مايسطرون
2021-10-09

“الخلط بين الهويات المحبوبة والمكروهه”


إن أعجب ما في الحب تحقيق التلاقي بين “الأنا” و”الأنت” فإنه يطوي كلا من “الحب” و “المحبوب” في عالم سحري عامر بالسكينة والنشوة الروحية وانبثاق ذات جديدة من هذا التلاقي نفسه ألا وهو الـ “نحن”.*1بينما أعجب ما في الكراهية تحقيق الافتراق بين “الأنا” و”الأنت” بحيث يقطع المرء صلته بإخيه الإنسان إلى درجة الوحشية بتعذيبه أو قتله بدم بارد.

وتكمن في البون الشاسع ما بين الصورتين السابقتين، التلاقي والافتراق، التلاحم والانعتاق، الاتحاد والتنافر، تكمن صور من البعثرة للنفس والآخر، النفس الفردية أو الجماعية، والآخر الفرد أو الجماعة. فأنا قد لا أعود أنا. وأنت قد لا تعود أنت. هذه البعثرة ناتجة بعض العوامل، منها التعولم المفتوح على بعضه البعض بلا حدود أو قيود، مما يجعل العلاقات بين أي أثنين، أو جماعتين، مفتوحة على الاحتمالات الممكنة وكذلك المستحيلة بين التلاقي بحب وتعايش أو الافتراق بعنف ووحشية. هي مؤشر على مدى بعثرة الهويات الفردية والجماعية من خلال خلط الهويات بأمواج العولمة العاتية.

فنحن في زمن اختلاط الهويات، عصر العولمة هو عصر تمازج الهويات، شئنا أم أبينا، بحيث التمازج أصبح مقصوداً بين الهويات، هو تمازج طبيعي بين المجتمعات المعاصرة، لكنه مخيف بسبب البون الشاسع بين أنواعه. منها: الزواج المختلط للهويات. التشارك التجاري للهويات التجارية، التزامل الوظيفي للجنسيات المتعددة، التعليم الموحد للهويات المتنوعة، السفر المشترك لأصحاب الهويات المختلفة، الفضاء المفتوح للتجارة والإعلام والثقافة والديانات والمذاهب…إلخ. العولمة أشبه بريح عاصفة لا تستثني أثارها وكيميائها أي هوية، سواء كانت هوية كلية أو هوية فرعية. وقد ساهمت تقنيات التواصل الاجتماعي والتكنلوجيا الرقمية في جعل نشاط العولمة محموماً وسريعاً في كل الاتجاهات، بأخلاق وبلا أخلاق.

لذا، كما يقول المختص بالفلسفة المقارنة “داريوش شايغان”: يصبح الإسلام والديمقراطية كفتين لميزان واحد ويتحول الوضوء، وهو من الطقوس الدينية إلى عناية بالصحة وتغدو الصلاة رياضة: خليط غريب من الرمز والمجاز من المقدس والمدنس، إنها تمثل عناصر خليط ملفق من عالمين مختلفين يستحيل تعايشهم من غير عنف. وفي حين يتيح تحويل الأفكار بناء توليفات خلاقة بين ثقافات مختلفة، فإن التغيرات تحدث، على العكس، قطيعة مع مصادر الأفكار المستوردة ومع الأرض التي تتجذر فيها الثقافة المضيفة. ويتحول إرث الماضي إلى أشكال فارغة من محتواها، والأفكار المستوردة مضامين عديمة الشكل. ولا ينجم عن الخلط بينهما إلا فكر من غير موضوع، فكر دائري يهدد هوية الشخص والثقافة وقيم الحضارات التقليدية….إننا نشهد، ضمن منظور التغيرات، ظهور فكر لا موضوع له، وفن لا مقام له، وأنماط عبثية من السلوك الاجتماعي، وذلك عن تشابك وتداخل بين مستويات فن الثقافة والوعي يستحيل التوفيق بينها.*2

في المقطع المرفق لقطات ربما تعبر عن الفكرة، العولمة والهوية الثقافية:
https://www.youtube.com/watch?v=6XOypH6G2ck

 

*1 المفارقة في انطولوجيا الحب من منظور فلسفي ص 77، عن زكريا إبراهيم: مشكلات فلسفية.
*2 أوهام الهوية، ص 53-54، داريوش شايغان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى