ads
ads
مايسطرون
2020-10-04

الحوار وحماية المختلف


من البديهي القول : أن الحوار والتواصل بين المختلفين ليس حالة طارئة , أو تكتيكا سياسيا , وإنما هو من القواعد الثابتة التي يرسي دعائمها الدين الإسلامي للتعامل بين المختلفين والمغايرين .. فالمسلم لا يتحرك في دعوته في أجواء الإرهاب والقتل والتدمير , بل في أجواء الحوار والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن .

وإن الذي يتطلع إلى إنجاز مشروعه الفكرية والدعوي بالقتل والتفجيرات والاغتيالات , فإنه يناقض بذلك نصوص الشريعة الإسلامية , ويحارب قيمها ومبادئها , ويدفع الناس بوعي أو بدون وعي للانفضاض من حوله .. فالإسلام لا يدعو إلى ممارسة القسر والكراهية في الدعوة إليه , بل على العكس من ذلك تماما .. إذ يحدد مهمة وظيفة الرسل الأساسية في التذكير والموعظة إذ يقول تبارك تعالى [ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ].

ويقول تعالى [ فذكر إنما أنت مذكر , لست عليهم بمسيطر ] . ويقول عز من قائل [ لقد جاءكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ] .

فـ ” القوة – مهما كانت درجتها – لن تنسجم مع طبيعة الرسالة الإسلامية, ما دامت القوة تعني محاصرة العقل وفرض الفكرة عليه تحت تأثير الألم أو الخوف , وحتى عندما يحني رأسه أمامها فإنه يتظاهر بالقبول ليخرج من الكابوس , ويبقى بينه وبين الاعتقاد مرتع غزال ” .

فالعنف ليس وسيلة من وسائل الدعوة , بل هو وسائل التنفير والتدمير . وأي طرف يتوسل بهذه الوسيلة , فإنه يهدد الاستقرار السياسي والسلم الأهلي .. ولو تأملنا في سيرة الرسول الأكرم ( ص ) , سنجد أن الدعوة النبوية قامت على المحبة والأخلاق الفاضلة والتحلي بأجمل الصفات نفسا وسلوكا .

وقال رسول الله ( ص ) (( السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم .. قلنا يا رسول الله ومن هم ؟
قال : الذين يقبلون الحق إذا سمعوه , ويبذلونه إذا سألوه , ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم هم السابقون إلى ظل العرش .. وقال ( ص ) الرفق رأس الحكمة , اللهم من ولي شيئا من أمور أمتي فرفق بهم فأرفق به , ومن شق عليهم فأشفق عليه )) .

فقتل الأبرياء ليس طريقا إلى سيادة الشريعة , وممارسة الإرهاب بكل صوره ليس سبيلا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ” لذلك فإن الكثير من الأعمال الإجرامية التي تحدث اليوم باسم الإسلام والجهاد , هي في ذاتها وتأثيراتها لا تخدم الإسلام والمسلمين , بل تدخلهم في الكثير من التحديات , وتهدد الكثير من المكاسب على المستويات كافة .

فالعنف الديني والإرهاب الذي شاع في العديد من الدول والبلدان , بحاجة إلى مواجهة شاملة , حتى يتم إنهاء الجذور الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تقف خلف هذه الظاهرة الخطيرة وتغذيها باستمرار .
وفي إطار مواجهة آفـــة العنف والإرهاب , نحن بحاجة إلى التأكيد على النقاط التالية :
1. ضرورة الوقوف بحزم ضد كل أنواع التحريض التي تمارس ضد المختلف والمغاير . لأن استمرار حالات التحريض , هي التي تخلق البيئة الاجتماعية الحاضنة لممارسات العنف وأعمال الإرهاب . ولا يمكننا أن نواجه هذه الجرثومة , إلا بتجريم كل الممارسات والأقوال التحريضية , والتي تدق إسفينا بين مكونات المجتمع والوطن الواحد .. ولعلنا لا نجانب الصواب , حين القول : إن الكثير من الأعمال والتصرفات والتي يمكن وصفها بأنها من ممارسات وأشكال العنف الديني , هي بشكل أو بآخر من جراء ثقافة التحريض ومقولات التسفيه والتحقير التي تتوجه إلى فئة أو شريحة من المجتمع .. إن تجريم كل الممارسات الشائنة , والتي تستهدف تحقير بعض الناس سواء لقوميتهم أو مذهبهم أو دينهم , هو الخطوة الأولى في مشروع وأد وإنهاء الجذور الثقافية والاجتماعية لظاهرة العنف والإرهاب وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد .

2. إن الاعتراف بالآخر في الدائرة الوطنية أو الإسلامية , لا يشرع إلى التحاجز وخلق الكانتونات والجزر الاجتماعية المنفصلة عن بعضها . وإنما من أجل دمج كل هذه التعبيرات والأطياف في بوتقة واحدة وهي بوتقة الوطن والمواطنة .. فنحن مع الاعتراف بكل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل شريحة أو فئة , ولكن هذا الاعتراف لا يعني الانكفاء والانعزال أو القبول بحالة التشظي الاجتماعي . إنما الاعتراف الواعي والحضاري , والذي يقودنا إلى بناء مواطنة متساوية بين جميع الأطراف والتعبيرات . فالاعتراف بالخصوصيات , لا يلغي مفهوم المواطنة , بل يبنيها على أسس ومنظومة الحقوق والواجبات المتكافئة والمتساوية . فالرسول الأكرم ( ص ) في المدينة المنورة ومن خلال صحيفة المدينة ,أسس إلى هوية جامعة قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية .

حيث تضمنت هذه الوثيقة تنسيق العلاقة بين المسلمين واليهود , وبعض من المشركين العرب . فــــقد كان الانتماء إلى دولة المدينة هو مقياس المواطنة , فالكل ( بصرف النظر عن أديانهم ) آمنون فيها , والكل مسئولون عن حمايتها . وبهذا خلق الرسول الأكرم ( ص ) في المدين المنورة تجربة قامت على مواطنة ، متساوية , بين مجموعات بشرية متغايرة في أديانها ومعتقداتها .
من هنا نصل إلى حقيقة أساسية في مشروع مواجهة ظاهرة العنف والإرهاب .وهي إننا كلما تقدمنا خطوات نوعية في مشروع إنجاز المواطنة المتساوية , اقتربنا أكثر في إنهاء الجذور السياسية والفكرية لهذه الظاهرة الخطيرة . لذلك نجد أن المجتمعات التي تعيش وضعا مستقرا على هذا الصعيد ، هي الأقدر على مقاومة هذه الظاهرة وضبطها .

فالمواطنون سواء بصرف النظر عن أيدلوجياتهم وقناعاتهم الفكرية والسياسية . ولا يجوز بأي شكل من الأشكال لممارسة التمييز ضد بعض المواطنين لاعتبارات لا تنسجم وحقائق ومتطلبات المواطنة .. وينقل لنا التاريخ الإسلامي, الكثير من القصص , التي توضح أهمية المساواة وتكافؤ الفرص .

ومن شواهد ذلك: ” حدثني هشام بن عمار , أنه سمع مشايخ يذكرون الخليفة عمر بن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق , مرّ بقوم مجذمين من النصارى , فأمر أن يعطوا من الصدقات , وأن يجري عليهم القوت ” .
فالاختلاف العقدي لا يعني الحرب الاجتماعية , والتباين في القناعات والمواقف لا يعني ممارسة التهميش والإقصاء .. تبقى قاعدة ( البر ) هي الحاضنة لكل التنوعات والتعدديات ..إذ يقول تعالى [ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين ٍ]. ” أن النص ليس ظاهرا وحسب , بل هو بحر من الدلالات , وهو سيل من الأفكار والتصورات التي تكمن في باطنه , وتتوارى في أخاديد كلماته وحروفه والعلاقة بينهما .

ونحن نعلم أن الكتاب الكريم حرم السب تحريما مطلقا , وحرم التجديف بحقوق وشرف الناس وسمعتهم , مهما كان دينهم , ومهما كانت لغتهم , والسب ظاهرة بارزة في حواء المتخلفين والطغاة والأميين , وهذا يضيف جمالاَ آخر إلى جمال الإسلام في معــالجة قضايا الخلاف ” .

فالمواطنة بمؤسساتها وقيمها وروحها , هي القادرة على دمج مختلف التنوعات في بوتقة واحدة بحيث تتحول التنوعات من مصدر قلق , إلى رافد من روافد الإثراء والتمكين .

فالتطرف وتبني خيار العنف , لا يخلق مواطنة متساوية , بل يفضي إلى تفكيك أسس الوحدة , ويدخل المجتمع في أتون الصراعات والنزاعات الحادة والدموية .. وإننا أحوج ما نكون اليوم , ومن أجل مواجهة خطر الإرهاب والتطرف والعنف , إلى تلك الثقافة التي تولي للمواطنة حقوقا وواجبات أهمية خاصة , وتتعامل مع مختلف التعدديات بوصفها حقائق قائمة ينبغي احترامها , وتوفير كل مستلزمات مشاركتها في البناء الاجتماعي والوطني .

3- يسعى البعض وعبر وسائل مختلفة إلى التفتيش على عقائد وأفكار الآخرين . ويجعل من نفسه ( فردا أو جماعة ) المحاسب على الصحة والفساد . فهو الذي يوزع صكوك الغفران والمقبولية , وهو الذي يطلق أحكام الضلال والبعد عن الجادة والطريق المستقيم , أو أحكام الهدى والسير على الجادة . ولا يكتفي بذلك بل يعمل على محاسبة الناس على أفكارهم وانتماءاتهم العقدية والفكرية .

ولا شك أن هذه الممارسات , تعطي للبعض سلطة ليست له , وتجعله يمارس واجبا ليس مكلفا به . وذلك لأن الباري عز وجل هو المعني وحده جل جلاله بمحاسبة الناس على عقائدهم وأفكارهم . إذ يقول تعالى [ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعلمون , الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ]. ووجود فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لا تخول للإنسان مهما علا شأنه أن يتدخل في خصوصيات الناس , ويفتش عن عقائدهم وأفكارهم . فإن للإنسان حرمة وقدسية , لا يجوز التعدي عليها بأي شكل من الأشكال . ولعل من أهم جوانب هذه الحرمة , رفض محاولات التفتيش على العقائد والأفكار , والتدخـــل ( إذا جاز التعبير ) في مختصات الباري عز وجل .

فالعدل هو المطلوب في العلاقة الاجتماعية والإنسانية , أما مسائل الضمائر والقلوب والعقائد , فالباري عز وجل هو الذي يحكم فيها .. ولا يجوز لأي إنسان أن يفتش على عقائد الناس .
يقول تبارك وتعالى [ وأمرت لأعدل بينكم , الله ربنا وربكم , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , لا حجة بيننا وبينكم , الله يجمع بيننا , وإليه المصير ] .
فالرسول الأكرم ( ص ) لم يجبر أحد على تغيير عقيدته , وعمل على صيانة حقوق الجميع .

وإذا كان هناك اختلاف وتباين بين المواطنين في عقائدهم وأفكارهم , فالمطلوب أن يحترم كل طرف عقائد وأفكار الطرف الآخر . ولا يجوز بأي شكل من الأشكال الإساءة لعقيدة أو أفكار أي مواطن . وعلى ضوء هذا الاحترام المتبادل , يتم حوار بين مختلفين , وليس حوارا بين صاحب الحق والهدى , وبين آخرين يعيشوا في ضلالهم وزيغهم . لذلك يقول تبارك وتعالى [ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ]. فالمساواة في الاختلاف من الضرورات العميقة التي تساهم في نجاح أي مشروع حواري وفي أي دائرة من الدوائر .

فالمطلوب هو أن نتحاور مع بعضنا البعض , على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات . ولا توجد سلطة لأحد في تفتيش عقائد البشر واتخاذ الإجراءات اللازمة على ضوء عملية التفتيش . كل المواطنين سواء , في ضرورة صيانة حرمتهم , واحترام عقائدهم وأفكارهم , والسماح لهم للتعبير عنها في ظل قانون يحمي الجميع ويصون خصوصياتهم .

فالغيرية في العقائد والأفكار , لا تنفي حقوق المواطنة , بل تؤكدها . وليس من شروط المواطنة المطابقة في الأفكار والقناعات .
ومن يبحث عن المطابقة , فإنه لن يجدها . فالمواطنة بقيمها وهياكلها ومؤسساتها , هي الإبداع الإنساني لحفظ الحقوق , وصيانة المكاسب , وإدارة التنوع بعقلية حضارية وإدارة حكيمة . ومبدأ الولاء والبراء , لا يعني ممارسة العدوان والحرب على الآخرين , وإنما وجود موقف نفسي يحول دون تأثير الآخر ( المحارب والمعتدي ) على أخلاقنا ونسيجنا الاجتماعي .

فـ ” الأصل في العلاقات مع الآخر في القرآن هي التواصل الفكري , والاجتماعي , والعائلي , والأخلاقي بدليل جواز مؤاكلتهم , ومخالطتهم , ومشاربتهم , ومصاهرتهم , والتعامل معهم في كل مجالات النشاط الاجتماعي . وهذه المقتربات لا تنسجم مع ( التولي والتبري ) كما يعرضها البعض في قالب عدواني ابتدائي مسبق .

فإن الموالاة المنهي عنها تأتي في نطاق إعلان الكره والحرب من قبل الطرف الآخر , أنها تبدأ من الطرف الآخر , هي جواب على موقف سلبي من الآخر يبدر منه أولا , وليس مع كل ( مخالف ) , كما هو مقرر في الفقه الإسلامي , وإن المودة المنهي عنها في الكتاب الكريم هي مودة الذين ينصبون العداء السافر , ويعملون على التعريض بالمؤمنين , ومن ثم هي حالة قلبية أكثر مما تكون حالة عملية , بل هي موقف قلبي صرف عند كثير من الفقهاء ” .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى