مايسطرون
2021-02-15

أين الخلل


على ضوء الفظائع والجرائم الكبرى التي ترتكبها داعش في العراق وسوريا , ثمة نقاش ثقافي واجتماعي متعدد , ويأخذ أشكالا مختلفة , إلا أن جوهره واحد . وصلب هذا النقاش يتجسد في تحديد نوعية الخلل وطبيعة الثقافة والحواضن الاجتماعية التي أنتجت ظاهرة [ داعش ] الإرهابية . بطبيعة الحال ولطبيعة الجرم الذي تقترفه هذه الجماعة الإرهابية , عملت جهات عديدة دينية واجتماعية وسياسية لتبرئة حالها من إنتاج ظاهرة داعش .

ونحن وبعيدا عن المضاربات الأيدولوجية حول الظروف الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت جماعة إرهابية , تكفيرية , وحشية مثل داعش التي لا تعرف إلا لغة القتل وجز الرؤوس , بحاجة إلى بيان الأفكار التالية :

1- مقتضى العدالة والإنصاف في التقويم والتحليل حول ظاهرة داعش الإرهابية وقبل أن نبحث  عن عوامل نشوئها وأسباب انتشارها السريع , وهل القوى الكبرى أو الإقليمية ساهمت في تأسيسها أم لا , وهل لهذه الجماعة علاقات عضوية مع بعض أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية .

أقول قبل البحث في هذه المسائل , أحسب إننا كعرب ومسلمين بحاجة أن نفحص ثقافتنا العربية والإسلامية السائدة , وهل بعض جوانب هذه الثقافة ساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في خلق مناخ وذهنية متطرفة ساهمت في تأسيس جماعات تكفيرية كداعش وأخواتها من جماعات العنف والإرهاب . وبعيدا عن لغة الاتهام والاتهام المضاد , أعتقد أن طبيعة الثقافة العربية والإسلامية التي يبثها بعض رجال الدين والثقافة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ساهمت بطريقة غير مباشرة في إنتاج ظاهرة داعش .

بمعنى أن كل ثقافة تحارب الاختلاف وتنبذه بوسائل قسرية , هي شريكة في إنتاج داعش عبر التسلسل المنطقي .

كما أن كل جماعة بشرية لا ترى صوابا إلا قناعاتها وتستخدم وسائل قسرية لإقناع الآخرين بقناعاتها , هي هيأت المناخ الاجتماعي لإنتاج ظاهره الإرهاب وداعش .

وكل مجتمع يستسهل عملية تكفير المختلف ونبذه نفسيا واجتماعيا هو شريك في إنتاج داعش .

لأنه وببساطة شديدة , فإن داعش ليس نبتا صحراويا , وإنما هي نتاج توجهات ثقافية واجتماعية وسياسية وصلت هذه التوجهات إلى مداها فأنتجت هذه الظاهرة الإرهابية الخطيرة .

فالخيار الفكري والثقافي الذي تعبر عنه داعش , هو جزء مما يبثه بعض الدعاة الذين لا يعرفون إلا لغة التكفير ولا يحسنون إلا المعادلات الصفرية التي تقسم الناس إلى فسطاطين أهل الحق وهم الذين معه ويسيرون على منواله , وأهل الباطل الذين يجب محاربتهم وهم كل ماعدا جماعته وتياره وحزبه .

لذلك وبعيدا عن المساهمة في تزييف وعي الناس تجاه هذه الظاهرة الخطيرة , نحن معنيون جميعا بالاعتراف إن بعض ما لدينا من ثقافة وخيارات تجاه المختلف والمغاير هي تساهم في إنتاج ظاهرة داعش وأخواتها . وقبل أن نبحث عن أسباب هذه الظاهرة لدى الآخرين وفي الفضاءات السياسية والاجتماعية المختلفة , نحن بحاجة أن نفتش ونفحص فضائنا الاجتماعي وخياراتنا الثقافية والسياسية لأنها فضاءات ملئت في فترة من الفترات بخطابات النبذ والتمييز والمعادلات الصفرية , وهي البيئة الخصبة التي تنتج ظواهر التطرف وممارسة العنف .

وعليه ثمة ضرورة دينية وثقافية واجتماعية ووطنية , لعدم الاكتفاء بلعن ظلام داعش , والعمل على تنقية بيئتنا الاجتماعية والثقافية من خيارات النبذ والتمييز وتوجهات التكفير والتفسيق والتبديع وثقافة إنني وحدي ومن يشبهني هو القابض على الحق والحقيقة .

ودون ذلك ستبقى بيئاتنا تساهم بطريقة أو أخرى في تغذية التطرف وممارسة العنف المادي والمعنوي ضد المختلف والمغاير .

وهذا يقودنا إلى ضرورة الانخراط الوطني في مشروع تنقية خطاباتنا الدينية والثقافية من كل موجبات التطرف والتكفير وبناء حقائق التسامح وحقوق الإنسان واحترام مقتضيات التنوع والتعدد على المستويات كافة .

وإن اتهامنا داعش وأمثالها , بأنها نبتة خارجية لا يعفينا من ضرورة مساءلة واقعنا الديني والثقافي , لأنه حتى الخوارج في التجربة التاريخية هم نتاج خيارات ثقافية وسياسية واجتماعية محددة , ولم تتأسس في فضاء مجرد .

ولو عالج المسلمون آنذاك تلك الخيارات لما تشكلت ظاهرة الخوارج . لذلك نحن لا نبحث عن مماثل تاريخي لداعش , وإنما نبحث عن الأسباب  الثقافية والاجتماعية التي تنتج ظاهرة داعش .

وهذا يحملنا جميعا مسؤولية تنقية ثقافتنا من كل نزعات التكفير والتطرف .

2- إن إهمال معالجة المشاكل الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والسياسية الصغيرة والبسيطة , يساهم في مراكمة الأخطاء مما يحولها إلى خطايا تفقد الناس تفاءلهم وتدخلهم في مرحلة الإحباط واليأس . فتأتي الخطابات الجاهزة والمعلبة والبسيطة والتي تدغدغ مشاعر الناس الدينية لكي تحول هؤلاء الشباب اليائسين والمحبطين إلى وقود بشري لكل جماعات العنف والإرهاب .

من هنا ثمة ضرورة في كل مجتمعاتنا لتنفيس الاحتقانات , وإلقاء جذوة الأمل والتفاؤل في نفوس الناس وبالذات لدى الشريحة الشبابية .

لان  مناخ الناس والإحباط والتغافل عن معالجة المشاكل اليومية التي يعاني منها هؤلاء , هي التي تدفعهم إلى تبني خطابات التطرف والعنف , لأنها في نظرهم هي التي تخلصهم من حالة الإحباط واليأس .

ولو تأملنا في سيرة أهل العنف والتكفير , سنجدهم يعيشون في أحياء اجتماعية مهملة وبعيدة عن الاهتمام التنموي الحقيقي والنوعي . فيتحول هؤلاء بفعل الإهمال إلى كتلة بشرية غاضبة ورافضة وتبحث عمن يخلصها من هذا الواقع المرير . ولا شك أن جماعات العنف الديني التي تستدعي مقولات التراث الإسلامي , وتمتلك إجابات مبسطة وسهلة عن القضايا التي يعاني منها هؤلاء الشباب ، ستعمل على احتوائهم الفكري والاجتماعي .

فيتحول هؤلاء الشباب من شباب يعاني الإهمال إلى شباب يسعى الانتقام وتحسين أوضاع بيئته الاجتماعية دفعة واحدة . فتتحول الأحياء المهملة إلى أحياء للتعبئة والتحريض الديني على الواقع القائم . لذلك لا يمكن مواجهة العنف والإرهاب بالقوة العسكرية والأمنية فقط . وإنما بحاجة إلى مشروعات ثقافية واجتماعية وتنموية مساندة لتجفيف الحوامل الاجتماعية الحاضنة والمحرضة على العنف والإرهاب .    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى