ads
ads
مايسطرون
2021-05-09

إشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي المعاصر


يمكننا أن نؤرخ للفكر الحديث وبحثه عن هويته وثوابته العقدية والفكرية، ومشروعه النهضوي، من خلال علاقاته بالآخر الحضاري المتفوق والقاهر – الغرب – بدءا من حملة نابليون بونابرت على مصر ” 1798م”. لذلك فقد انطبعت هذه الحقبة بعناوينها الثقافية، ومشاريعها السياسية، وتطلعاتها المستقبلية. لذلك أضحت أمهات الفكر العربي الحديث، منذ مطلع هذا القرن، هي حول مسائل مرتبطة بشكل أو بآآخر بموضوع علاقة النا والآخر، والخيارات المعروضة تجاه هذه العلاقة. حوار – صدام – تعايش – قبول – رفض مطلق – توفيقية – انتقائية وما أشبه . وقد تعنونت هذه العناوين في بعض الحقب التاريخية ببعض العناوين ك “الغرب والمثقفون العرب”، وفي هذه الفترة من الزمن، وبالذات بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، بدأت هذه الفكار الثنائية، تطرح في الساحة الدولية تحت اطار “السلام والغرب”. وكان لنظرية (صموئيل هنتجتون) “صدام الحضارات” وهو واحد من أشهر علماء السياسية المريكية ويعمل مدير معهد أدولن للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد ومحورها أن الصراع في المستقبل سيكون بين الحضارات في المقام الول، وليس صحيحا أنه سيكون بين القوميات، أو بين المصالح الاقتصادية المتعارضة، ومن المرجح أن يصبح المحور المركزي في السياسات العالمية هو الصراع بين الغرب والحضارات الرافضة للهيمنة والقيم الغربية. ويؤكد (هنتجتون) على عمق التحدي الحضاري الذي يمثله السلام، حيث وصفه بآنه أكثر العقائد والديانات صرامة. ويشير الى أنه في الوقت الذي اختفى فيه الانقسام الوروبي اليدلوجي بين الرأسمالية والشيوعية، فان الانقسام الوروبي الثقافي بين المسيحية الكاثولوكية والرثوذوكسية من ناحية والسلام، عاد للظهور ثانية في تلك القارة. فالصراع بين الحضارتين الغربية والسلامية مستمر منذ “13” قرنا، ول يبدو أنه في طريقه الى التلاشي، ولذلك شواهده عند الحدود الشمالية للحضارة السلامية. فهذه النظرية وغيرها من النظريات والرؤى، ما زالت تسعى وتحاول الوصول الى اجابة نظرية متكاملة حول علاقة النا والآخر في الفكر الغربي والفكر العربي السلامي. ففي اطار مشروع النهضة العربية، ما زال السؤال المركزي الذي طرح في القرن الماضي “لماذا تآخر المسلمون وتقدم غيرهم” أو “لماذا تقدم الغرب وتآخر المسلمون”. يشكل النقطة الجوهرية لغالبية الجهود المعرفية والس ياس ية، التي تحاول بلورة المشروع النهضوي، وتوضيح مقاصده، وتحديد أليات عمله وأآفاقه المنظورة والبعيدة. ول شك أن السؤال التاريخي المتقدم، يطرح مسآلة النهضة والحضارة، باعتبارها تحققت لدى شعوب ومجتمعات، وما زال المسلمون والعرب بعد لم يصلوا الى مستوى التقدم والتحضر الذي حدث في تلك المجتمعات والمم. وعلى قاعدة هذه المسآلة طرحت مسآلة ترتيب العلاقة بين النا والآخر في الفكر العربي المعاصر، كشرط ضروري لتحقيق مشروع النهضة في الواقع العربي المعاصر. ولهذا نجد أن المكتبة العربية مليئة بتلك الكتب والدراسات، التي تعكس في مضمونها وعناوينها هذه الشكالية المطروحة على الفكر العربي تاريخيا وراهنا. ومن الطبيعي أن تتعدد الآراء والجابات على هذا السؤال والشكالية، لختلاف الطر المرجعية لكل كاتب أو مدرسة فكرية، أو بفعل تعويم وضبابية مصطلح النا والآخر في دائرة الفكر العربي والسلامي.
لهذا فانه ينبغي في البدء تحديد من هو “النا” ومن هو “الآخر “، وما هي حدود كل طرف وامكاناته الحضارية والتاريخية. وعلى ضوء هذا التحديد، يتم تصور العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الطرفين ” النا والآخر”. تحديد النا: بعيدا عن الطر الجغرافية، التي تحبس المفاهيم والفكار والمضامين العقدية في رقعة جغرافية واحدة، فاننا نرى أن النا كما الآخر، ليس رقعة جغرافية، وانما نحن ننظر الى النا باعتبارها مجموعة القيم الصيلة، والمبادئ العليا التي جاء بها الدين السلامي، اضافة الى التجربة التاريخية التي قام بها المسلمون، على هدى تلك القيم والمبادئ. فحينما نستخدم مصطلح النا أو الذات، فان المقصود من ذلك، هو القيم المعيارية المتعالية على الزمان والمكان، مع تجربة انزال تلك القيم المعيارية المطلقة، على الواقع النسبي المتحرك والمتغير. تحديد الآخر: والآخر الحضاري أيضا، ليس عنوانا هلاميا، وانما يعني مجموع القيم والمبادئ الساسية التي جاء بها الغرب الحضاري، اضافة الى التجربة التاريخية، التي قامت بها شعوب العالم الغربي عموما، انطلاقا من تلك القيم، وعملا باتجاه انزالها في الواقع الخارجي. واننا واذ نطرح هذه الشكالية، ل نتجه في ثقافتنا وحركتنا الفكرية والاجتماعية الى اخفاء حاضرنا وواقعنا المعاصر، اما بقناع الماضي المجيد، أو قناع حاضر الغرب الحضاري المتقدم. لن في كلتا الحالتين تستمر الشكالية، وتتولد العناوين تلو العناوين، التي تعكس بشكل أو بآآخر جوهر الشكالية التاريخية. وفي الحاضر لم يقف الفكر العربي والسلامي، في وجه المتغيرات والتطورات التي أدخلها الغرب في عالمنا العربي والسلامي، طالما كانت هذه التطورات في نطاق العلم الوضعي والتنظيم المجتمعي، أما تلك المتغيرات التي تسعى الى تشويه السس العقدية والخلاقية للمجتمعات العربية والسلامية، فانها تعارض وتقف موقفا سلبيا من ذلك، لنها ضد الذات الحضارية والخلاقية للعرب والمسلمين. وعلى هذا يمكننا النظر الى اشكالية النا والآخر في الفكر العربي المعاصر من خلال منظورين أساسيين: 1منظور القيم والتطورات التي يجريها الغرب في فضائنا على حساب ذاتنا وقيمنا. 2منظور التطورات العلمية والنسانية، دون المساس بالجانب العقدي والحضاري. وأشار الى هذه المسآلة المفكر العربي (برهان غليون) في كتابه “الوعي الذاتي” بقوله: انه كما ينبغي أن ننطلق اذن من أنفس نا ومن ثقافتنا مع الاعتراف بمحدوديتهما في سبيل تطويرهما. ل ينبغي أن يكون تعلقنا بالعصر والحضارة حافزا الى تدمير ذاتيتنا، وتهشيم أنفسنا، والتضحية بمستقبلنا كجماعة انسانية مستقلة، وكمدنية متميزة فاعلة ومتجددة في ساحة الصراع التاريخي. فالتقدم الحضاري وأسباب الحياة والعمران مبذولة للخلق على السواء. وان من يتمسك بآسباب العمران يبلغ الى غايته وهدفه بصرف النظر عن ايمانه وكفره. ” فآنجع دواء لفتنة المسلم المتآخر بغيره المتقدم، هو أن يعلم ذلك المسلم، أنه ما تآخر بسبب اسلامه، وأن غيره ما تقدم بعدم اسلامه، وأن السبب في التقدم والتآخر هو التمسك والترك للس باب”. على حد تعبير الش يخ عبد الحميد بن باديس (ت – 1940م). والتجربة السلامية التاريخية، تكشف لنا بوضوح، أن المة أو المجتمع الذي يتمسك بآسباب العمران الاجتماعي والحضاري سيصل الى غايته، ويصبح مجتمعا حضاريا، تتوافر فيه كل خصائص مجتمع التقدم. والمجتمع أو المة التي تهمل أسباب العمران، وتبتعد عن عوامل الرقي، تكون دائما دون المم كلها، وتحتاج الى الآخرين في كبريات المور وصغائرها . من هنا فاننا من الضروري أن نبتعد عن عمليات السقاط المعرفي واليدلوجي، لنها ل تؤدي ال الى المزيد من تضخيم الذات، وتشويه الآخر، وعدم ادراك حقائقه التاريخية والمعرفية. ولعل هذا هو الخطآ المنهجي الساسي الذي وقع فيه الآخر الحضاري، انطلاقا من منطق الغلبة والهيمنة، الذي أدى الى تس يير وتوظيف كل المكانات والمعارف في سبيل ابادة الآخرين شعوبا وثقافات وحضارات. وقد كان نموذج “الاحتلال طريق
الحضارة” هو أحد المؤشرات الساسية في هذا السبيل. وكما يقول “فيصل دراج”: ان الوروبي يعتمد على تقدمه ويلغي ما عداه، أي يبدأ بخلق الآخر خلقا زائفا، يستند على تقدمه ويخلق التخلف، ويتكئ على حضارته وينجب البربرية. يخلق الظواهر كلها عن طريق التسمية واللغة المسلحة، وعندها فان المدافع الوروبية، ل تؤمن مصالح التمدن. فلا مكان للمتعدد والمختلف ال اذا كان الخير وسيلة للاذعان والخضوع. يتم
اختزال التاريخ النساني، الى تاريخ المشروع الوروبي المنتصر.
ان تكوين علاقة عادلة بين النا والآخر، وضمن الظروف والمعطيات المتاحة حاليا، ل يتم أو ل يبدأ بما هو سياسي، لن تاريخ العلاقة بينهما مليء بالمشآكل التي صنعتها الحوافز والمصالح السياسية، مستفيدة من المنطق اليديولوجي الجديد في أوروبا المتجه الى القضاء على مكونات كل حضارة، وكل منطق ثقافي ينافس أو يعارض الحضارة والمنطق الغربي. بمعنى أن وهن النا على المستوى الحضاري، وتحكم العقلية المركزية في ثقافة الآخر ومنطقه تجاه المور والقضايا، هو الذي دفع بالمجتمع الوروبي بمؤسساته المختلفة، بدءا بمؤسسة الاستشراق وانتهاء بالمؤسسة العسكرية والمنية، مرورا بما هو سياسي واقتصادي واجتماعي الى الاستحواذ على الخارج “أو الفادة الكلية منه، ل على أساس الغلبة المجردة فحسب، بل حسب منطوق اليديولوجيات الجديدة، حسب مبدأ أن العبء البيض يحتم تحديث كل ما هو خارجي على أوروبا، ول يعني العبء تحمله من جانب صاحبه وحده، بل تحميل الآخرين مسؤوليات الاس تجابة ترغيبا وترهيبا، بش تى الس بل والوسائل” (الاستشراق في الفكر العربي، د. محسن جاسم الموسوي – ص 14). وتداخل في سبيل تحقيق هذا التطلع العنصري، والقائم على نفي التعدد، واقصاء الآخرين ثقافة وحضارة ووجودا، جميع الساليب المتاحة والمتوفرة في الفضاء المعرفي والنفسي الغربي، فبدأت الحروب العسكرية ومؤامرات السياسة وخطط التخريب في حقل الاقتصاد والثقافة والاجتماع. لهذا فاننا بحاجة لئلا ننظر الى علاقة النا بالآخر من منظور ما يحتاجه النا من الآخر ويجوز استيراده والاستفادة منه، لنه “ل ضمير في الخذ من الشعوب والحضارات الخرى، ولكن شريطة أن يتم أخذ ما يفيد ويطلق الطاقات وما تحتاج اليه مجتمعاتنا حقا، وأن يتم ذلك كله، بادراك عميق لطبيعة ما يؤخذ وطبيعة المجتمع الذي أفرزه، وال انقلب ما يستورد الى جسم سرطاني دخيل ينخر جسم المة ويمزق أوصالها ويقوي قيود تبعيتها للآخرين” (جدل الوعي العلمي – اشكالت النتاج الاجتماعي للمعرفة، د. هشام غصيب، ص 97). وانما ينبغي أن يكون المنظور كيف تنظر النا الى ذاتها، هل ينظر اليها باعتبارها ذاتا هامشية، ل تستطيع تطوير ذاتها فضلا عن المشاركة في تطوير الآخرين، أم ينظر اليها باعتبارها مجموعة من المكانات والقدرات، ما أن توفرت العوامل الموضوعية والذاتية حتى تمارس هذه الذات دورها المآمول وحركتها المعهودة في البناء والتطوير. لهذا فان مربط الفرس في هذه المسآلة أو الشكالية بين النا والآخر، هو كيف ننظر الى النا. لهذا فان قاعدة فض الاشتباك أو انهاء الشكالية بين النا والآخر، هي مصالحة الذات الحضارية، لننا ل يمكن أن نسقط هيمنة الآخر المعرفية، ال بمصالحة الذات، وترتيب علاقتنا بها. لن الهيمنة المعرفية للآخر تستمر باستمرار أسباب نموها وديمومتها، من مخاصمة الذات والجهل بامكاناتها وقدراتها المتنوعة. وأن الفكر السجالي الذي ينظر الى الآخر كشر مطلق، ل يؤدي ال الى المزيد من هيمنة الآخر المعرفية والتقنية، والانطلاق والانحباس المعرفي على مستوى الذات، وهذا أدى بالبعض الى بلورة مفاهيم الذات الحضارية وقيمها الصلية، انطلاقا من القيم والمبادئ السائدة في الحضارة الحديثة وحدث ما يسمى بالمقابلة. حيث كل قيمة ذات جدوى وجدناها في الغرب، حاولنا أن نبحث لها عن مقابل وموافق لها في حضارتنا ومنظومتنا المعرفية. فكانت الشورى بموازاة الديمقراطية، وأهل الحل والعقد بموازاة البرلمان والمجالس المنتخبة، والبيعة بموازاة الاقتراع والانتخاب. وهكذا دخلنا في دوامة البحث عن مقابل في منظومتنا الفكرية لكل فكرة ذات جدوى ومنفعة وجدناها في الغرب.
لهذا فان اهمال الذات وتجاوز أطرها المعرفية، ل يؤدي الى فهم الآخر فهما دقيقا، بل يؤدي الى الانبهار به والتلقي العمى لكل ما ينتجه ويصدره. وان أصحاب هذا المنحى ل يدركون العلاقة الوثيقة التي تربط بين فهم الذات وفهم الآخر، وأن الطريق السوي لدراك الآخر حضاريا وفهم حركة تطوره وسيرورته التاريخية، ل يتآتى ال بمصالحة الذات وسبر أغوارها، واكتشاف معدنها الصلي. والسؤال الذي يطرح في هذا المجال هو: كيف ننظر الى هذه الشكالية في الفكر العربي المعاصر ؟ @ الآخر طريق وعي الذات: في بداية المر نحن بحاجة، لن نخرج من دائرة الانبهار التي نعيشها تجاه الغرب، دون اغفال الموقع الطبيعي والفعلي، الذي تتبوأه الحضارة الغربية اليوم. وهذه العملية ل تتم ال بامتلاك أدوات معرفية نقدية، ناتجة عن القراءة العميقة للتجربة الحضارية الذاتية، والتجارب الحضارية الخرى مستنبطين من هذه القراءة تلك الدوات المعرفية النقدية، التي تخرج نظرتنا من أآسار الانبهار، وربقة التحيز المسبق، وبدون هذه العملية تبقى شعارات الاستقلال عن الغرب، وانهاء التبعية التي نعيشها شعارات جوفاء ل حقائق فعلية. لن غياب هذه الدوات سيبقي عالمنا العربي والسلامي على المس توى النفسي والحضاري أسير اختيارات الغرب واستراتيجياته الكونية. وهذا ما دفع بعض مفكري النهضة الى الاعتقاد والقول، ان الفهم المرافق للغلبة السياسية، ل بد أنه يقود الى هيمنة حضارية من قبل الآخر، ول يمكن انهاء هذه الهيمنة ال بحركة معرفية – نقدية في خطابات الآخر المعرفية وقناعاته الفكرية. من هنا فان وعي الآخر وعيا موضوعيا ونقديا، سيكون أحد المحفزات الساسية لكتشاف الذات “فكرا وقيما وأنماطا حضارية”. ويشير الى هذه المسآلة (الدكتور تركي الحمد) بقوله: كل ذات وأي ذات، ل بد لها من أآخر تحاول من خلاله التعبير عن مكوناتها ومميزاتها ووجودها. بعبارة أخرى تحاول من خلاله أن تعي ذاتها بذاتها بدون هذا الآخر فان أي ذات قد تكون موجودة بشكل موضوعي، ولكنها أي الذات ل تعي هذا الوجود. فاذا كان العالم في رأي هيغل ضرورة للروح المطلقة من أجل أن تعي هذه الروح ذاتها في صيرورة مستمرة، واذا كان الصراع الطبقي ضرورة لدى ماركس من أجل أن تعي البروليتاريا ذاتها “طبقة لذاتها ل بذاتها” فان وجود الآخر بصفة عامة ضرورة لي ذات من أجل أن تكون ذاتها لذاتها وليس بذاتها “(جريدة الشرق الوسط 27/2/1994). @ الآخر ليس شرا مطلقا: ان الآخر يتضمن مجموعة من النجازات والمكاسب التي ل غنى للانسان عنها. بمعنى أن الآخر الحضاري “ضمن هذا المنظور” نحن بحاجة اليه لتطوير راهننا. وان من الخطآ الاعتقاد بآن طريق تمكن النا الحضارية في الواقع الخارجي، يمر عبر تدمير الآخر الحضاري. لننا نقف موقف الاحترام والتقدير والاستفادة من المنجزات العلمية والنسانية الهائلة، التي حققتها الحضارة الحديثة في هذا العصر. لذا فان المنظور السليم الذي ينبغي أن ننظر من خلاله الى اشكالية النا والآخر، هو أن الآخر ل يشكل الشر المطلق الذي ينبغي التخلص منه. وهذه النظرة الموضوعية والواقعية الى الحضارة الحديثة، هي التي تساعدنا على تحقيق معادلة واعية وعادلة في علاقة النا والآخر على مستوى الفكر والممارسة العلمية. وفي قبالة هذه النظرة أيضا نقول: ان الذات ل تشكل الخير المطلق. حيث أنها تتضمن أيضا كتجربة تاريخية، الكثير من الخفاقات والشكاليات والمزالق والمخاطر، التي ل يمكن السكوت عنها أو القبول بها. بمعنى أن الذات تتضمن العنصرين التاليين: 1- القيم المعيارية الكبرى، التي ل نختلف في أهميتها وضرورتها وأنها هي القيم التي بامكان النسانية جمعاء أن تتجمع تحت مظلتها. وهي قيم خالدة ومتعالية على الزمان والمكان، لذلك فهيي قابلة للتطبيق في كل العصور والزمان، ول شك أن هذه القيم الكبرى، تعتبر قيما مقدسة، ول يمكن التنازل عنها. وهذا ما يصطلح عليه ب”السلام المعياري”. 2- التجربة التاريخية التي خاضها المسلمون، وعملوا “كل حسب فهمه” على تنزيل تلك القيم المطلقة على الواقع، فتفاوت حظ الناس في ذلك. وعلى هذا المستوى من التجربة التاريخية، ل يمكننا بآي شكل من الشكال أن ندعي أو نزعم، أن كل ما جرى فيها من أحداث ومواقف
وشخصيات هي المعادل الموضوعي للاسلام المعياري. لنه تجربة بشرية نسبية، سعى المؤمنون فيها الى تنزيل القيم المعيارية المطلقة على الواقع النسبي. ول شك أن عملية التنزيل على الواقع النسبي، ليست معصومة من الخطآ، أو بعيدة عن النقص. وبهذا من الخطآ أن نقول: أن التجربة التاريخية “السلام التاريخي” تشكل السلام في كلياته وتفاصيله. ولكننا نقول انها تجربة المسلمين في تطبيق السلام، وهذه التجربة، ل يمكننا بآي حال من الحوال أن ندعي بآنها تتماثل وتتطابق مع السلام في كل صغيرة وكبيرة. من هنا نجد أن أآيات القرأآن الحكيم وأحاديث السنة النبوية، تدعو النسان وتحثه باستمرار الى تطبيق القيم الكبرى، وتشجعه على الالتزام بالمبادئ المعيارية التي جاء بها السلام. ولعل في الآية القرأآنية الكريمة “يا أيها النسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه” (الانشقاق، أآية 6)، اشارة الى ذلك. اننا ينبغي أن ننظر الى اشكالية النا والآخر، وفق منظور أن النا ليست خيرا مطلقا، لنها تتضمن التجربة التاريخية، التي ارتكبت فيها المظالم، وابتعد البعض في السلوك والخلاق عن متطلبات القيم المعيارية الكبرى. كما أن الآخر ل يشكل الشر المطلق، فهو يتضمن العلم والتطور التقني والتكنولوجي وثورة المعلومات والتصالت والبداع النساني فيما يرتبط بالدارة والس ياسة وما أش به، كما يتضمن الاس تعمار والاس تغلال وتدمير الآخرين والحروب والمؤامرات وما أشبه. لهذا فمن الخطآ النظر الى الشكالية من زاوية الخير والشر، أو من زاوية أن ما عندنا خير مما عندهم. وانما ينبغي أن ننظر الى المسآلة من زاوية أن اصلاح راهننا وتطوير حاضرنا، ل يتم ال بالنا والآخر، حيث ل يمكن لنا أن نبني دولة عصرية، أو نخلق مجتمعا حضاريا بعيدا عن مكتسبات العصر وانجازاته. كما ل يمكننا أن نبني الدولة والمجتمع فقط عن طريق اللت والتطور العملي. اننا ل يمكن أن تقوم لنا قائمة ال بقيمنا المعيارية واختياراتنا الكبرى التي يتضمنها السلام العزيز. وبالمنجزات الحضارية والعلمية التي صنعها النسان في هذا العصر. لذا فاننا نحتاج الى الذات، لننا نستمد منها القيم الصلية المركوزة في تكويننا النفسي والفكري، كما نحتاج الى الآخر في تطوره وعلميته والمكاسب النسانية الضخمة. اننا ل ندعو الى مواءمة بين النا والآخر، وانما ندعو الى بلورة الطر المناسبة للافادة المتبادلة عن طريق الحوار والتفاكر المشترك بين النا والآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى