ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2020-11-29

طرد الوردي بسبب الكتب

يوسف أحمد الحسن

يبدو أن المفكر وعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ( 1913 – 1995 ) قد ولد بجينات القراءة .. فبعدما اضطر إلى ترك الكُتّاب لكي يساعد والده في عمله كعطار ، ترك والده والتحق بالمدرسة ثم طلب منه والده أن يتركها لأنها لا تطعم خبزا ، فقام بالعمل لدى عطار في السوق ولكن هذا الأخير طرده بسبب انشغاله عن الزبائن بقراءة الكتب والمجلات ، فما كان منه إلا أن افتتح دكانا صغيرا لنفسه ، لكنه عاد بعدها للدراسة مرة أخرى ، فأنهى الابتدائية إلى الجامعة ثم ابتعث لإكمال الماجستير والدكتوراة . ولذلك فإن الوردي عندما تحدث عن مشوار حياته وأسباب نجاحه أرجعه إلى عوامل ثلاثة كان أحدها العطار الذي طرده من العمل بسبب انشغاله بالقراءة . وورد في كتاب ( علي الوردي قراءة نقدية في آرائه المنهجية ) أنه قال أنه استمر في العمل عند العطار ( حتى أنعم الله عليه بالطرد منها لأنه كان يكره الزبائن بقدر حبه للمطالعة ) وقال ( كانت العاقبة أن طردني شر طردة ، أحمد الله على هذه الطردة ، فقد استطعت بعدها أن أتفرغ إلى كتبي الحبيبة إلى قلبي ) .

وأدى تفرغه هذا إلى إهداء المكتبة العربية مجموعة من الكتب في التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع تعد من أنفس الكتب في مجالها ، ولا يمكن لكاتب في علم الاجتماع مثلا أن يتجاوزها إن أراد الكتابة حول هذا الموضوع . فقد ألف ثمانية كتب طبعت في حياته ، وتسع كتب طبعت بعد وفاته ، وعدد من الكتب التي تم إعدادها من بعض مرافقيه ومحبيه هي حصيلة مقابلات أو مقالات متفرقة كتبها في حياته ، إضافة إلى عشرات الكتب والدراسات التي كتبت حوله .

وورد في كتاب ألفه عنه الدكتور محمد عيسى الخاقاني أنه تم استدعاؤه في زمن الرئيس عبدالسلام عارف بسبب معلومات ( لم يكن يعرف عنها الوردي ) أن أي سفير بريطاني أو أمريكي يعين في العراق يلزم بقراءة الترجمة الإنجليزية لكتابه ( دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ) حيث أجاب ( لأنهم يعرفوني وأنتم لا تعرفوني ، لأنهم يقرأون الفكر وأنتم لا تقرأون، لأنهم يحترمونني ويقرأون كتبي وأنتم تستدعونني للتحقيق ) .

وفي تعليقه على تعامل البعض مع الكتب وما يقرؤنه ( إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها، ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة ، فلا ننتظر منه أن يكون محايدًا في الحكم على الأمور ) .

وجاء في إهدائه لكتاب ( مهزلة العقل البشري ) : أهدي هذا الكتاب إلى القراء الذين يفهمون ما يقرأون . أما أولئك الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم . إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوه بأخيه ( وعاظ السلاطين ) من قبل ، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين . لقد آن لهم أن يعلموا أن زمان الصراخ قد ولى ، وحل محله زمان التروي والبحث الدقيق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى