ads
ads
مايسطرون
2020-09-19

رؤية في العيش المشترك


ثمة سؤال مركزي تثيره الأحداث والتطورات في أكثر من بلد عربي وإسلامي . وهو كيف نعيش معا ونحن مختلفون . وذلك لأن الاختلاف في أي دائرة من دوائر الحياة والفكر ، من الحقائق الثابتة والشاخصة في حياة الإنسان بصرف النظر عن بيئته أو تكوينه المعرفي والعقدي . ولكن في ذات الوقت لا يمكن للإنسان أن يعيش وحده ، وإنما هو مجبول على أن يعيش حياة اجتماعية وإنسانية مع آخرين قد يختلفون معه كليا أو جزئيا . وكل المحاولات التي بذلها الإنسان الفرد أو الجماعة لتعميم قناعاته ومواقفه ، واستخدام القهر والغلبة لسيادة أفكاره ومعتقداته ، لم تفض إلا المزيد من الاختلاف والاحتقان .

لذلك فإننا بحاجة أن نبحث عن إجابة أو صيغ حضارية للتعامل بين حقيقة الاختلاف الإنساني وضرورات العيش المشترك . فلا يمكن أن ندحر الاختلافات أو نطمسها بين البشر ، كما أنه لا يمكن أن ينعزل الإنسان وينكفئ عن غيره بدعوى الاختلاف والتباين في وجهات النظر .

ولعلنا لا نبالغ حين القول : أن طبيعة الإجابة على هذا السؤال ، هي التي ستحدد بشكل أو بآخر طبيعة المستقبل السياسي والاجتماعي للعديد من الدول والبلدان العربية والإسلامية . وإن مظاهر العنف والفوضى التي تشهدها بعض البلدان ، هي ليست من جراء وتداعيات حقيقة التنوع والتعددية الموجودة في هذه البلدان ، وإنما هي لغياب صيغة حضارية تجمع بين حقيقة الاختلاف الذي لا يمكن نبذه وإنهاؤه من الوجود الإنساني وبين ضرورات العيش المشترك . لهذا فإن الوصول إلى صيغة سياسية وثقافية ومجتمعية لهذا الأمر هو الذي سيحدد شكل المستقبل السياسي للعالم العربي . فكيف يمكن بناء رؤية وطنية في كل بلداننا وأوطاننا العربية لا تغفل حقيقة التعدد والتنوع والاختلاف ، ولا تتجاوز متطلبات الوحدة والعيش المشترك .

وإن التغافل عن هذه الحقيقة ، أو عدم احترام متطلباتها ، هو الذي ساهم بشكل أو بآخر بحالات الفوضى والعنف التي سادت في بعض البلدان العربية والإسلامية . فلا يمكن قهر الناس على رأي وطريقة واحدة ، وإن أية محاولة في هذا الإطار لم تنتج إلا المزيد من التشبث بالخصوصيات الذاتية . فلا يمكن تعميم الخصوصيات الذاتية بالقهر والقسر ، وإنما بالتوافق والحوار والانفتاح وخلق المساحات المشتركة بين جميع الخصوصيات والمكونات . فالمجتمعات لا تدار بالقسر ، والاستقرار لا يتأتى بالقهر ، والأمن بكل مستوياته ودوائره ، لا ينجز إلا بالتوافق واحترام الخصوصيات وتوطيد أركان العيش المشترك . ومن يبحث عن الأمن والاستقرار بعيدا عن مقتضيات السلم الأهلي وخلق التفاهمات والتوافقات الضرورية بين مختلف الخصوصيات والمكونات ، فإنه لن يحصل إلا المزيد من تشبث الناس بخصوصياتهم الذاتية . ولا يمكن لاعتبارات ذاتية وموضوعية ، أن تنجح تلك المحاولات والممارسات التي تستهدف تعميم خصوصية واحدة بوسائل قهرية على بقية الخصوصيات .

فالأوطان فضاء مشترك لكل الخصوصيات والمكونات ، ولا تبنى هذه الأوطان إلا بإعادة صياغة طبيعة العلاقة بين هذه المكونات والتعبيرات . بحيث تخرج من سياق الاستعداء والتحريض على الكراهية والمفاصلة الشعورية والعملية ، إلى حقائق التفاهم والتقارب والاحترام المتبادل .

ومهما كانت قناعة الإنسان بصوابية أفكاره ومعتقداته ، فإن هذا لا يبرر له ولا يشرع له ، أن يمارس الفرض والقهر وأدوات السلطة لتعميم أفكاره وقناعاته . فلكل إنسان الحق في الاعتزاز بأفكاره والتشبث بقناعاته والاعتزاز بعقائده ، ولكنه ليس له الحق في قهر الناس عليها ، وممارسة أساليب قسرية لتبنيها .

ولعلنا لا نبالغ حينما نقول : أن الكثير من المشاكل السياسية والثقافية والأيدلوجية ، التي تعاني منها بعض البلدان العربية والإسلامية ، هي من جراء هذه الرؤية والممارسة . حيث التعصب الأعمى والمقيت بالذات وأفكاره ، مما يقود إلى التوسل بوسائل القهر والظلم لتعميم هذه الأفكار والقناعات على بقية المواطنين . فالأحزاب الأيدلوجية التي حكمت في بعض البلدان العربية ، وعملت بوسائل سلطوية وقهرية لتعميم أيدلوجية الحزب . هي بهذه الطريقة لم تعالج مشاكل المجتمع والوطن الذي تنتمي إليه ، وإنما فاقمتها وبنت حواجز إسمنتية بين مختلف مكونات شعبها .

ونظرة واحدة إلى الدول العربية ، التي حكمت من قبل أحزاب أيدلوجية ، يجعلنا نكتشف هذه الحقيقة ، ونكتشف أن قهر الناس على فكرة ما ، وأيدلوجية ما ، لا ينتج إلا الحقائق المضادة لتلك الفكرة والأيدلوجية . كما أن التشكيلات الأيدلوجية والسياسية التي لا تمتلك سلطة سياسية ، وتمارس في مجتمعها ووطنها هذه الممارسات وتتوسل بوسائل وأساليب اقصائية ، تنم عن تعصب أعمى للذات وأفكارها . فهي لا تنتج الأمن والاستقرار ، وإنما على العكس من ذلك تماما .

فلكل إنسان على وجه هذه البسيطة ، الحق في أن يحمل فكرة أو يقتنع برؤية ومشروع ، ولكن ليس له الحق في قهر الناس على هذه الفكرة أو الرؤية أو المشروع . لذلك نجد أن الباري عز وجل والذي اصطفى أنبياءه ورسله ، وحملهم مسؤولية النبوة وهداية البشر إلى الطريق المستقيم ، لم يعطهم سلطة القهر والسيطرة على الناس ، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم بالتذكير والتبليغ . قال تعالى [ فذكرإنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ] ( سورة الغاشية ، الآية 21 22 ) .

فالمهمة كما يقول بعض المفسرين أن تطرح الكلمة التي تهز سمع الناس ، لتنفذ إلى عقولهم ، لتفتح في داخلها نافذة للتفكير في حساب كل تلك الاحتمالات ليعيشوا قلق المعرفة في مسؤولية المصير . وأن تحرك الأسلوب الذي يتفاعل مع فطرتهم ومشاعرهم وتطلعاتهم ، ليثير اهتماماتهم حول الفكرة التي تقدمها ، والخطر الذي يتهددهم ، في الأجواء التي يحبونها ويرغبونها ويقبلون على الاندماج فيها . كما أن الإنسان مهما علت رتبته العلمية والاجتماعية ، فإنه لا يملك في طريق تكوين قناعات الناس أو إقامة الحجة عليهم ، إلا الجهد والكلمة . فإذا بذلهما الإنسان فقد قضى ما عليه . ولم يسلط الباري عز وجل أحد على قلوب الناس ، ولم يجعل مشاعرهم خاضعة لقدرة أحد الذاتية .

ولم يمكن الخالق عز وجل لأحد الأمر في تغيير ذهنيات الناس وقناعاتهم بطريقة قسرية قهرية . فدور الأنبياء والرسل وهم أصفياء الله عز وجل هو الإبلاغ والدعوة إلى الله بالكلمة الواعية المذكرة ، ليأخذ البشر بعد ذلك حريتهم في الإيمان والكفر ليكون حسابهم على الله .

فالله سبحانه وتعالى لم يشرع لأحد ، أن تكون لديه سلطة على قناعات الناس وأفكارهم. ومسؤولية صاحب الفكر والرؤية ، أن يعرض فكرته على الناس ويتوسل بوسائل الدعوة والتبليغ ، ولكن ليس لأحد السلطة على قهر الناس وفرض الآراء قسرا عليهم .

فالاختلاف الديني والمذهبي ، الفكري والسياسي ، لا يشرع لأحد انتهاك حقوق الطرف الآخر بدعوى الاختلاف والتباين في العقيدة أو المذهب أو الفكر أو السياسة . فالاختلافات بكل مستوياتها ، لا تشرع الظلم والعدوان وانتهاك الحقوق . بل على العكس من ذلك تماما . إذا أن المختلف في الرؤية الإسلامية له حقوق كاملة وعلى الطرف الآخر أن يصونها ويحترمها . وهذه المسألة هي حجر الزاوية في مشروع خلق السلم الأهلي والعيش المشترك في مجتمع متعدد ومتنوع .

وهذا بطبيعة الحال ، يقودنا إلى التأكيد على النقاط التالية :

1- إن التعصب الأعمى لأفكار الذات وقناعاتها ، يضر بمستوى انتشار وقبول الآخرين لهذه الأفكار . فالتعصب بكل مستوياته ، يضر بالأفكار والمعرفة ، وينفر الناس منها ، ويحول دون توسيع المقتنعين بها .

كما أن هذا الداء النفسي والعقلي والسلوكي الخطير ، يحول دون الاستقرار والأمن الاجتماعي . وهناك بونا شاسعا ينبغي الالتفات إليه ، بين ضرورات ومتطلبات الدفاع والتبشير بالأفكار والقناعات التي يحملها الإنسان ، وبين التعصب الأعمى . فالدفاع عن الأفكار لا يقتضي العدوان على الآخرين ، بينما التعصب شكل من أشكال العدوان . ودعوة الآخرين إلى تبني قناعات ومواقف الذات ، لا تتطلب وصم الآخر بأشنع الصفات واتهامه بأسوأ الممارسات ، بينما التعصب الأعمى يشرع ذلك ويقود صاحبه إلى ممارسات إقصائية وعنفية لا تنسجم ومقتضيات الدعوة بالتي هي أحسن ، ولا تتناغم مع حاجات الاستقرار والأمن الاجتماعي .

لذلك فإن إزالة الآثار السلبية للاختلافات ، تحتاج إلى الوقوف بحزم ضد ظاهرة التعصب الأعمى . لأن هذه الظاهرة ، بمثابة الوعاء الحقيقي للكثير من الآثار السلبية التي تمنع العيش المشترك بين المختلفين . من هنا فإن الوصول إلى حقيقة العيش المشترك والسلم الاجتماعي ، يتطلب محاربة ظاهرة التعصب الأعمى وكل النزعات الإقصائية التي لا ترى إلا ذاتها الضيقة .

2- في إطار السعي والعمل المتواصل ، لبناء حقائق العيش المشترك في الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي ، من الضروري الفصل بين احتكار القوة واحتكار الحقيقة . فليس كل من يمتلك القوة بالضرورة يمتلك الحق . كما أنه ليس بالضرورة أن من يمتلك الحق ، يمتلك القوة التي تدافع عن هذا الحق .

والحقائق المطلقة لا يمكن أن يقبض عليها إنسان . لذلك فإن كل محاولات ادعاء امتلاك الحقيقة ، هي محاولات لا تستهدف على الصعيد العملي إلا تبرير وتسويغ عمليات النبذ والتهميش والتمييز تجاه الآخرين المختلفين معه . ومن الخطايا المميتة على هذا الصعيد المماهاة بين القوة والحقيقة . وإن كل من يمتلك القوة قادر فعلا على امتلاك الحقيقة .

وهذا هو الذي يهيأ الأرضية الاجتماعية لكل المقولات والممارسات التي تهدم وتمنع بناء أركان وقواعد العيش المشترك في المجتمع المتعدد . فالحقيقة ينبغي أن تكون غاية الجميع ، ولا يمكن أن يقبض عليها أحد بوسائل العنف والتعصب والغلو والنفي . فالخدمة الحقيقية التي  يمكن أن يقدمها أي إنسان لفكره وقناعاته ، هي حينما يبتعد عن كل نزعات التعصب والغلو ، لأن هذه النزعات تحول دون المعرفة العميقة والحقيقية لمضامين تلك الأفكار ، كما أنها ( أي نزعات التعصب والغلو ) تمنع إقبال الناس تجاه تلك الأفكار والقناعات .

فالتعصب يميت صاحبه ، دون أن يحيا الفكر والمبدأ . لأن هذه النزعة المقيتة تطمس كل نوازع الخير وموجبات العدالة من نفس وكيان المتعصب سواء كان المتعصب فردا أو جماعة .

3- إن العيش المشترك يقتضي من كل المكونات والتعبيرات ، العمل على إعادة صياغة علاقتها بأفكارها وقناعاتها العامة . فالعيش المشترك لا يعني أن تنحبس كل فئة في إطارها الفكري الضيق ، بل يعني الانفتاح والتواصل المستديم مع بقية المكونات ، وذلك من أجل نسج العلاقات الإيجابية ، وتجاوز كل الأوهام والهواجس تجاه بعضنا البعض . وهذا بطبيعة الحال يتطلب إعادة صياغة العلاقة مع الأفكار والقناعات الخاصة بكل مكون وفئة . بحيث تصبح العلاقة حيوية ومرنة وفعالة .

والأمم والمجتمعات الإنسانية التي استطاعت أن تطور في واقعها نهج العيش المشترك ، هي التي تمكنت من إعادة بناء علاقتها مع أفكارها . بحيث لا تكون العلاقة جامدة ومتخشبة . وإنما علاقة تفاعلية بكل ما لكلمة التفاعل من معنى ومضامين عميقة .

وجماع القول : أن العيش المشترك في أي تجربة إنسانية ، ليس وصفة جاهزة ، وإنما هو رؤية واضحة وإرادة صلبة وعمل مستديم باتجاه خلق الحقائق وتعزيز متطلبات التلاقي والتفاهم بين مختلف الفئات والشرائح والمكونات .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى