ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2021-02-22

«الغراب» بين خرافة الشؤم وحقائق العلم

حسين الشيخ علي

هو الغراب، الطائر الذي علم قابيل كيف يدفن أخيه هابيل، بأمر وإلهام من خالقه عز وجل.
(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ )
لقد تعرض الغراب منذ الأزل إلى حملات وإدعاءات واتهامات بأنه مصدر أذى وشؤم وضرر لمن حوله ، ولعل شكله ولونه الأسود وتواجده بالقرب من القاذورات وتناوله للجثث من أسباب انتشار الخرافات والتشاؤم والخوف من تواجده في المناطق السكنية .
ولفهم أهميته لسلامة الأنظمة البيئية المتواجد فيها، ودوره الإيجابي الذي ألهمه الله – عز وجل- في نظافتها وحمايتها من إنتشار الآفات والأمراض وموازنة أعداد المخلوقات الذي يتغذى عليها، يجب التعمق في متابعة ودراسة سلوكياته مع موطنه البيئي الطبيعي .
يتشكل النظام البيئي من عوامل حيوية وهي جميع المخلوقات الحية مجهرية أو كبيرة وعوامل لا حيوية وهي جميع الأشياء غير الحية ، وتفاعلاتها مع بعض في بيئة معينة .
وهذه المخلوقات الحية تتنافس على الموارد ومنها الماء والغذاء والمأوى .
وهناك عوامل محددّة تتحكم في معدل نمو أفراد النوع الواحد الذي يعيش في نظام بيئي ما .
وتحدد العوامل الحيوية واللاحيوية السعة التحملية لكل مجموعة من الجماعات الحيوية .
فمثلا :
لكل مخلوق عدو يفترسه ويحد من تكاثره ليوازن أعداده في الطبيعة .
وهذا يعني أن الافتراس لمصلحة الفريسة ويضمن بقاء جنسها في معادلة بيئية محسوبة من خالقهم عز وجل .
فعندما يفترس الأسد والنمر والفهد والضبع والكلاب البرية الغزلان في البرية فهذه لمصلحة نوع الغزلان ويمنع انقراضها نتيجة زيادة عددها وتنافسها على العشب .
فتنافسها على العشب يؤدي إلى اختفائه أو ندرته وبالتالي ستواجه الغزلان ضعف الموارد الغذائية العشبية، وينتج عن ذلك إما تناقص أعدادها أو هجرتها أو موتها وانقراض نوعها .
وعندما نقضي على العصافير بحجة الحفاظ على المحاصيل مثلاً ستتضرر المحاصيل الزراعية بما أشرس من العصافير وهي أسراب الجراد، الذي يقضي على الأخضر واليابس ( الورق والحبوب )
وهكذا عندما يسرف الإنسان في صيد الحيتان سيقل الأكسجين في الغلاف الجوي لأنها تتغذى على العوالق الدقيقة التي تتغذى على الطحالب البحرية المنتجة للأكسجين، وتعمل توازنا لها بحيث لا يزداد عددها بمستوى أكبر من السعة التحملية للنظام البيئي المائي في المحيطات .
وهكذا نفس المعادلة تنطبق على الغربان وبقية الطيور الفرائس .
أن الغربان في مهاجمتها لأعشاش الطيور الصغيرة أو افتراسها القوارض أو حتى تغذيتها على بقايا الحيوانات النافقة في الشوارع تعمل توازنًا حيويًا في البيئة الزراعية المحلية لأعداد الطيور والقوارض وبالتالي تقلل من أضرارها على المحاصيل الزراعية مثلاً، وتساهم بدور بيئي ووظيفي تحكمي أو إطارًا بيئيًا هاماً في موطنها ،
فمن عادة الغراب دفن بعض بقايا الحيوانات النافقة لتخزينها وهو سلوك معروف في الكثير من الحيوانات كالقطط بأنواعها والحشرات والسناجب .
وبهذا تساهم بشكل غير مباشر في تقليل أضرارها على حقول الزراعة المفتوحة وعلى صحة وسلامة البيئة بشكل عام.
كما أنها تمارس دورا وظيفياً هاماً في تخليص البيئة الطبيعة من الحيوانات النافقة ، علمًا بأن تواجدها الملاحظ في هذه الأيام في المناطق السكنية ناتج عن تقلص المساحات النباتية الطبيعية .
ومنها أنبه إلى ضرورة التأمل والدراسة قبل
الدعوة أو التحريض إلى القضاء على هذا الحيوان الهام بحجة أنه طائر غريب عن بيئتنا الطبيعية المحلية ويسبب أضرار لها بدون النظر إلى الجانب الإيجابي من تواجده فيها ، مع العلم بأنه طائر متواجد في أغلب بيئات الأرض بأجناسه المختلفة .
فقد يتغير النظام البيئي بفعل الإنسان وذلك بإعادة تشكيله بما يناسب حاجاته ورغباته ، وهذه التغيرات عادة ما تدمر المواطن البيئية أو تغيرها أو تخل بتوازنها بإدخال أنواع محددة من المخلوقات وإقصاء أو إزالة أنواع أخرى منه ، ومن هنا يجب تقييم وتشخيص فوائد وأضرار أي مخلوق حي أو غير حي قبل اللجوء إلى مقاومته أو إضافته للأنظمة البيئية .
وقد نلاحظ تواجد الغربان في المناطق السكنية بشكل مكثف دون الأخرى وهذا يرجع إلى أن المخلوقات الحية تتجنب المنافسة عن طريق حصولها على منطقة خاصة بها ، وتؤدي دور خاص في موطنها البيئي ، فتتواجد في مناطق دون أخرى .
وقد قمت بدراسة بحثية سريعة لمسح مدى تواجدها بالقرب من المساكن المجاورة لأشجار المنجروف في ساحل حي الروضة والجامعيين شمال شرق القطيف مثلا ، وقد لاحظت كثافة تواجدها بين أشجار المانجروف ،ولا غرابة في ذلك ، فهناك الكثير مما تقتات عليه الغربان من قوارض وبقايا طيور بحرية نافقة ، ولم أجدها على كورنيش المشاري والناصرة بالقطيف إلا بعدد لا يتجاوز العشرة ، وهذا يؤكد دورها الوظيفي أو إطارها البيئي الهام الذي تؤديه في مناطق تواجدها .
وهنا أدعو إلى حملة بيئية واعية لدراسة السعة التحملية للمواطن البيئية المحلية المختلفة لقياس مدى تناسب أعداد هذه الطيور مع الفرائس بهدف التحكم في أعدادها لا القضاء عليها إمتثالا للتوجيه الرباني :
“وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”
الأعراف (56).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى