ads
ads
ads
ads
مايسطرون
2021-03-06

🌀فلسفة خلف قضبان السجون

الشيخ وجدي المبارك

يتغنى مثقفو العصر ومفكروها بفلاسفة الغرب والشرق ، كأمثال أفلاطون وسقراط وديكارت وجان جاك روسو وآخرين ، الذين ملئت آرائهم العلمية ونظرياتهم الفلسفية المناهج العلمية والكتب الثقافية في شتى أنحاء دول العالم ، لذلك عكف المثقفون على قراءة سيرتهم وتتبع نظرياتهم ، وشجعوا الأجيال البشرية على دراسة علومهم ، وتبني آرائهم ونظرياتهم .

عندها تبادر في ذهني سؤالاً جوهرياً كان بودي أن أطرحه على بعض المثقفين المعاصرين : إذا كان لهؤلاء العلماء فلسفاتهم ونظرياتهم التي نحترم أبعادها العلمية والأكاديمية ، فأصبحت جزءاً من تاريخ العلم والمعرفة المعاصرة أفلا يحق لنا بالمقابل أن نبحث من باب المجاز عن ثقافات وفلسفات تماثلها ، بل تضاهيها وتتفوق عليها؟ !! .

بودي أن تبحث عن أنموذج واحد من ذلك الصنف الإنساني الاستثنائي ، لتجده عالماً فريداً في كل العلوم والمعارف ، وحاملاً لكل القيم السماوية ، ومجسداً لكل المبادئ الإنسانية والأخلاقية ، ولكي تصل إلى منزل ذلك الأنموذج الإنساني يتوجب عليك القبول بشرطي الوحيد وهو : نزولك من على صهوة سلمك العلمي وسيطك الاجتماعي التي تتبجح به أمام غيرك لتعبر معي جسراً يربط بين دفتي نهر محاطاً بالمخاطر والعقبات.

فإذا قبلت بشرطي ، اعلم أنك قد تخسر مقابل مسيرك على ذلك الجسر حياتك أو جزءاً من جسمك فتصبح معاقاً أو مشوهاً ، فإذا وفِقت للوصول إلى نهاية الجسر ستجد نفسك أمام بوابة كوخه المتواضع ؛ حينئذ قف هنيئة أمامه ، وتفكر في ماهية ساكنه ، لعلك تحظى بتعلم سطراً واحداً من جوهر علومه ، أو تستلهم نفحة من نفحات أخلاقه .

حينها قد تسألني: أي فلسفة تعني ؟ وأي تغيير قد أحدثه ذلك السجين صاحب الجسم النحيل؟ فأقول لك: إنها إرادة الله المتمحورة في كيان إنسان ملكوتي لم يهتم بالألقاب والنظريات ؛ بل أهتم بصناعة العابد الحقيقي لله ليعرف كل إنسان أن العقيدة أساس الوجود والغاية والمصير ، وعلمهم معنى الحياة الكريمة التي تُصان فيها حقوقهم وعرفهم فيها واجباتهم .

أنه اصطفاء رباني جسد إماماً فريداً يمتلك قدرة عجيبة بحيث يعفر جبينه على تراب الأرض في قيض الصيف الهجير ، وحرارة الشمس اللاهبة بسجدة طويلة تمتد بين إشراقة الشمس إلى غروبها ، حملت عنواناً استثنائياً لمعنى الخضوع المطلق لله ، وأسمى معاني الشكر والحمد له ، وأبعاداً للمعرفة المحكمة ، وتجليات العبودية الكاملة لله عز وجل.

إنها مدرسة صناعة القلوب السليمة ، والضمائر الحية اتقنها سجين صنع من مستهتر عاصي كبِشر البغدادي ملاكاً خاشعاً ، وعالماً زاهداً يركض حافياً وراء قدوة زمانه في الطرقات كي يُقبل يديه ، ويتأمل منه قبول توبته .

إنها ثقافة التغيير التي بدلت كيان فتاة منحرفة أُدخلت على ذلك السجين ليلاً من أجل إغرائه في ظلمة السجون ، لتخرج من عنده بكيان العابدة القانتة لله !!.

فهل أشرت إلى فلسفة أو نظرية لدى فلاسفتك المتحضرين تستطيع أن تصنع من المنُحرفات زاهدات قانتات ، ومن المترفين علماء حفاة تقاة ؟!!.

تأمل جيداً ، مر أكثر من ألف ومئتي سنة على تصفيته على يد هارون العباسي بغية نسيانه وطمس ذكراه بعد دفنه في كوخه الخرب ، لكن أين سلطان هارون وأطلال قصره ؟ أين جواريه وغلمانه ؟ أين الدولة العظمى التي حكمها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ؟!!.

ثم أسأل نفسك سؤالاً: أكثر من ألف ومئتي سنة مضت على استشهاده ، فكم إنسان سار في الماضي ، ويسير هذا اليوم ، ويسير غداً على الجسر المؤدي إلى خربته في بغداد ؟ وكم سقط شهيداً من أجل الوصول إلى قبر حوى جسمه النحيل ؟!! .

وقد يجيبني ذلك المثقف بقوله: قد لا استطيع إحصاء عددهم ، لكن أدرك بساطتهم التي تصل ببعضهم إلى حد السذاجة المفرطة!! لكن مهلاً أيها المتنور !! هل تفحصت الملايين السائرة على طريق الحرية والكرامة الذي خطه ذلك السجين ؟ لتجد من بينهم العالم والمثقف والمفكر والمهندس والطبيب والفيلسوف ، والبرفسور … الذين يفوقونك في العلم والثقافة والإنجاز.

أيعقل أن كل أولئك الملايين بسطاء سذج تصل بهم سذاجتهم إلى حد التضحية بأرواحهم من أجل استلهام كلمة واحدة من نهج ذلك السجين المتوسد في كوخه البسيط؟ ثم تأتي لتصفهم بلغة البساطة والسذاجة ، وأنت الواعي والمتحضر الوحيد بينهم !!.

أبحث لي في قواميس فلاسفتك الذين تتفاخر بصيتهم عن إنسان اعتبر السجن نعمة حباه الله بها من أجل تفريغه لعبادته ومناجاته ، واعتبر ظلام الطامورة بصيص أمل يتجدد أمام كل مظلوم سعى لنيل حريته وحِفظ كرامته.

أبحث لي ياسيدي المحترم في كتب فلاسفتك عن أعجوبة لمَلكة جعلت من كظمه لغيظه وساماً يُعرف به ، وقدوة صالحة يُتيم بها بني البشر على مر العصور ، وبوابة لنيل حوائج الناس في كل الدهور .

إنها عظمة وجود ، وحياة خالدة لراهب زاهد قل نظيره في الوجود عنونها بسجود دل على أسمى عبودية وخضوع لعظمة الله ، وترجمها بإصرار على مقارعة الظلم ، فكلفه دعوته إلى صراطه المستقيم استشهاده بالُسم خلف قضبان الزنازين ، وختم حياته بثبات على النهج القويم ، فأصبح شخصه نبراساً لحياة البشر ، وأملاً لإشراقة مستقبلهم .

فإذا كنت من المُقسِطِين ، أقرأ بمفهوم المنطق ، وأداة المنصف سيرة إنسان لم يتكرر نظيره في تاريخ البشرية ، لتتعلم رافداً من فكره المستنير ، وتستلهم فيضاً من فلسفته التي صنعها خلف قضبان السجون ، وصوت خشخشة الحديد .

ويقيناً أنك لو أفنيت عمرك بأكمله تتأمل فيه حياته ومواقفه ، فلن يسعفك الزمن إلا بتعلم جزءاً يسيراً من فيض بحره المتلاطم بلغة البيان ، وتجليات العبادة ، وصلابة الإيمان ، ودماثة الأخلاق ، وتبيان لعظمة الرحمن ، وإرادة التغيير ، وحجة البرهان ، وكل ما يخطر في الأذهان .

في نهاية المطاف أؤمن جازماً أن ثقافة الصناعة الإنسانية الحقيقية وإرادة التغيير المتجددة المراد تأصيلها في حياة بني البشر في كل العالم ، لم ولن تكون إلا في قاموس محمد وآل محمد ، ومنهم راهب السجود ، وحبيس السجون ، والملقب بكاظم الغيظ ، وصائم القيظ ، وقدوة الزاهدين ، والثابت على اليقين ، والمدافع عن قيم الدين ، ومثال العابدين ، والصابر الحكيم ، والمعروف بسجوده الطويل ، ومنهجه القويم ، وخُلقه الرفيع ، راهب آل ياسين إمامنا وسيدنا موسى بن جعفر الكاظم عليه وعلى أجداده وأبنائه الطاهرين أفضل الصلاة وأتم التسليم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى