ads
ads
مايسطرون
2020-09-21

ارحلوا ايها المبدعين لكي نكرمكم !


ظاهرة منتشرة بشكل واسع في مجتمعنا، وهي تكريم المبدعين والاحتفال بهم بعد وفاتهم .. سواء أدباء أو شعراء أو فنانين أو رياضين أو أصحاب فكر أو أهل عطاء أو علماء، فيما ظلوا هم أنفسهم بعيدين عن الأضواء والجوائز طيلة حياتهم.

ظاهرة الإحتفاء بالمبدعين المتميزين وأهل العطاء والعلماء والمفكرين الأموات هي ظاهرة قديمة، على اعتبار نحن مجتمع نعيش الماضي على حساب الحاضر والمستقبل ، ونمجد الأموات على حساب الأحياء.

فمن الطبيعي والمعمول به في دول العالم المتقدمة كافة أن التكريم للمبدعين يتم أثناء حياتهم الإبداعية، وكلّما أنجزوا أعمالًا مبدعة ومهمة ولافتة للنظر وهذا شيئ طبيعي.

عكس ما يحدث في مجتمعنا ، يتذكرون المبدع في حالة وفاته ويكرموه وهذا وضع بائس لايعطي المبدع حقه الحقيقي مهما كتبت عنه وعن ابداعه والكتابه تكون متعجلة ، تركز على المديح لا على إنجازات الفقيد ، وهي أشبه حفل دعائي ، كما أن ضيق الوقت والمناسبة أو مفاجأة الحدث تجعل كثيرًا ممن يغطون الحفل يعجزون عن فحص حقيقي وتقييم جاد لمنجزات الراحل، فينقلون معلومات واخبار غير دقيقة وقاصره ومغلوطه وغير محايده وتدخل المجاملات في كثير من الأحيان، وهذا لا يضيف لقيمة المبدع بل ينتقص منه.

نحن مجتمع اعتدنا على تكريم الأموات وننكر إنجازات الأحياء، فهذه الظاهرة القديمه قد خرجت مجدداً وانتشرت في الأوساط الثقافية والفنية والرياضية والعلمية والإجتماعية والدينيه بشكل واسع.

فتكريم المبدعين وأصحاب العطاء والمفكرين يستوجب أن يكون أثناء حياتهم الإبداعية وإنجازاتهم العظيمة وكلما أنجزوا أعمالًا مهمة ومبدعة ولافتة للنظر يتم شكرهم وتكريمهم في وقته، وهذا عكس ما يحدث في مجتمعنا اليوم نتذكر المبدعين وانجازاتهم بعد موتهم ونقوم بتسطير انجازاتهم وشكرهم والثناء عليهم بعمل الإحتفالات وينهال المديح وتكتب القصائد الشعريه وتعطى الهدايا وتوزع الدروع أو نطالب بتسمية شارع أو مركز أو لجنة أو مسابقة بأسمه علماً أن كثير منهم لا يعرف عمل وأنجازات المبدع في حياته أو قرأ عنه أو اهتم بزيارته أو التواصل معه أو شكره وهو على قيد الحياة علماً أن الذين كروموا بعد وفاتهم ظلوا بعيدين عن دائرة الأضواء والجوائز طيلة حياتهم، حتى في فترات مرضهم لم يتذكرهم أحد بل هو مجهول للعامة، ومعروفًا للخاصة فقط وأصحاب الاهتمام والمتخصصين، كل هذا العمل أي التكريم هو لاشك تقدير جيد الى منجزات المبدع.

ولكن الصحيح أن التكريم الذي يحتاج إليه المبدع هو الإحتفاء بعطائه وهو على قيد الحياة وفرصة لنقده والرد عليه، ليسهم في تطوير عمله وابداعه وفكره للناس.

التقدير والتكريم بعد وفاة المبدع لا يفيده ولا يضيف عليه شيء ، فلا حاجة إلى المبدع بتكريمه بعد موته، وهذا النوع من التكريم لا يلبث أن يتلاشى وينفض بعد إنتهاء الحفل وخروج المحتفون.

تكريم واحد لساعة في حياة المبدع يساوي تكريمًا موصولًا له بعد مماته لا حاجة إلى المبدع بتماثيل تنصب له وصور في كل مكان بعد موته او اسم لجنه او شارع او توزيع صوره في كل مكان وفي حياته مهمش او يحاول البعض إقصائه أو إسقاطه لسبب حقد او غيره او جهل او مصلحة ما او انتماء الى مجموعة او فئة معينه كما قال الشاعر :
( لا ألفينك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما قدّمت لي زادا )

يحضرني هذا البيت، كلما تنادى الأدباء والمثقفون لحفلة رثاء وبكائيات لتأبين مبدع غادرنا، فتتقاطر عليه مقالات التعظيم والتبجيل والكلمات الدامعة، والدروع المصقولة خالية الروح .

فالمبدع شجرة عطاء له نظرته ورؤيته للحياة ومجتمعه، يسخر فكره وقلمه ووقته وماله لخدمة مجتمعه ووطنه ويظل طوال حياته يرمل في اتجاه هدف التغيير إلى الأفضل في مجتمعه ووطنه، وله على مجتمعه ومسؤولي وطنه حق رد الجميل له في حياته، لكن ما يحدث في الغالب هو عكس ذلك.

تكريم المبدع أو صاحب الإنجازات الكبيرة بعد وفاته فقط هو تكريم فاقد لمعناه حتى لو اعتبرناه نوعًا من الاعتذار فلن يغني ذلك شيئًا ومن العجيب أن نجد اصوات تصاحب وفاة المبدع وفي معظمها ليست تكريمًا ولا دلالة على عمق إنتاج الفقيد بل هي نوع من المجاملات يدرك الكثير أنها مظاهر حزن وليست تقييمًا لمنجز فتكريم الشخصية المبدعة بعد موتها ما هو إلا اهكومه في واقع الأمر ففي الوقت الذي كان لها أن تسعد بنجاحها وتقطف نتائجه نراهم لا يهتمون بها كشخصية رائدة في مجالها بل يقننون عليها الحصار حتى لا تنتج شيئًا مميزًا للمجتمع فمجتمعنا مع الأسف يعيش ازدواجية كبيرة إذ يكون بيننا العالم والمفكر والفنان والناقد والمبدع ولا أحد يهتم به ولا في انجازاته ولكن بعد وفاته تبدأ الأحتفالات والشكر والثناء، ويصبح علمًا مشهورًا يعرفه كل الناس، وتتحدث عنه وسائل التواصل الإجتماعي والصحف وتتبارى الملتقيات والمهرجانات ومؤسسات المجتمع المدني في الاحتفاء به وتكريمه، والتعريف بأعماله وإبداعاته، لتتكرر نفس الأسئلة، متبوعة بعلامات كثيرة للاستفهام والتعجب.. لماذا لا تبرز نتاجات المبدعين أثناء حياتهم وخلال فترة عطائهم حتى يعرفهم من يجهلهم ويستفيد الجميع من عطائهم؟! لماذا نتعمد أن يستفيد ورثة المبدع من تكريماته في حين ظل المبدع نفسه بعيدًا عن الأضواء، يتعفف المطالبة بنظرة اهتمام لما يقدمه؟ هل يمكن معالجة الأمر.. أم أننا اعتدنا تكريم الأموات، وتجاهل الأحياء من أهل الإبداع؟!،

إذن ما فائدة التكريم المتأخر هل هو شعور بالتقصير وتأنيب للضمير ، أم أننا قد اعتدنا على تكريم الأموات وإنكار إنجازاتهم وهم على قيد الحياة ؟

ما نطالب به هو أن يتم التكريم و الإحتفاء أثناء حياة المبدع عن طريق مؤسسات ولجان رسميه مختصة في مختلف المجالات، ليكون هذا التكريم دافعًا له في معاودة الإبداع، وليدرك في حياة عينه أنه لم يضيع حياته هباء، بل أسهم بإبداعه في منسوب الحياة الإبداعية لمجتمعه ووطنه وليلمس بنفسه مقدار حب الناس لفنه وابداعه وعطاءه فيستمر ويبدع ويعطي أكثر ويثمر مجتمعنا بتلك الشخصيات المميزة.

‫11 تعليقات

  1. أحسنت يا أبا علي. أصبت كبد الحقيقة فتكريم المبدعين يجب أن يتم و الشخص على قيد الحياة. جنابكم من النموذج الذي يستحق التكريم. فقد بذلت كثيراً من وقتك و جهدك لخدمة الوطن و المواطنين. بارك الله فيك.

  2. مقال رائع ينم عن حسن توجيه للمجتمع الحبيب للاهتمام بالمبدعين ،، نأمل ان ترى النور هذه الافكار وتتباها الجهات المعنية في سيهاتنا الحبيبة وتخطو خطوة الى الامام لتمجيد موهوبيها وهم احياء ليتنافس في ذلك المتنافسون ويبدعون ضمن اطار حب الوطن وحب البلد ،، تحركوا بجد ، وستسهل عليكم كل الامور ، ثقوا بطاقات بلدكم واحتضنوهم ستجدون انفسكم في مقدمة المكرمين ،، وفقكم الله
    شكرا من القلب لك يا ابا علي ، مقال في محله لأنه مؤلم حقاً ان نرى ما يحصل من تكريمات لاناس ماتوا ولم يعرفهم الناس الا بعد موتهم ويعتقد الكثير ان هذا هو الصح ، بل هو اكبر غلط ورثناه من تراثنا الاسلامي المدعى لدى البعض والقرآن يقول *ولا تنسوا الفضل بينكم* ، *وأما بنعمة ربك فحدث* ، فحين يكون لدى المجتمع طاقات فهي بحد ذاتها نعمة من النعم .. فلماذا لا نعي بأن الله يحب تعظيم النعمة لتزيد *لأن شكرتم لآزيدنكم* ..
    هجرة العقول المبدعة الى مجتمعات اخرى هو خسارة ، لان الانسان المبدع الموهوب مهما تواضع وأخفى مشاعر فخره بذاته وما صنعه عقله وابداعه من انتاج يخدم مجتمعه ، فنفسه تواقة وميالة لمن يقدرها من محيطه الاسري والاجتماعي ليتزود بتلك الطاقة الخفية التي اسمها *الحب* و *الاحترام* و *التقدير* ..

    1. السلام عليكم عزيزنا الغالي ابا علي وأحسنت،،،فكل فعل له ردة فعل وهذا هو المسار الطبيعي والمنطقي في ان يرى المبدع ردة فعل المتلقي في حينه وليس بعد فترة من الزمان وبعد ما يصبح هو تحت الثرى،،فكم من إنجازات لن نشهدها لمبدعين الا بعد رحيلهم ولأن التكريم يبعث روح الحماس في مواصلة العطاء بنفس المستوى بل متوقع ان يزداد هذا العطاء وتزداد تلك الإنجازات وما هي إلا لخدمة ورقي مجتمعنا،، فصواب ان ينبه المكرمين لتوقيت التكريم للمكرم في حينه لكي لاتضيع أهداف التكريم ومنها التحفيز والتشجيع ورؤية بهجة المشاعر لدى المكرم ،،، تحياتي منير ال حمود ابو سراج

  3. شكراً الأخ العزيز على هذه المبادرة وأنت دائماً سابق بالخير وأهلٌ بهذا التكريم
    اخوك إبراهيم ضاحي

  4. أحسنت
    التكريم أثناء الحياة هو للحي
    وبعد موته هو للأحياء احتفالًا بشعورهم بالذنب لتقصيرهم، ما عاد ينفعه.
    وردة لحي أجمال من باقة وورود على قبر ميت…وأكثر أثرًا وبقاءً

  5. احسنت استاذ محمد مانقشته أناملك وسطرته حروفك.
    جميل أن يكرم كل صاحب أنجاز ،كما
    اتمنى أن لاينصب التكريم في سيهات على مجالات معينة فقط.،
    فالمبدوع في مجالنا الفني ( التصوير الضوئي) مهضوم حقهم من التكريم في ساحة بلدتنا( سيهات)
    والكثير منا من رفع اسم وطنه في المحافل الدولية وإنجازاتهم فيها كثيرة.

    ربما دعوة خاصة تقدير لهم في المحافل المقامة هنا دليل على تقديرهم، ولكن لم نجد هذا .

    1. احسنت ابوعلي على هذه الفكرة.
      فعلا يجب ان يلتقي الشخص الذي أبدع في مجال ما مع محبيه من ابناء بلدته ومنطقته ويراهم ويلمس تقديره وإحترامه بينهم .
      وتبقى الدروع والنياشين حافزا لابنائه بعد مماته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى