ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2020-11-29

من أجل إكرام أفضل..!


اليَـبّانة أو المَقْبَرة، هي المكان الذي يدفن به الأموات سواء بشكل فردي أو جماعي، وكانت بعـــض الحضارات تهتم بتلك المدافن، بـل تغالي في تزيين مقابـر ملوكـها وشخصياتها كما كـــان يصنع المصريـون القدمـاء مثل مقبرة توت عنـخ آمـون، وأكبرها هي الأهرامات الموجودة ببقاع مختلفة من الكون. كما للمؤمنين أكبر مقبرة في العالم وهي مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف. ولا تقتصر المقابر على الأوادم فقط بل تتخذ بعـض الحيوانات المقابر لأنفسها كما تفعل الأفيال والغربان وغيرها.

والدفن، بمعنى وضع إنسان متوفي في الأرض، ويتم ذلك عن طريق حفر حفرة أو خندق ووضع الميت فيه ومواراتـه في الأرض، بحيث يؤمَن على جسده من السباع، ومن إيذاء ريحه للناس وهو من الواجبات الكفائية في الإسلام. وقد ورد في كتب الفقـه طريقة الدفن وأحكامه وإستحباباته وآدابه حسب ما نصت عليه الروايات.

نحن جيل ستينيات القرن الماضي وممن سبقونا لا بد لنا أن شاهدنا منظر تشييع احدى الجنائز يسبقها صوت المنادي قائـلا:(تقربـــــــوا الى الله يا مؤمنين بتشييع المتوفي فلان)، فيسارع الأهالي الى منزل الفقيد حيث كان سابقاً يتم تغسيله وتجهيزه في منزل ذويه، ثم يوضع على النعش ويرفعه الأهل والأصحاب من الرجال على الأكتف ويتعالى من حناجرهم التهليل والتكبير والتمجيد لملكوت السموات والأرَضين، دامعـة أعينهم لفــراق عزيزهم، وترتسم على وجوهم الحسرة والخشية من سوء المنقلب لاسمح الله، ويقطعـون في التشييع مسافة ليست بالبسيطة مقارنة بوضعنا الحالي، وان كان المتوفى امرأة يخرجن النساء خلف الرجال في موكب عــزائي وما أن يطرح الرجال الجنـازة عند حافـة القـبر يتوارى المشيعين جانبا ويباشرن النساء في اغلب الأحيان انزال المتوفاة في لحدها ومواراتها.

ولأن العمل على مواراة الموتى والعناية بالمقابر هو عمل إنساني بامتياز، وقد وردت فيه روايات كثيرة تبشر صاحبه بالثواب الجزيل، ومنها ما ورد عن رسول الله صل الله عليه وآله وسلم قال: «من احتفر لمسلمٍ قبراً محتسباً، حرمّه الله عن النار وبوّأه بيتاً من الجنة». لذا لم تخلو بلدتنا الحبيبة سيهات منذُ سالف العصر والزمان من ثلة من المؤمنـين أخذت على عاتقـها خدمة المجتمع ورعايته ومنها مواراة الموتى والعناية بالمقابر رغبـة في نيل المثوبة والأجر من الله سبحانه.

فمن أولى المبادرات التي قام بها الطيبون من آبائنا في إكرام المتوفين والعناية بالمقبرة، إنشاء “امغيســل” لغسل وتجهــيز المـوتى الى الجنـوب من “العين الشمالية” شاهدتـه من الخارج فقط، يتكون من غرفة واحدة بُنيَت من الطين، تقريبا في نفس مكان المغتسل الحالي، والذي لم يغب عن بال مهندس انشائه، المحافظة على الخصوصية للمتوفي حيث جعل بابه يفتح الى جهة الشرق بعيداً عن أعين المارة، مواجهاً لبساتين “القديح” اليانعـــة !؟ والتي كانـت تروى عبر جداول منحدرة من العين الشمالية.

وأيضاً لم يسعهم أن يشاهدوا مدافـــن موتاهم منتهكة، فعمدوا الى تسويـر المقبرة بالحجارة والجص وجعلـها “دار قوم مؤمنين” تصان فيـها القبور والمحافظة عليها من الـدواب والعابثين، وانا شخصيا لحقت على ذلك السور القديم والذي تم هدمه و إعادة تشييده اكثر من مره مع إعادة ردم المقبرة بالكامل إضافة الى ضم المقبرة الخاصـة بعائلـة الدبيس الكرام والتي تقع في الركن الشمالي الشرقي وكان لها ساتر ومدخل خاص بها.

واصلت الأجيال نهج أباءهم في إكرام الموتى، فقاموا بمبادرة تعتبر نقله نوعية ببناء مغتسل جديد وحديث بديلاً عن المغيسل “غرفة الطين “، أعقبه بسنوات تجديد ثـانٍ بشكل أوسع وأكثر جاهزية وهو ما هو قائم الآن.

تـلا ذلك مبادرة أخرى تمثلت بإعادة بناء (مسجد القاسم) الموجود داخل أسوار المقبرة وتوسيعه وعمل سقيفـة كمصلى عند الصلاة على المـــوتى.

بهمة وعزيمة جيل الشباب الواعي والمبدع والتـواق للعمل التطوعي والخدمي نهضوا بمبادرة رائعة أنهت الدفن العشوائي وذلك بتقسيم المقبرة الى مربعات وتنظيم وترقيم القبور بالاستفادة من التطبيقات الإلكترونية «الجَبانّة» الذي يهدف الى حفظ وتحديث قاعدة بيانـات الموتى. مما جعل مقبرة سيهات الأكـثر تنظيما على مستوى مقابر المنطقة، بعد أن كانت تفتقر حتى الى الحد الأدنى من الترتيب والتنظيم والتنظيف وكانت تنمو بها الحشائـش والأعشاب، ولا يسلم زائري المقبرة من تشميخ سيقانهم بالسلأ (العاقـول، وهو نبات عشـبي ويسمى أيضا شوك الجمل وكان يغـطي مساحات واسعة من المقبرة) أو أن تهشع أقدامهم داخل قبر دارس، عبروا من فوقه دون علمهم أن ما وطأته أقدامهم هو رمس لأحد أعزّاءهم، حيث كانوا يسيرون على غير هدى فلا طريق واضح، بل قبور مبعثرة يتيه بينها الناس لدرجة يصعب على كثير منهم التعرف على قبور أرحامهم وأقاربهم بعد فترة قصيرة من دفنهم.

فكرة تشجير مربع جنة الأطفال، نجاح تجربتها قد تسهم في اتخاذ قرار بتغطية كامل المقبرة بأشجار مناسبة توفر الفـيء للمرتادين وتخفف من وحشـة المكان وتحسين المشهد البصري.

كانـت عملية حفر القبور بها كثير من العناء وكانوا القائمين على حفرها يعملون بصمت وفي جميع الأوقات والظروف المناخية، فجاءت مبادرة استخدام الحَفَّار الآلي لحفر القبور، مما سهل وسرع عمليــة الحفـر، واعتبرها أولئـك الجنود المجهولون بلسماً خفف من معاناتهم وأشعرهم أن مجتمعهم الطيب يقف الى جانبهم ويساندهم.

تجربـــة استخدام عربة الجولف كبديل عن النعش في بعض الحالات الخاصة (فكرة قابلة للتطوير). لربما يصبح هناك سير متحرك ينقل الجثمان بعد تجهيزه من المغتسل الى القبر رقم (##) آليا؟!

قفـزة أخيرة أنا شخصيا أفكر فيها (استخدام الرافعة لأنزال الجنازة في القبر؟ لماذا؟) من مشاهداتي عندما يكون المتوفي رجلا (ذو وزن طبيعي) لا إشكال في ذلك، فالمؤمنون كـثر والمتخصصون حاضرون، لكن عندما تكون الجنازة لامرأة والنساء لم يعد لهن دور في المواراة، (إلا إذا كانت حواء، ترغب في تمكينها من خدمة نفسها؟) وإلا وجب على المحرم لها مواراتها، بعضهن تجد لـها مـن أقاربها وأرحامها الخبـير والممارس فيقومون بما يلزم على مايرام، والبعض منهن قد لا يكون لها من الأقرباء العدد الكافي أو من “يطَهَّم” من الـنزول في القبر أو من هو على دراية بالمـواراة بالشكل الصحيح بالرغم مـــن التوجيه من بعض المشرفين المتواجدين فتحدث بعض إشكالات في الأخذ والرد…. تجنباً لتلك المواقف والإحراجات، هل بالإمكان استحداث طريقـة ما؟ كوضع الجثمان مثلا على منصة معينة أثناء التجهيز يمكن من خلالها من رفع وإنزال الجثمان ككتله واحدة وبالشكل الصحيح بواسطة رافعة تشبه تلك الرافعات المستخدمة في المستشفيات لنقل المرضى وكبار السن دون الحاجة لمعالجات أخرى..

مجرد فكرة مبتكرة (Innovation Idea) أضعها بين أيدي اللجان المتخصصة لدراستها وبحث جدواها وإمكانية تنفيذها وان كان في نطاق محدد لبعض الحالات الخاصة.

في الختام لا أنسى أن ارفـع القبعة أو العقال وانحني تقديراً واحتراماً للقائمين على إكرام الموتى على مر الأجيال والحقب من متطوعين وناشطين في الخدمة المجتمعية والمشرفين والإداريـين الرسميين، وكذلك أصحاب الأيادي البيضاء الذين يبذلون ما في وسعهم لتذليل الصعاب وتيسير الأمور لتقديم الإكرام الأفضل للموتى. رحم الله جميع المؤمنين الماضين وأطال في أعمار أباءنا وإخواننا الباقين في خير وعافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى