ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2020-12-05

الصَّـــــبِيّ…!


الصَّبِيُّ هو الناشئ الذي يُدرَّب على المهنة بالعمل والاحتذاء، أي (متدرجApprentice ) على حد تعبير الأرامكويون. وكان ذلك المصطلح (صَّبِيّ) رائجا في زمن الأباء حيث كان شباب تلك الحقبة ينخرطون في العمل وتعلم المهن لقاء أجر يومي، وهو من قواعد الإسلام وسلوك الأنبياء، ومنهج الصالحين من المؤمنين على وجوب العمل واكتساب المال من وجوه الحلال للإنفاق منه، والارتقـاء به، فبالمال يقتات الإنسان ويكتسي، ويربي عياله، ويصل رحمه، ويحفظ عرضه، ويصون دينه، ويذود عن وطنه، ويصطنع الرجال، ويستغني عن السؤال ويحيا عزيزاً كريماً، ويموت جليلاً حميداً.

ولهذا نجد أن الإسلام يحض على العمل، ويحث على السعي والكسب، ويأمر بالانتشار في الأرض للنيل من فضل الله والأكل من رزقه قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ). (الملك: الآية (15).

ولقد ضرب الأنبياء عليهم السلام المثل في السعي والعمل، وكانت لهم حرف يرتزقون منها ومن أمثلة ذلك: كان آدم عليه السلام حراثا، وكان داود عليه السلام صانعا للزرد والدروع، وعمل موسى عليه السلام أجيرا عند الرجل الصالح في الرعي، وعمل رسولنا محمد صلى الله عليه وآله في الرعي والتجارة.

ولأني عشت في كنف أسرة كادحة تمتهن بعض المهن والحرف كالزراعة والتجارة والنقل بواسطة الدواب (Heavy Duty Transportation)، لنقل مواد البناء من حجارة وجص وجذوع وسعف النخيل وكذلك مختلف البضائع من مواد غذائية وغيرها، فكان وجود بعض الصبيان في المنزل أو في حقل العمل امر مسلم به، بعضهم يكون طيبا خدوما صبورا أمينا فيقابل بالثناء والتقدير والبعض يكون غـير ذلك فلا تطول مدة مكوثه، فيطاله التفنيش (Termination Out) من أول سانحة.

فمنذُ أن تفتحت عيناي كنت أشاهد في المنزل الصَّبِيّ (علي البصــري) تناديه يدتيه: ياااولديه، وهو يجيبها: “نعم عمتيه”، كثيرا ما رأيته جالسا مع يديه ويدتيه، على السفرة يتناولون طعامهم من إناء واحد لا فرق بين الأجير و رب العمل في مشهد يفيض إنسانية ورحمة يقابله الإخلاص والوفاء.

“علي البصري” الرجل الأمين من أهالي الأحساء الكرام، مربوع القامة، قوي البنية، يهتم بنظافته الشخصية ويحرص على هندامه، وقــد كان له من اسمـه نصيبا أيضا، حيث كانت هيئته بعد وقت العمل تشبه وجهاء العراق، إلا انه غير معروف كعالم الاجتماعيات والمؤرخ (علي الوردي) أو الوزير بحكومة البلاط العراقي أبو عادل، عبد المهدي المنتفج، فكان “يكشخ” حيث يضع على رأسه الكوفية والعقال الغليظ ويرتدي الصخمة والمعطف فوق ملابسه، كان حريصاً على أداء عملـه على الوجـه الأكمل ما استطاع، بحضرته نخشى نحن الصغار من العبث بالمزروعات أو قطف الثمار دون إذنه، كان يطالبنا بقطف الثمار على قدر حاجتنا فقط ولا يتركنا نلعب كيفما نشاء بين حقول المزروعات وتقوم قائمته عندما نغير من اتجاه الماء اثناء الري من الساقية الى “لشروب” فننهزم من امامه وهو يزبد ويرعد من بعيد رافعا “صخينته” في وجوهنا.

كان لنحنحتة عند دخوله وخروجه من الدار لحن خاص، يطرب له كل من في الدار حتى القطط والأبقار وجميع الدواب تشعر بعطفه وبما يغدق عليها من عناية ورعاية.

لكن دوام الحال من المحال، بارت الزراعة وكسدت التجارة، وتبدلت وسائل النقل من الدواب الى آليات متطورة، “ونيتات و لوريات ونشالات”. ولأنه عزيزا وكريما، استأذن بالرحيل عائدا الى موطنه الأحساء الحبيبة باحثا عن رزقه وقوت عياله، لكنه لم يتخلى عن وفاءه، كان وصولا كثير التردد على زيارة عمـه وعمتـه ولا يُقبل عليهما خالي الي اليد بل يحمل لهما صوغته، “شمته” من الحب الشمسي، و”ياقـول” تمر اخلاص حساوي، و”قفة”، ملفوفة بإحكام بورق شجر الموز محفوظا بها الخبز الأحمر “خمير”.

فللأجير حقوق كثيرة منها: احترام كرامته ومنحه وقتا للراحة وعدم شتمه أو ضربه وعدم تكليفه ما لا يطيق وعدم إرهاقه…كما عليه واجبات كأن يكون قوياً أميناً، والقوة تتحقق بأن يكون عالماً بالعمل الذي يسند إليه وقادراً على القيام به، وأن يكون أميناً على ما تحت يده، قال الله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. ( القصص: 26).

كذلك إتقان العمل، فالإسلام يحض المسلمين على الإتقان في كل جوانب حياتهم وسائر أعمالهم، قال رسول الله صل الله عليه وآله:” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. فالعامل المخلص المتقن، هو ذلك الإنسان الحاذق لصنعته وحرفته والذي يقوم بما يسند إليه من أعمال ووظائف بإحكام وإجادة تامة، مع المراقبة الدائمة لله في عمله، وحرصه الكامل على نيل مرضاة الله من وراء عمله، وهذا النوع من العمال والموظفين لا يحتاج إلى الرقابة البشرية؛ والبون شاسع بين من يعمل خوفا من إنسان، يغيب عنه أكثر مما يتواجد، وخداعه ما أيسره.. وبين آخر يعمل تحت رقابة من لا يغيب عنه لحظه، ومن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء..

فما أظمأنا لهذا النوع من العمال والموظفين المخلصين المتقنين لأعمالهم، ولمؤسسات ورجال أعمال منصفين يشعرون بحاجة من يستأجرونهم ويعتبرونهم شركاء في فريق عمل واحد فالنجاح لا يتحقق الا بالتكاتـف والرضا من الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى