . وفي تقدیرنا أن فض الاشتباك والالتحام بین المعیاري والتاریخي یساهم في تجلیة وتظهیر دور الأدیان السماویة في بناء الإنسان . ولعلنا لا نجانب الحقیقة حین القول : أن الدین التاریخي في بعض حقبه التاریخیة ، ) وهذا الكلام ینطبق على كل الأدیان ( كان دوره سلبیا وسیئا تجاه الإنسان وقضایاه الجوهریة . فحینما یخضع رجل / عالم الدین كفرد أو مؤسسة للسلطان السیاسي الغشوم ، ویسوغ له كل أعماله وتصرفاته ، فإن هذا الدین المعیوش والممارس أضحى كابحا للإنسان ومانعا من نیله حقوقه وحریته . لهذا فإن مرجعیتنا في بیان دور الأدیان في بناء الإنسان ، لیس التجربة التاریخیة بكل فصولها ومحطاتها ، وإنما بعض الحقب المجیدة بإطارها ومرجعیتها القیمیة التي مارس فیها الدین دوره التاریخي والحضاري المأمول . لهذا فإن التحرر من عبء التاریخ والانعتاق من آسار الواقع وبعض قواه السیاسیة المحلیة والدولیة والتي تسعى لتوظیف حوار الأدیان توظیفا سیئا وضیقا ، والتفاعل الخلاق مع الأدیان في نصوصها التأسیسیة وحقبها التاریخیة المجیدة فحسب ، هو الذي یساهم في بلورة المناخ المواتي لكي تمارس الأدیان دورها في بناء الإنسان والمجتمعات . الخاتمة : إن المنظومة القیمیة الكبرى للأدیان التوحیدیة ، تدفع الإنسان لكي یكون مباركا ، أي نفاعا للناس ، بحیث لا تتجمد حیاته في ذاته ، ولكنها تمتد إلى الناس الآخرین وتتحرك في حیاتهم . والقرآن الحكیم یحدثنا عن هذه القضیة الهامة ) النفع المستدیم للناس ( من خلال ذكر قصة السید المسیح ) ع ( . إذ یقول تبارك وتعالى ] قال إني عبداالله آتان َي الكتاب وجعلني نبیا * وجعلني مباركا أین ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حیا * وبرا بوالدتي ولم یجعلني جبارا شقیا [ ) مریم 30 – 32 ( . والبركة التي تتحدث عنها هذه الآیات لیست شكلیة ، وإنما هي ممارسة وفعل متواصل . فهي تتحرك من خلال فكر الإنسان وجهده وطاقته في مستویات الحیاة المتعددة . فالنفع والخدمة ، هي عنوان الدین في علاقته بالإنسان . ولعلنا لا نذهب بعیدا حین القول : أن دور الأدیان في بناء الإنسان ، لا یخرج في مضمونه وجوهره ، عن هذه الآیات التي توضح كیف جعل االله
تعالى السید المسیح )ع( مباركا أینما كان . فحینما یكون الإنسان في سلام مع االله ، یتحرك في أطوار حیاته في رحلة السلام ، مع نفسه ، ومع الناس . وبهذا تكون حیاة الإنسان وفق الرؤیة الدینیة محبة وسلاما وخیرا وبركة للآخرین .
الهوامش 1- الإمام الشیخ محمد مهدي شمس الدین ، الحوار الإسلامي – المسیحي نحو مشروع للنضال المشترك ، ص 5 ، مؤسسة الإمام شمس الدین للحوار ، الطبعة الأولى بیروت 2004م . 2- الشیخ محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار جـ 19 ، ص 110-111 ، مؤسسة الوفاء ، بیروت 1983م . 3- الشیخ شمس الدین ، الحوار الإسلامي – المسیحي ، مصدر سابق ، ص 12 . 4- القرآن الكریم ، سورة البقرة ، الآیة ) 285 ( . 5- القرآن الكریم ، سورة الشورى ، الآیة ) 13- 14 ( . 6- القرآن الكریم ، سورة آل عمران ، الآیة ) 64 ( . 7- القرآن الكریم ، سورة الإسراء ، الآیة ) 70 ( . 8- القرآن الكریم ، سورة الحجر ، الآیة ) 29 ( . 9- القرآن الكریم ، سورة ص ، الآیة ) 72 ( . 10- القرآن الكریم ، سورة البقرة ، الآیة ) 30 ( . 11- الشیخ شمس الدین ، الحوار الإسلامي – المسیحي ، مصدر سابق ، ص 119 . 12- القرآن الكریم ، سورة البقرة ، الآیة ) 136 ( . 13- القرآن الكریم ، سورة آل عمران ، الآیة ) 64 ( . 14- القرآن الكریم ، سورة آل عمران ، الآیة ) 113 – 114 ( . 15- القرآن الكریم ، سورة المائدة ، الآیة ) 47 – 48 ( .
16- القرآن الكریم ، سورة البروج ، الآیة ) 4 – 10 ( . 17- القرآن الكریم ، سورة الروم ، الآیة ) 1 – 4 ( . 18- القرآن الكریم ، سورة البقرة ، الآیة ) 111 – 113 ( . 19- أندراوس بشته – عادل تیودور خوري ، الإسلام یسائل المسیحیة في شؤون اللاهوت والفلسفة ، ص 378 ، المكتبة البولسیة ، جونیه – لبنان 2000م . 20- المصدر السابق ، ص 522 . 21- ألیكسي جورافسكي ، الإسلام والمسیحیة ، ترجمة الدكتور خلف محمد الجراد ، ص 225 ، عالم المعرفة عدد 215 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكویت 1996

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى