مايسطرون
2021-01-30

العمل الاجتماعي بين التجاذب والتصادم


ثمة ضرورات عديدة ، تدفعنا باستمرار صوب فحص واقعنا ، ونقد سائدنا ، بغية التخلص من الشوائب ، والانطلاق في رحاب التقدم والتطور .

والساحة الاجتماعية كغيرها من الساحات تتعدد فيها الارادات ، وتتنافس فيها المشروعات ، وتختلط فيها النوازع والنزاعات ، وتلتبس فيها الأولويات ، ويعيش الجميع فيها تحت ضغط الواقع وإكراهاته المتعددة .

من هنا نحن بحاجة بين فترة زمنية وأخرى ، للتأمل قليلا ومساءلة السائد ، ونقد التجربة في كل أبعادها ومستوياتها ، وخلق الأطر القادرة على استيعاب الجميع بكل تنوعهم وتعددهم الكمي والنوعي .

وفي هذا الإطار نود أن نتحدث حول ثلاث محاور ، نرى أنها تساهم في تظهير الرؤية المطلوبة تجاه واقع العمل الاجتماعي واستقطاباته المتعددة.

 

المحور الأول : ثقوب في الوعي الاجتماعي :

عديدة هي المشاكل والقضايا التي تعانيها مجتمعاتنا، وتمارس دوراً سيئاً في نظام علاقاتها الداخلية، وما يترتب على ذلك من ضعف واهتراء وتدهور وغياب الحدود الدنيا من متطلبات الثقة وحسن الظن. ولعل المخاطر التي تثيرها هذه الأدران والأمراض، هي أخطر بكثير من تحديات الخارج ومؤامرته المتواصلة. وذلك لأن هذه التحديات بأهدافها وآليات عملها تحفز الداخل على الاستعداد، وتوفر امكانية القيام لمواجهتها من قبل جميع شرائح المجتمع. أما أدران الداخل وأمراضه فهي تنخر في الجسم الاجتماعي نخراً، وتقوّض أسس القوة والعزة ببطء وهدوء، مما يؤدي إلى تأثيرها العظيم دون انتباه الكثير من الناس والمعنيين. ويقول تبارك وتعالى } بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بورا{  (الفتح الآية 12)..   فالنتيجة التي تؤكدها الآية الكريمة، وهي البوار والتردي، مرتبطة بشكل مباشر بالمقدمة التي تحدثت عنها الآية.. أي أن ظن السوء يقود إلى البوار والخسران. وذلك لأن هذا الظن يفتت العلاقات الداخلية وينخر في نظام المجتمع، مما يؤدي في المحصلة الأخيرة إلى غياب كل أسباب القوة في المجتمع مما يفضي إلى البوار والتردي.

لذلك ينبغي لنا باستمرار أن نفحص واقعنا الاجتماعي، ونعمل على طرد كل القضايا والمشاكل التي تساهم في ضعفنا وتدهورنا وخسراننا سواء إلى معارك التنمية والبناء أو معارك إفشال مخططات الأعداء.

وإن المنطقة وعلى ضوء تطورات الحرب الأمريكية والبريطانية على العراق، تعيش مرحلة حرجة، مما يتطلب من الجميع الانتباه والتعامل مع ما يجري بروح عالية من المسؤولية. ونحن وفق هذا المنظور ينبغي أن نتعامل مع مشكلاتنا الداخلية، التي تساهم بشكل أو بآخر في تضعيف المجتمع، وإدخاله في معارك جزئية وهامشية، لا تفضي إلا إلى المزيد من تراجع موقعنا على الصعد كافة..

ولعل من أهم القضايا التي ينبغي أن نعمل على علاجها بشكل سريع، هي تلك القضايا التي تثيرها عقلية التعصب الأعمى، وما تثيرها هذه العقلية من أحقاد وضغائن تربك ساحات العرب والمسلمين الداخلية، وتفتح جروحاً وحروباً وفتناً، تهدد الجميع بالاندثار والضياع.

وإننا كعرب ومسلمين، لا نستطيع أن نواجه أعداء الأمة وتحدياتها الكبرى، إلا بتنقية أجوائنا وأوضاعنا من تلك الأمراض والأدران، التي تربك أحوالنا الداخلية، وتسعى نحو تفتيتنا وتشتيتنا تحت عناوين ومسميات مختلفة. إن وحدتنا الوطنية والعربية والإسلامية، تقتضي منا جميعاً نبذ التعصب ومحاربة ثقافة الحقد والضغينة والكراهية وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها ومتوالياتها النفسية والسلوكية، هي التي تدخلنا في نفق الضياع والتردي. إننا أحوج ما نكون اليوم، إلى تعزيز وحدتنا الوطنية، وتمتين جبهتنا الداخلية..

ولا يتم كل هذا إلا بطرد تلك الثقافة، التي تربي الإنسان على الحقد والكراهية والفرز بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد.. لا يمكن أن تنمو حقائق الوحدة في أي مجتمع مع ثقافة التعصب والكراهية، وذلك لأن هذه الأخيرة تقوّض كل أسس التوافق وأسباب الوحدة وضرورات الالتحام والائتلاف.

لذلك فإن عمق وحدتنا كعرب ومسلمين، مرهون إلى حد بعيد على قدرتنا في تأسيس ثقافة اجتماعية جديدة قوامها التسامح واحترام الاختلاف والالتزام بمقتضيات حقوق الإنسان.

وإن إيماننا العميق بأفكارنا وتصوراتنا إلى الأمور والقضايا، ينبغي أن لا يدفعنا إلى تبني خيارات قسرية وعنفية في التعامل مع الآخرين. فالقسر لا تقود إلى الإقناع والالتزام، والعنف يزيد من ابتعاد الناس عن قناعاتنا وأفكارنا. فلا يكفي أن تكون أفكار الإنسان صحيحة أو أهدافه نبيلة، وإنما من الضروري أن يتبنى أساليب ووسائل منسجمة ونبل الأهداف ومتناغمة وإنسانية الإنسان. وفي الكثير من الأحيان، الذي يقود الإنسان إلى الالتزام بفكرة ما أو عقيدة ما، ليس أهدافها وغاياتها، وإنما طبيعة الأساليب والوسائل المستخدمة للتعريف بتلك الفكرة والعقيدة. لذلك يقول تبارك وتعالى { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}.

فالسلوك الايجابي والممارسة الحسنة المنضبطة بضوابط الأخلاق وحسن التعامل مع الآخر، هو الذي يقود إلى الإقناع والالتزام.. أما ممارسة العنف والقسر، فلا يقود إلا إلى المزيد من التفلت من هذه الأفكار والقناعات والأهداف.. لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية، تؤكد على ضرورة الرحمة والرفق في التعامل مع الآخرين. وهذه القيم والصفات هي القادرة وحدها على نقل الإنسان من موقع الأخوة والصحبة، ومن موقع الاتهام وسوء الظن إلى موقع الاحترام وحسن الظن. لذلك جاء في الحديث الشريف ( إن الرفق لم يوضع في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف )..  فالباري عز وجل يبغض العنف في العلاقات الإنسانية، كما أن تأثيرات هذا السلوك وهذه الممارسة وخيمة على استقرار المجتمع وأمنه.

فالعصبية بمتوالياتها المتعددة، والكراهية بما تنتجه من أعمال ومواقف تجاه الآخر، ساهمت في هزيمتنا وتأخرنا. وذلك لأننا أصبحنا دائماً نعاني من أمراضنا وأدراننا الداخلية، ولا نمتلك القدرة الكافية من جراء ذلك للخروج من هذه الشرنقة التي بناها أهل التعصب لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

فحينما تهتك الحرمات وتزداد الافتراءات والأراجيف، يدخل الواقع الاجتماعي في أتون المعارك العبثية، التي لا تزيده إلا ضياعاً وبعداً عن صناعة المنجز الحضاري أو الدفاع عن قضاياه الجوهرية.

لذلك فإننا نرى أن ثقافة الكراهية والتعصب في العالم العربي والإسلامي، ساهمت في إرباك نظام الأولويات، كما أنها خلطت الأوراق وجعلت الجميع بشكل أو بآخر خاضعاً لتداعياتها. ولعلنا نقترب من الحقيقة، حين القول إن العلاقة جد قصيرة بين هذا الانشغال والخضوع والمحاولات التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على العالمين العربي والإسلامي والسيطرة على مقدراتهما وثرواتهما.لهذا فإننا نرى في هذه الثقافة بكل وسائطها ومنتجاتها من الثقوب الأساسية في وعينا الاجتماعي، والتي تساهم في زيادة وتيرة تراجعنا واندحارنا.لذلك ينبغي أن يعمل الجميع لسد هذه الثغرات والثقوب، حتى يتوفر الوعي الاجتماعي القادر على صيانة الوحدة الوطنية والمتجه بقوة وحكمة صوب خلق موجبات التطور والتقدم.

فالقلوب المظلمة بالحقد والكراهية، لا يمكنها أن تضيء قلب أحد، وذلك لأن تراكم الضغينة يحول دون اكتشاف الطريق المناسب والسليم لممارسة الهداية والدعوة.. لذلك جاء في المأثور ( احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك ) .

وعليه فإن خلق الوعي الاجتماعي الجديد، بحاجة إلى الأمور التالية:

1- لا ريب أن بناء الوعي الاجتماعي الجديد، وأحداث قطيعة حقيقية على المستويين المعرفي والسلوكي مع ثقافة التعصب والكراهية، بحاجة إلى عمل متراكم يتجه إلى بناء حقائق مجتمعية، تعلي من شأن التسامح والحوار. وهذا يتطلب من الجميع آحاداً وجماعات ممارسة مسؤولية تطوير الأداء والسلوك الاجتماعي المستند على قيم التواصل والمناقبيات الأخلاقية ومساواة الذات بالآخر.

فالوعي الاجتماعي الجديد، لا يبنى صدفة أو من خلال جهد شريحة أو فئة من المجتمع، وإنما يبنى من خلال جهود وسعي الجميع، كل من موقعه ينبغي أن يمارس دوره ووظيفته في القطع مع ثقافة التعصب وموجباتها الخاصة والعامة وإرساء معالم ثقافة وعي جديد تنسجم ومقتضيات الأخوة الدينية والوطنية.

2- إننا ومن مختلف مواقعنا بحاجة أن نتخلص من الأنفة والحمية والإحساس المرَضي بالذات. وذلك لأن هذه العناصر تختزن الكثير من الآثار والأمراض التي تؤثر على طبيعة ومفهوم الاستقرار في المجتمع. فالشعور بخيريتك من الآخر يقود إلى التكبر وممارسة الظلم تجاهه. لذلك فإن المطلوب أن يكون الإنسان واقعياً وموضوعياً في نظرته إلى نفسه والى الآخرين، فيدرس ما عنده من خصائص وما عند الآخرين من خصائص، حتى يعرف حجمه أمام الآخر، ويعرف حجم الآخر أمامه.

فمن خلال النظرة الموضوعية والعادلة للذات والآخر، يكتشف الإنسان أبعاده الإنسانية العميقة التي تدفعه للمزيد من التواصل ونسج العلاقات الطيبة والأخوية مع الآخرين.

لذلك نجد أن القرآن الحكيم، يؤكد على حقيقة أن الباري عز وجل أنزل على المؤمنين سكينته، التي تنعكس في حياته الخاصة والعامة طمأنينة وهدوء النفس وملازمة التقوى في السر والعلن. إذ يقول تبارك وتعالى  } إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما {.. فالإنسان بما يختزن من سكينة الإيمان ومقتضيات التقوى، يساهم مساهمة رئيسية في إرساء وعي اجتماعي جديد، ينبذ التعصب وكل أشكال الحمية الجاهلية، ويعمل على نسج علاقات عميقة مع الآخر على قاعدة الاعتراف والمساواة.

فتعالوا أيها الأحبة ومن مختلف مواقعنا، نتدرب على ممارسة الفضيلة بكل تجلياتها ومقتضياتها مع المختلفين معنا، وأن نزيل من قلوبنا كل الأغلال التي تحول دون الحوار والانفتاح والتواصل مع الآخرين. فالاختلاف في الدائرة الوطنية والإسلامية لا يقود إلى الخصومة بل إلى الحوار والفهم المتبادل والتلاقي حتى تتبلور الرؤية ويزول الغبش وتزداد أسباب الألفة والمحبة.

 

 

المحور الثاني : الاختلاف والتعايش السلمي :

ثمة حقيقة إنسانية ثابتة، ينبغي الاستناد عليها في عملية تطوير العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وتجاوز كل الإحن والأحقاد والضغائن التي تحدث بين بني الإنسان من جراء تباين وجهات نظرهم أو تناقض مصالحهم أو اختلاف مشاربهم الأيدلوجية أو ما شبه، وهي أن الاختلاف بين البشر من النواميس الكونية والاجتماعية، التي لا يمكن نفيها أو التغاضي عنها.

وسيبقى سنة ماضية في حياة البشر.. إذ يقول تعالى {ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}  ( سورة هود، الآية 118- 119) .   ولكن هذا الاختلاف الإنساني، ليس مدعاة للتنابذ والنزاعات والحروب والصراعات المفتوحة، وإنما هو مدعاة للتفاعل الايجابي والبناء والتعاون، وذلك لأن هذا الاختلاف ليس اختلاف أفضلية قومية أو عرقية أو قبلية أو أثنية أو ما أشبه، بل هو اختلاف غائي، جعل الباري عز وجل غايته أن يكون سببا للتبادل والتداخل والتشارك والتعايش والتعارف، وللجدل الذي يقوم عليه نظام الحياة، لذلك نجد أن الدين الإسلامي، يقف موقفا مضادا من كل حالات التفضيل الترابي بين بني الإنسان. فلا فضل لعرق على آخر، أو لنحلة على أخرى أو لون على لون، وإنما هم جميعا سواء ويبقى معيار التفاضل معيارا كسبيا بصرف النظر عن الأصل والمنبت، إذ يقول تبارك وتعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }..  فالتفاضل بين البشر لا يكون إلا في الأمور الكسبية، حيث أن الله تعالى وفر لجميع الخلق كل الامكانات والقدرات، والتباين يبدأ ويتضح من جراء حجم الاستفادة من هذه القدرات بين البشر، فالاختلاف بين البشر، لا يؤسس لأي عملية تفاضلية، استنادا على عرق أو لون أو ما أشبه، وإنما يقود للتداول والتبادل والتعاون والتعارف، حتى يستطيع البشر الاستفادة من بعضهم البعض على مختلف المستويات والمجالات.

ولكي تتم هذه الاستفادة على أكمل وجه، من الضروري التعامل مع الآخرين مهما كانت أصولهم أو ألوانهم أو قناعاتهم على قاعدة المساواة والاشتراك في الآدمية والإنسانية، فلا نمارس عملية الإقصاء والتهميش والنبذ، ولا نتنصل من موجبات المشترك الإنساني.

وعليه فإن الاختلاف الذي هو لازمة من لوازم الإنسان، وسنة كونية واجتماعية، ليس مدعاة للشقاق والنزاع والاحتراب، وإنما هو يؤسس للتعايش والتعاون، ولقد أوجد الدين الإسلامي جملة من المبادئ التي تؤسس لحالة التعايش الاجتماعي والإنساني، وأهم مبادئ التعايش الآتي:

1- التعارف وكسر حواجز الجهل المتبادل، وتعميق عوامل الوئام الاجتماعي.. ولعلنا لا نبالغ حين القول، بان الحوار بين البشر هو الوسيلة المثلى للتعارف وإضاءة النقاط المظلمة في العلاقات بين البشر، لذلك أكد القرآن الحكيم على هذه القيمة، واعتبر أن التعدد والاختلاف الموجود بين البشر، ليس من أجل الاستعلاء والانزواء، وإنما هو من أجل التعارف وكسر حواجز الجهل المتبادل وصولا إلى تعميق عوامل وأواصر التفكير الحر والسليم.. قال تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.. ( سورة الحجرات الآية  13 ) .

ويشير الدكتور طه جابر العلواني إلى أهمية مبدأ التعارف في عملية التعايش والاستقرار بقوله: إن المسلمين لا يقبلون مبدأ احترام خصوصيات الآخرين فحسب، بل إنهم يطالبون أنفسهم والآخرين بالوقوف مع الداعين لحماية الخصوصيات، خصوصيات الشعوب على تنوعها، من لغات، وتاريخ، وآداب، وثقافات لكن لا من أجل تحويلها إلى ما يشبه العوازل الخرسانية بين البشر، وبين الأمم، بل من أجل مساعدة البشر، كل البشر، على إدراك إنسانيتهم المشتركة، ونسبيتهم، وإيجاد حالة التعارف المؤدية إلى التآلف، الذي يقود إلى التعاون، على تعزيز ما عرف في الإسلام بالمعروف، وأضعاف ما عرف فيه أيضا بالمنكر . والمعروف ما تعرفه البشرية، ويمكن أن تتعارف عليه جميعا، وتتبناه، والمنكر ما تنكره الفطرة، وترفضه طبيعتها، ولا يمكن للناس أن يجتمعوا عليه، أو أن يقيموا بنيان حياتهم على جرفه الهار، أو أسسه المهتزة، فالاختلاف ليس سببا للجفاء والتباعد، والتباين في وجهات النظر، لا يلغي الجوامع المشتركة بين بني الإنسان، وتعدد الاجتهادات ليس مدعاة للنبذ والنفي، وإنما كل هذا يؤسس للانخراط في مشروع التعارف والفهم المتبادل، حتى نشترك جميعا في بناء حياتنا على أسس العدالة والتعاون على البر والتقوى.. فالله خلقنا من نفس واحدة مهما اختلفت أحوالنا وألواننا وأفكارنا، وهذا بطبيعة الحال يقتضي منا جميعا العمل على إرساء معالم التعارف المباشر على بعضنا البعض، ونبذ كل أشكال القطيعة والجفاء والتباعد.. إذ يقول تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساءً} ( سورة النساء الآية 1 )..   فنحن جميعا أسرة واحدة ممتدة، لذلك علينا توطيد أواصر هذه الوحدة بالمزيد من التعارف والتواصل، فالدين الإسلامي يرسي مبدأ التعارف المفتوح على كل المبادرات والابتكارات لإنجاز مفهوم التعايش والاستقرار الاجتماعي. إذ انه لا يمكننا أن نحقق مفهوم التعايش السلمي بدون التعارف، فهذا المنهج هو الذي يزيل الالتباسات، وينجز الأسس النفسية والسلوكية للحوار والتواصل والتعاون..

2- التعاون، إذ إننا مطالبون أن نوصل مفهوم التعارف بيننا إلى مستوى متقدم يؤهلنا نفسيا وعمليا للتعاون، حيث إننا كمجتمعات، لا يمكن أن نثبت مفهوم التعايش السلمي بدون تطوير مستوى التداخل والتعاون بين مكونات الأمة والمجتمع والوطن.

إذ أن وحدة المجتمعات، بحاجة إلى تشابك مصالح مكوناتها، وتتعاون أطرها ومؤسساتها في سياق تعميق هذا الخيار، وتجذير مشروع التعايش السلمي.

ولا ريب أن إطلاق العنان للنفس، لاتهام الآخرين وتحميلهم ما لم يقولوه أو يؤمنوا به، يعد احد الأسباب الجوهرية التي تحول دون التعاون على البر والتقوى بين مكونات الأمة والوطن.

فالتعاون بحاجة إلى صفات نفسية وسلوكية متبادلة قوامها الرحمة وحسن الظن والثقة والتسامح وقبول الرأي المخالف، حيث إن هذه الصفات، تخلق مناخا اجتماعيا مؤاتيا إلى التعاون والتعاضد والتضامن فليس من المعقول، إننا على المستوى النظري ننتمي إلى شرعة التيسير والرحمة، ولكننا على المستوى الواقعي نسرف في التشدد والغلو والتطرف.

وإذا توفرت في بعض حقبنا التاريخية بعض مظاهر الإسراف المذكورة، نحن بحاجة إلى تجاوزها معرفيا وفلسفيا واجتماعيا، ونعمل معاً على تنقية واقعنا بكل روافده من عوامل الغلو وأسباب التشدد التي لا تنسجم ومقتضيات سماحة الإسلام ورحمته.

من هنا فان التعاون يقتضي التمسك بحرية الرأي ونفي الإكراه والاضطهاد، وتوفير كل مستلزمات البحث والحوار الحر والموضوعي، وذلك لأن الإكراه بكل صنوفه وأشكاله، يخلق واقعا نفسياً واجتماعياً يحول دون التعاون، حيث ستسود حالات الخوف وغياب الثقة المتبادلة وازدياد وتيرة الهواجس المجهضة لكل فعل وممارسة تضامنية، وتعاونية.

3-  العدل وذلك لأن تجاوز حقوق الآخرين، والتعدي على خصوصياتهم، يفضي إلى غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولا تعايش سلمي بدون استقرار، ولا استقرار بدون عدل بحيث يعطي كل ذي حق حقه، لذلك فان من المبادئ الأساسية للتعايش السلمي، هو ترسيخ مبدأ العدالة في الواقع الاجتماعي بحيث يسود هذا المبدأ الذي هو أساس الاستقرار في العلاقات الاجتماعية وأنماط التواصل بين مختلف شرائح وفئات المجتمع، والعدالة كقيمة كبرى، لا يمكن أن تسود في أي مجتمع، إلا إذا عمل كل فرد على تزكية نفسه وممارسة دوره وتحمل مسؤوليته وعمل على تطوير وتنمية واقعه، وذلك لأن الجذر النفسي للعدالة، هو خلو النفس من الأحقاد الناتجة عن الحسد والكراهية والقسوة، ومن خلوها من المطامع الناتجة من حب الدنيا والحرص عليها والإغراق في الشهوات، فيكون العدل نتاج المحبة والرحمة واحترام الآخرين والثقة بهم وبامكاناتهم وكسبهم، لذلك نجد أن الذكر الحكيم يأمرنا بممارسة العدالة في كل دوائرنا، إذ يقول تبارك وتعالى  { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}  ( سورة المائدة الآية 8 ) .

فإذا كنا جميعا نروم الاستقرار، ونتطلع إلى التعايش السلمي، فلابد أن نعمل على توطيد أركان العدل في الواقع الاجتماعي.

لأن العدل في كل مجالات الحياة، هو بوابة الاستقرار، ومبدأ وجوهر التعايش السلمي، وعليه فان الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقودنا إلى النزاع والشقاق، بل إلى التبادل والتداول والاحترام المتبادل.

ولكي تتحول حالة التعايش بين مكونات المجتمع وفئاته المتعددة، إلى حقيقة راسخة وثابتة، نحن بحاجة إلى الالتزام بهذا الثالوث القيمي

( التعارف، التعاون، العدالة ) فهي مبادئ التعايش الراسخ، وبها نتمكن من حماية وحدتنا ومكاسبنا، والعمل على تنمية واقعنا في كل الحقول والمجالات.

 

 المحور الثالث : حق العيش المشترك :

عديدة هي الأسئلة الكبرى، التي تتطلب رؤية وإجابة حقيقية عليها. وذلك لأن وجود الأسئلة الملحة في حياة الإنسان، دون توفر امكانية بلورة رؤية واضحة وإجابة صريحة عليها، يزيد من غبش الرؤية ويدخل المرء في متاهات ودهاليز التردد والضياع. لذلك فنحن بحاجة ماسة باستمرار إلى الإجابة على أسئلة راهننا، والبحث في صياغة رؤية متكاملة عن تحديات واقعنا، وسبل الخروج من مأزق وأزمات الحاضر.

ولعل من أهم هذه الأسئلة المطروحة اليوم: هل يمكن أن يعيش الإنسان حياة مشتركة وسليمة مع الآخر بغض النظر عن هويته ونقاط التمايز العديدة بينهما. فلا يمكن على الصعيد الواقعي أن تكون هويات البشر واحدة أو رؤيتهم للأمور والقضايا متطابقة. إذ أن الاختلاف في الهوية والرؤية والنظرة إلى الأشياء من نواميس الحياة.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور الحياة من دون هذه الاختلافات والتمايزات والتنوعات. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن للإنسان أن يعيش وحده، منعزلاً عن الآخرين، ومنكفئاً عن المغايرين. فالتعايش مع الآخرين أضحى اليوم ضرورة، ولا فكاك منها. لذلك كيف يمكن صياغة حياتنا الاجتماعية والعامة وفق هاتين الحاجتين: حاجة الاختلاف والتمايز على صعيد الهوية ونظام المعنى والتفكير. وحاجة التعايش المشترك مع الآخر المختلف والمغاير. فلا يمكن للإنسان أن يهرب من حقائق واقعه وعصره، كما أنه ليس بمقدوره أن يعيش وحده، بعيداً عن الآخرين وشؤونهم المختلفة. فدمج الهويات العميقة في حياة الإنسان، ليس ممكناً لأن كل طرف يرى في هويته العميقة الجدارة وأهلية الاستمرار والغلبة والتفوق والتمكن. كما أن الانحباس في هذه الهويات، يضر بحالة الوحدة والتعاون بين بني الإنسان في دوائر حياتهم المختلفة.

فمحاولات الدمج والتذويب، لا تفضي على الصعيد العملي، إلا للمزيد من التشبث بالخصوصيات وكل ما هو مميز للذات عن الآخر. كما أن مشروعات الاستغناء عن الآخرين ليست مواتية وغير ممكنة في آن.

لهذا نحن بحاجة إلى أن نبحث في صياغة أخرى للحل والمعالجة، لا تلغي حق الاختلاف والتنوع والتعددية، كما أنها لا تشرع للانحباس والعزلة أو للفوضى والانفلاش.

ولفهم هذه الظاهرة ( كما يعبر جوزيف ياكوب ) وما تنبئ به، لابد من إدراك معنى الانقلاب التاريخي الذي تشتمل عليه فبعد حركة توحيد طويلة أدت إلى انتصار الدولة – الأمة في القرن العشرين- سيكون القرن الواحد والعشرون، دون شك، قرن تحطيمها، لأن السعي إلى الدمج المتعارض مع التفتيت، يدفع، من الآن فصاعداً التمايز قدماً أمامه.

إذاً، فهذا المنعطف التاريخي الحقيقي، المترافق بشكل متناقض مع تحرك نحو الكونية، يفرض تقلباً في مفهوم الدولة القومية، والاعتراف بإمكانية توزيع سلطة الدولة، والحكم الذاتي في إطارها، والتمايز المحلي.

ومرتكزات الصيغة التي نراها ضرورية، وقادرة في آن واحد على ضبط العلاقة بين حق الاختلاف وضرورات العيش المشترك، هي الأمور التالية:

1-  نبذ المساجلات والمماحكات:

لعلنا لا نأت بجديد حين القول: إن حوار الهويات مع بعضها، مع ضرورته وأهميته، إلا انه لا يستطيع صياغة العلاقة بين حق الاختلاف وضرورات العيش المشترك. لأن التراكم التاريخي، يحوّل الحوار إلى سجال ومماحكة، كل طرف يحاول إثبات صوابية رأيه وموقفه. فتضيع في معمعة السجال الجوامع المشتركة، وتشحن النفوس والعقول بحقائق الخلاف والنزاع والصدام.

لذلك فإننا نرى أن من مرتكزات صياغة العلاقة بين حق الاختلاف وضرورات العيش والوحدة، هو الخروج من شرنقة سجالات الهوية ومماحكات الأنا والآخر إلى رحاب المواطنة بكل ما تعني من مشاركة ومسؤولية وتجاوز للإحن التاريخية. وهذا لا يعني بطبيعة الحال إنهاء الحوارات العقدية والأيدلوجية، وإنما ما نريد قوله في هذا الصدد هو: أن الحوارات العقدية والأيدلوجية تؤتي ثمارها الايجابية، حينما يتحقق مناخ من الفهم والتلاقي على قاعدة مشتركة صلبة. لذلك فإننا نشعر بأهمية أن تكون حوارات المختلفين بعضهم مع بعض على قاعدة الوطن والمواطنة بعيداً عن التمايزات والاختلافات العقدية والأيدلوجية والمذهبية. وحينما تتعمق حقائق الوطن وثوابت المواطنة، يكون الحوار العقدي والأيدلوجي طبيعياً ومثمراً وبعيداً عن كل حالات السجالات العقيمة والمماحكات التي تزيد الإحن وتفاقم من سوء الفهم والظن. إننا نشعر بأهمية العيش المشترك، وتوطيد أسس التلاقي والتعاون، ولكن طريق ذلك لا يمر عبر المماحكات والسجالات العقيمة، وإنما عبر تعزيز قيم المواطنة ومتطلبات العيش المشترك. فصخب السجالات الأيدلوجية، تضيّع كل فرص التفاهم والتلاقي. لذلك نحن بحاجة إلى تجاوز كل حالات السجال والمماحكة، من أجل إرساء دعائم للحوار والتلاقي، لا تنطلق من التباينات الأيدلوجية، بل من الجوامع الإنسانية والعقدية والثقافية.

2-  صيانة حقوق الإنسان:

لا يمكننا على المستوى العملي من صياغة العلاقة على نحو ايجابي بين حق الاختلاف وضرورات العيش المشترك، إلا بالإعلاء من شأن حقوق الإنسان، والعمل على صيانة هذه الحقوق، بعيداً عن التمايزات الأيدلوجية أو الاختلافات الفكرية والسياسية. فالعلاقة جد عميقة بين مبدأ العيش المشترك ومفهوم حقوق الإنسان، حيث أن حقوق الإنسان بكل ما تحتضن من قيم ومتطلبات وحاجات، هي الحاضن الأكبر للمشروع المشترك.

لذلك من الضروري أن نعتني بخلق الوعي الحقوقي، القادر على صيانة كرامة الإنسان.

ولابد أن يدرك الجميع أن قيم الدين العليا لا يمكن أن تشرع للعسف والإكراه وانتقاص حقوق الإنسان. فالدين الإسلامي بكل نظمه وتشريعاته، جاء من أجل تحرير الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته. لذلك فإن الدين هو الرافد الأول الذي ننتزع منه حقوق الإنسان الأساسية.

فبوابة العيش المشترك في كل الأمم والمجتمعات، هي صيانة حقوق الإنسان وحماية كرامته وتعزيز حضوره ودوره في مشروعات التنمية والعمران.

والاختلاف في الهوية أو الانتماء الأيدلوجي أو القناعات الفكرية والسياسية، لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى انتهاك الحقوق. فالاختلافات ليست سبباً أو مدعاة لنقصان الحقوق، وإنما تبقى حقوق الإنسان مصانة وفق مقتضيات العدالة ومتطلبات العيش المشترك.

فالعيش المشترك ليس ادعاء يدعى، وإنما هو مجموعة من الحقائق والمتطلبات تفضي إلى صياغة الواقع الاجتماعي المتعدد على أساس الحوار والاحترام المتبادل ونبذ ثقافة الكراهية والمفاضلة الشعورية، وتعميق ثقافة العفو وحسن الظن والتسامح، فالعيش المشترك هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الايجابية، التي تستهدف تنقية الفضاء الاجتماعي والثقافي من كل الشوائب، التي تعكر صفو العلاقة وتحول دون تنميتها على الصعد كافة.

وإن طبيعة الأحداث والتطورات التي تجري في المنطقة، تدفعنا إلى القول: إن من الأهمية القصوى أن نتعامل مع حق العيش المشترك في داخل مجتمعاتنا، بوصفه من الحقوق المقدسة، التي ينبغي أن نقبض على متطلباتها، ونعمق موجباتها، ونمنع أي محاولة ( من أي جهة كانت ) لخدشها أو محاربة أسسها ولوازمها. وان المرحلة بكل تحولاتها المتسارعة وتحدياتها الشاخصة بحاجة إلى تعزيز خيار ومشروع العيش المشترك، لأنه القاعدة الصلبة التي تمنع اختراقنا، وتحول دون نجاح مشاريع الهيمنة والتفتيت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى