ads
ads
مايسطرون
2020-10-02

ليت جاريَ ديكٌ …!!


من صفات العرب بشكل عام إطلاقهم وترديدهم للأمثال الشعبية، إذ كانوا قديمًا يتميزون بطلاقة اللسان والقدرة على قـول الحكم التي تناسب المواقــف، فلم يتركــــــوا موقـــف إلا وأخذوا منه عظة وجملة ظلت تتوارثها الأجيال حتى تركوا لنا تراثاً كبيراً يحتوي على أقوال مأثـورة عن معظم المواقـف الحياتية تقريبًا، وكان للعلاقات الاجتماعية والإنسانية نصيب الأسد في الأمثال التي قيلت عنها، ومن أبرز الأمثال التي نرددها الآن “الجار قبل الدار”.
ولقد عظَّـــم الإسلام حق الجار، وظل جبريل – عليه السلام – يوصي نبي الإسلام – صلى الله عليه وآلة وسلم – بالجار حتى ظنَّ النبي أن الشرع سيأتي بتوريث الجار: “مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه”. وقد أوصى القرآن بالإحسان إلى الجار: (وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئاً وَبِالوَالِدَينِ إِحسَاناً وَبِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُربَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ)[النساء: 36].
فلا شك أن الجار له حقوق كثيرة ومن أهم هذه الحقوق: رد السلام، وإجابة الدعوة، تفقده وقضاء حوائجه، ستره وصيانة عرضه، وكف الأذى عنه، نعم فهذا الحق من أعظم حقوق الجيران، والأذى وإن كان حرامًا بصفة عامة فإن حرمته تشتد إذا كان متوجهًا إلى الجار.  ولعله الأهم من أذى الجار، تحمل أذاه!؟ فهـــي واحدة من شيم الكرام ذوي المروءات والهمم العالية، إذ يستطيع كثير من الناس أن يكف أذاه عن الآخرين، لكن أن يتحمل أذاهم صابرًا محتسبًا فهذه درجة عالية، وقد ورد في الروايات قول: (ليس حُسنُ الجوار كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى).
ولعله أنا من أحد أولئـك الصابرين؟  حيث ابتلاني ربي بجار طيب بشوش المحيا، لم المس منه أي ضرر يذكـر سوى صوتـه “الانفجاري” العالي النـبرة والذي تشوبه حشرجـة (وشب) يذكرني بهدير محرك شاحنة (كنداستها مقضوضة) ويعود له الفضل في اكتشافي أن زجاج نوافذ داري غير عـازل للصوت حسب مواصفات المصنع لها.
فجاري الحبيـب (Businessman) له عادة في إدارة أعماله التجارية التي تبدو ذات طابع دولي فبسبب فارق التوقيت بين الدول حسب اعتقادي يضطره لمتابعة سير معاملاته التجارية عند منتصف الليل!؟
فيخرج من منزله متحزما مِسَّرتَهِ (هاتفه المحمول)، موصلا سماعاته الى أذنيه، ويبدأ سعيه مترددا في أشواطه في حدود منزلـه ذهابا وإيابا بوسط الشارع الفاصـل بين داري ومنزلـه فينهمك في متابعة معاملاته متحدثا الى عملائه بصوت يشبه الرعد واذا أراد أن يأخذ له (فهقــة) جلس على عتبة باب داري مرة وباب منزله فترة أخرى.
فحيث الليل وهدؤه، ورداءة زجاج نوافذ داري، ينفذ كل حديثه الى أذني وانا مستغرقا في نومي فأسمع أم العيال، تسأل (ويش قاعد يقول يارنا… ؟) لأنـه يتحدث بالعربي وأحيانا بالإنجليزي وكثيرا ما يدمج بين اللغتين فينتج عنهما لغة ثالثة يستخدمها معظمنا عندما نتحدث الى بعض الأجانب، فأجيبها انه يوصي بشحن البضاعة وانه سوف يقوم بعمل تحويل مالي بالمبلغ غدا صباحا، كما يؤكد على إنجاز تأشيرات خروج وعودة للعمال وان بوليصات الشحن أصبحت جاهزة، ويقضي عدة ساعات في اغلب الليالي وهو على هذا الحال. لماذا يخرج الى الشارع عند منتصف الليل لأجراء مكالمات هاتفية؟  اعتقد انه حريص على راحة أهله وعياله لأنه يدرك إن صوته (يبطط اليدران).

بالأمــــس وأثنــــــاء وجودي مع سائقي الخاص شاهدنا جارنا الحبيب يمارس مهامه عصرا..!! من جانبي قلت الحمد لله الليلة إن شاء الله ما فيه دوام!؟ أما السائق التفت لي قائلا: (بابا هذا صديق توماس قرقرة في ليل انا مافيه نوم كويس)، فتوهقت، كيف اشرح له إن هـذا جارنا وينبغي أن نصـبر على أذاه!؟

اتصلت بأحد الأصدقاء أستشيره، فذكر لي انه متأذي من جاره أيضا حيث جاره جعل حظيرة دجاج في منزله طوال النهار يزعجه نقنقة الدياي، وبالليل صياح الديش، لكن ما يخفف الضرر انه يهديه بين الفينة والأخرى بعض البيض. فياليتَ جاري ديك وان كان لا يبيض.

فمظاهر التقصير مع الجيران باتت كثيرة جدا وهي تأخذ صورا عديدة، مع أن سعادة المجتمع وترابطه وشيوع المحبة بين أبنائه لا تتم إلا بالقيام بأداء الحقوق نحو الجيران وغيرها مما جاءت به الشريعة، وإن واقع كثير من الناس ليشهد بقصور شديد في هذا الجانب فيجب التنبه لها. نسأل الله أن يعيننا جميعا على القيام بحقوق الجوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى